هل أتاك حديث آية الله العظمى”ترامب” باختياره من يكون المرشد شخصيآ ؟ فكيف انتهى مفهوم تصدير الثورة الإسلامية الإيراني والهلال الشيعي وأصبح أثراً بعد عين بهذه الصورة المخزية؟

صباح البغدادي

كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن رغبته في التدخل المباشر والشخصي في عملية اختيار الزعيم القادم لإيران، مشبها هذا الدور بما قامت به واشنطن مؤخرا في فنزويلا. وفي مقابلة هاتفية استمرت 8 دقائق مع موقع “أكسيوس” – وهي المحادثة الثانية له مع الموقع لتوضيح خططه الحربية – أكد ترمب أن وصول مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل علي خامنئي، إلى سدة الحكم “أمر غير مقبول وقال: “ابن خامنئي غير مقبول بالنسبة لي. نريد شخصا يجلب الوئام والسلام إلى إيران”. وعلق ترمب على ذلك قائلا: “إنهم يضيعون وقتهم، فابن خامنئي يُنظر إليه باعتباره شخصية ضعيفة التأثير (Lightweight)، ويجب أن أشارك في التعيين، تماما كما حدث مع ديلسي [رودريغيز] في فنزويلا”.

(*)”بعد موت ولي الفقيه.. كيف تحول الهلال الشيعي إلى أثر بعد عين، ولماذا فشلت إيران في قراءة الدرس من حرب الثماني سنوات؟وردود الفصائل المسلحة الولائية الكارتونية وتؤكد لنا اليوم الفشل التاريخي وفي أول اختبار حقيقي لها بعد اغتيال المرشد؟

ما نريد أن نناقشه الآن وفي خضم الحرب التي ما تزال مستعرة في منطقة الخليج العربي وتداعياتها وفي طياته رؤية استباقية تتناسب مع سياق الحرب الجارية (حتى 5 مارس 2026). هو يجمع بين التحليل التاريخي، النقد الاستراتيجي، والتنبؤ بالمستقبل،و خاصة أن الحرب لم تنتهِ بعد، والنتائج لا تزال تتشكل.

يصف لنا السيد الباحث ” مهدي طهراني ” بان تصدير الثورة وانتشار الهلال الشيعي سياسة مشتركة تتفق عليها جميع التيارات السياسية داخل الحكومة. كل من المحافظين والإصلاحيين يؤكدون ذلك. علي يونسي، القيادي الإصلاحي، ووزير الاستخبارات في حكومة خاتمي، ومستشار حسن روحاني، قال: “بكل فخر واعتزاز عادت إيران إلى الإمبراطورية، وأصبحت عاصمتها العراق”. وأضاف أن إيران تسيطر الآن على أربع عواصم كبرى في الشرق الأوسط هي: (بغداد، ودمشق، وبيروت، وصنعاء). ويوصف قاسم سليماني في أوساط الإصلاحيين والمحافظين بأنه بطل قومي، كما هو الحال بالنسبة لعدد كبير من القوميين المعارضين للنظام الإيراني والنظام الملكي، إذ يرون فيه ما يجلب الفخر لإيران. وقد قارن قاسم سليماني نفسه بمختار الثقفي (القرن الأول الهجري). وقد قاد مختار تمرداً للثأر من مقتل الحسين بن علي بعد سنوات قليلة من حادثة عاشوراء. ورأى سليماني نفسه على أنه النسخة الحديثة للمختار، ورسالته “الدفاع عن الشيعة في العالم”.

يروج النظام منذ بداية حكم خامنئي لأيديولوجية “آخر الزمان”. وتعتبر أيديولوجية آخر الزمان أن العالم مكان مليء بالظلم الذي سينتهي بقدوم المهدي الموعود، وتنتهي بمعركة الحق ضد الباطل، وتقوم القيامة. حتى ذلك الحين، من واجب أنصار النظام الاستعداد لظهور المهدي. وبهذه الطريقة يعتبر خامنئي نفسه قائداً ثورياً وجديراً بأداء هذه المهمة بأفضل طريقة ممكنة. وتعود جذور أيديولوجية “آخر الزمان” إلى ما قبل ثورة 1979. وتعززت هذه الأيديولوجية من خلال منظمة تسمى “جمعية الحجتية المهدوية”. واتبعت هذه الجمعية نهجاً غير سياسي في بداية تشكيلها، لكن بعد الثورة، وبسبب الحاجة إلى قوى دينية تكنوقراطية في المكاتب الحكومية، مهدت الطريق لوجودها في السلطة، وشغل أعضاؤها مناصب حكومية مهمة. ” انتهى الاقتباس”.

في الخامس من مارس 2026، يدخل الصراع الإيراني-الإسرائيلي-الأمريكي يومه السادس، مع استمرار الضربات الجوية المكثفة التي تحولت طهران إلى أنقاض مشتعلة، وردود إيرانية تذكرنا بألعاب الأطفال النارية أكثر من استراتيجية عسكرية مدروسة. اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في اليوم الأول كان الاختبار الحقيقي لـ”تصدير الثورة”، ذلك الوهم الذي بنى عليه النظام الثيوقراطي إمبراطورية من المليشيات الوهمية. لكن النتيجة؟ فشل ذريع يفضح عقوداً من القصر الاستراتيجي، حيث أنفقت إيران ملياراتها على “الهلال الشيعي” بدلاً من بناء اقتصاد يحمي شعبها من الجوع والانهيار. هل فشل الإيرانيون في قراءة التغييرات الجيوسياسية بعد حرب العراق الثمانية سنوات التي أنهكت الاقتصاد والحرث والنسل؟ نعم، وبشكل مثير للسخرية، إذ استمروا في تصدير “الثورة” عبر فصائل ولائية مسلحة عابرة للحدود، لتكشف الحرب الحالية عن وهمها الكامل.الفشل التاريخي: درس من حرب الثماني سنوات لم يُتعلمدعونا نعود إلى الثمانينيات، عندما خاضت إيران حرباً مع العراق أودت بحياة ملايين، ودمرت اقتصاداً كان يمكن أن يصبح قوة إقليمية. تلك الحرب، التي انتهت في 1988 بقبول خامنئي (خليفة الخميني) لوقف إطلاق النار كـ”كأس السم”، كان يجب أن تكون درساً قاسياً: الثورة لا تصدر بالقنابل، بل تُبنى بالتنمية. لكن النظام، في عناده الفارسي الاستعلائي، أصر على مواصلة المشوار. بدلاً من إعادة صياغة الاستراتيجية حول التنمية الاقتصادية والبشرية – مثل بناء بنى تحتية، مكافحة الفقر، أو حتى توفير مياه نظيفة لشعب يئن تحت التضخم – أنفق مليارات على “فيلق القدس” وفصائله الولائية. هذا الإنفاق، الذي يصل إلى 10-15 مليار دولار سنوياً حسب تقديرات دولية، كان يمكن أن يحول إيران إلى نموذج تنموي، لا إلى دولة مفلسة تعتمد على النفط الذي يتسرب من أنابيبها المتهالكة.النقد اللاذع هنا: أي “ثورة إسلامية” هذه التي تصدر الفقر والفوضى إلى جيرانