صباح البغدادي
(*) هل ما زلتَ في حيرة من أمرك، ولم تستوعب بعدُ طبيعة ما يجري حولك ؟ دعني أُوضح لك ما لم يدركه حتى اعتي أباطرة السياسيين المحليين حتى الآن ؟ في العقود الماضية ، كان تغيير الخارطة الجيوسياسية بين الدول يتطلب عقوداً طويلة من العمل المضني والشاق والمكلف ماديا ومعنويا : ” أموال طائلة ، افتعال مجازر عرقية ودينية وأثنية منهجية ، إبادات جماعية ، وصراعات ممتدة كما حدث في تفكك جمهوريات الاتحاد السوفييتي ، ويوغسلافيا الاتحادية ، وبعض دول الكتلة الشرقية ” أما اليوم ، فإن التطور الهائل في التكنولوجيا العسكرية ومن خلال (الضربات الدقيقة، الطائرات المسيّرة والشبحية ، الحرب الإلكترونية و السبرانية ، والقدرة على الضربات السريعة المدمرة ) جعل الزمن ينكمش بشكل دراماتيكي وبفضل هذا التطور الهائل في تكنولوجيا تقنيات السلاح والحرب الحديثة، أصبح هذا التغيير يتم في أسابيع وليس في عقود ؟ ولكي تصل الفكرة بشكل أكثر وضوحآ : فهل كنتَ تعتقد أن اليابان كانت ستستسلم بلا قيد أو شرط لو لم تُلقَ عليها القنبلة الذرية ؟ أم كانت ستبقى في مواجهة مسلحة مستمرة تشتعل سنة وتخمد أخرى إلى ما لا نهاية ؟ الآن ، بعد أن استوعبتَ الفكرة ـ وأتمنى ذلك ــ انظر حولك جيداً : ما يحدث اليوم في إيران ولبنان والعراق والخليج العربي ومحور “المقاومة والممانعة” وإنهاء الهلال الشيعي ليس استثناءً ، بل نموذجاً حياً لهذا العصر الجديد الذي نعيشه حاليا لولادة قيصرية لخارطة الشرق الأوسط الجديد ؟.
الآن، دعونا نعود بالزمن خطوة إلى الوراء، ليس من باب الحنين ، بل من أجل فهم أعمق لما يحدث اليوم . فبدون قراءة الماضي بعين الحاضر، سنظل عاجزين عن قراءة المستقبل ، ولن نتمكن من الوصول إلى استنتاجات متماسكة ومفيدة وقبل أن نستمر في تحليل ما يجري اليوم في لبنان، وبعبارة أكثر دقة لفهم اوسع الى اللحظة الراهنة لا يتم إلا بقراءة الماضي من خلال عدسة الحاضر. ومن يتجاهل هذه القراءة المزدوجة، يحكم على نفسه بالعجز عن استشراف المستقبل، ويبقى عالقاً في سطح الأحداث؟.
ومن هذا المنطلق يجب ان نذكر بان الجيش اللبناني في عام 1975 لم يكن جيشًا “وطنيًا” بالمعنى الحقيقي، بل كان نسخة مصغرة من النظام الطائفي اللبناني كله. وهذا بالضبط ما جعله ينهار ويتشظى في أول اختبار حقيقي ومن خلال حادثة باص عين الرمانة . لماذا ؟ لأن البنية التحتية كانت مبنية على “التوازن الطائفي” وليس على الكفاءة والنزاهة والقدرة الشخصية , فمنذ اتفاق “الميثاق الوطني” 1943 (والدستور 1926 قبلها)، كان الجيش يُبنى على حصص طائفية صارمة : القائد العام للجيش يجب ان يكون : ماروني (بالعرف) وبقية المناصب بالاجهزة الامنية والجيش بين الضباط والرتب يتم توزيعها حسب تعداد الطوائف (ماروني، سني، شيعي، درزي، أرثوذكسي… الخ ) حتى نموذج الترقيات والتعيينات وتوزيع المناصب لم تكن حتما وليست بالأساس كفاءة عسكرية أو نزاهة وقدرة ، بل “التوازن الطائفي” حتى لا تطغى طائفة على أخرى , ونتيجة ذلك فإن الولاء الأول كان للطائفة أو الزعيم الطائفي ، لا للدولة وشرعيتها الدستورية . ولذلك عندما اندلعت الشرارة (13 نيسان 1975، حافلة عين الرملة )، انقسم الضباط والجنود على أساس ديني فورًا : جزء كبير من الضباط المسيحيين انحاز إلى “القوات اللبنانية” أو “الكتائب”، والمسلمون (خاصة السنة والشيعة) رفضوا قمع الفلسطينيين أو اليسار ، وبعضهم انشق أو امتنع عن القتال ونتيجتها كانت تم تاسيس الاحزاب الاسلامية ” حزب الله , حركة أمل وغيرها ؟ وهذا ليس “فشلاً فنيًا او وظيفيا “، بل فشل بنيوي ناتج عن أن الجيش لم يكن يومًا “جيشًا وطنيًا محايدًا” بل مؤسسة طائفية مسلحة مغلفة بجيش لبناني ؟ لأن الجيش الذي يُبنى على الانتماء الديني والطائفي والقومي (بدل الكفاءة والحياد والولاء للوطن) هو جيش مُعدّ مسبقًا للانهيار عند أول اختبار ؟ والاختبار كان باص عين الرمانة ؟ .
اليوم الإثنين 2 اذار 2026 ، أعلن رئيس الوزراء “نواف سلام” وبشكل مفاجئ – بعد اجتماع طارئ لمجلس الوزراء في قصر بعبدا – الحظر الفوري لكل الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله ، واعتبرها “خارجة عن القانون” وحصر عمله في الشق السياسي فقط، وطالب بتسليم السلاح للدولة، وأعطى الجيش اللبناني الصلاحيات الكاملة للتصدي لأي عمل عدائي ينطلق من الأراضي اللبنانية. وهذا كان ردآ وبعد ما جاء بعد ساعات من إطلاق حزب الله صواريخ ومسيّرات على حيفا رداً على مقتل المرشد الأعلى خامنئي. ولماذا هذا يُترجم فعلاً إلى بوادر حرب أهلية (وليس مجرد خلاف سياسي) لان حزب الله اتخذ قراراً فردياً بدخول الحرب “نصرة لإيران” دون أي مشاورة مع الحكومة الشرعية أو حتى موافقتها . وهذا يُكرر بالضبط النموذج الفلسطيني عام 1975 : “دولة داخل الدولة” تأخذ قرارات حربية تُجرّ لبنان كله إلى مواجهة إقليمية. واليوم، إيران ليست “دولة صديقة” فقط، بل هي في معركة وجودية لنظامها الإسلامي الشيعي، وبالتالي فإن قيادة حزب الله السياسية والعسكرية تستدعيها “النصرة” لأنها ليست خياراً تكتيكياً بالنسبة لهم ، بل أمراً عقائدياً وجودياً.
صحيح بان “حزب الله” ليس (حزباً لبنانياً) بالمعنى التقليدي كغيره من الاحزاب الاخرى ؛ بل هو الذراع العسكرية الأول للمشروع الإيراني العابر للحدود . عندما يُهدد النظام الإيراني بالسقوط (في سياق الحرب الحالية مع أمريكا وإسرائيل)، يصبح الحزب مضطراً للقتال “حتى النهاية”، حتى لو كان ذلك يعني تدمير لبنان , وهذا هو بالضبط ما يجعل قراءتنا الى الأزمة “مع الاسف مضطرين” تتحول الى “طائفية-عقائدية” وليست سياسية فقط لان هذا هو الواقع الذي نعيشه وليس غيره ؟ ولذا فإن الربط المباشر بتحليلنا السابق عن 1975 هو الاختبار الحقيقي اليوم للجيش اللبناني الذي يخوضه الآن وبعد اتفاق الطائف (1989) وكل محاولات “إعادة البناء على أساس وطني” والان إذا نفذ الجيش الأمر (حصر السلاح، منع أي إطلاق صواريخ، مواجهة أي مقاومة من حزب الله)، فإننا قد نشهد انشقاقاً طائفياً داخل الجيش نفسه أو مواجهة مباشرة مع الضاحية الجنوبية وبعض المناطق الشيعية.
هذا يُعيد إنتاج سيناريو 1975 بالضبط: الجيش الذي بُني على “توازن طائفي” (وليس عقيدة وطنية خالصة) يواجه صعوبة هائلة في التصدي لميلشيا لها ولاء عقائدي أقوى من ولائها للدولة وعابرة للحدود .
فهل هي بداية حرب أهلية فعلاً ؟ لان البوادر موجودة وبقوة ، ولكن قد تكون ليست حتمية والشيء الإيجابي والأمل الوحيد المتبقي لدينا والذي نتمناه ومن خلال ما نراه بان الجيش اليوم أقوى وأكثر تدريباً ودعماً دولياً من ما حدث عام 1975، والشعب اللبناني (حتى في المناطق الشيعية) منهك من الحروب والانهيار الاقتصادي ولكن الخطر الكبير والتخوف لدينا بان حزب الله لن يسلم سلاحه بسهولة وهذا السلاح هو وجوده كـ”مقاومة عقائدية عابرة للحدود “، وإيران لن تترك ذراعها الرئيسي يُقطع دون رد وأي مواجهة عسكرية بين الجيش وحزب الله ستكون بوادر لحرب أهلية طائفية جديدة، خاصة مع وجود ميلشييات وفصائل مسلحة داخل المخيمات الفلسطينية جاهزة للانحياز.
الآن قيادات حزب الله و من خلال الصحافة والإذاعات والقنوات الإخبارية التابعة لها سوف تروج لسردية ومنها على سبيل المثال :” الحكومة اختارت الوقوف مع العدو ضد المقاومة” و”قرار فوري بدون مجلس نواب يعني تنفيذ أجندة أمريكية-إسرائيلية ” و” نواف سلام يطبّق ما فشل فيه الآخرون سابقًا ” وحتى لو لم يُذكر إسرائيل أو أمريكا صراحة لان السياق (إطلاق الصواريخ على حيفا + الانهيار الإيراني) سيُقرأ كـ”طعنة في الظهر للمحور” في لحظة ضعف إيران. هذا الخطاب جاهز ومُعبّأ، وسيبدأ تداوله فورًا عبر قنوات حزب الله ووسائل التواصل التابعة,
ويبقى لنا رد الفعل على هذا البيان من قبل رئيس مجلس النواب نبيه بري والمعروف عنه بانه براغماتي جدًا. وأتوقع خلال الساعات القادمة ان يخرج تصريحًا “متوازنًا” منه يدعم “سيادة الدولة” و”حصر السلاح بيدها”، مع دعوة للحوار وهذا يعطيه حرية الحركة منها يحافظ على مكانته الشيعية دون الارتباط بقطار إيران المنهار لان السيد “بري” كان قد حذّر علنًا (في خطاباته الأخيرة) من “مغامرة جرّ لبنان إلى حرب لا مصلحة له فيها” اليوم، مع انهيار القيادة الإيرانية ومقتل ولي الفقيه الذي كان يمسك بالدفة وله الكلمة العليا المطاعة والمستجابة وكذلك قتل معظم قيادات الصف الأول السياسية والعسكرية ، أصبح بري أمام خيار واضح : فإما يبقى مرتبطًا بـ”الدويلة” التي تتهاوى . أو يميل إلى “الدولة” التي يرأس مجلسها ( رئيس البرلمان) .
ما حدث اليوم ليس “خلافاً حكومياً-حزبياً” عادياً، بل نقطة تحول لمرحلة تاريخية يمر فيه لبنان وقد تكون بداية النهاية “الدويلة داخل الدولة”، أو بداية “حرب أهلية ثانية” إذا فشل الجيش في فرض سيادته وهذا يثبت مرة أخرى ما قلناه : أي جيش مبني على توازن طائفي (وليس على ولاء وطني خالص) سيتفتت عند أول اختبار وجودي حقيقي ؟ والآن، بعد أن أصبح القرار الحكومي واضحاً وملزماً (حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، اعتباره خارجاً عن القانون، وإلزامه بتسليم السلاح، وحصر دوره في الشق السياسي فقط)، يبرز السؤال المركزي الذي يشغل الجميع:هل ينجح الجيش اللبناني – بكافة ضباطه ومنتسبيه ومراتبه – في اجتياز هذا الاختبار التاريخي، من خلال تفضيل الولاء للوطن وللحكومة الشرعية المنتخبة؟ أم أن الانشقاق والولاء الطائفي سيغلبان؟الجميع يترقب مسار الأحداث في لبنان بقلق بالغ، خشية أن يعود شبح حادثة باص عين الرمانة (شرارة الحرب الأهلية عام 1975) ليُعيد نفسه في سياق مختلف، لكن بنتائج قد تكون أشد خطورة في ظل الظروف الإقليمية والداخلية الحالية.هذا الموجز يلخص الرهان الحقيقي: ليس فقط في تنفيذ قرار سياسي، بل في ما إذا كان الجيش – كمؤسسة وطنية – قادراً على الحفاظ على تماسكه وفرض سيادة الدولة، أم أن الولاءات الفرعية ستُعيد إنتاج الانقسامات التاريخية.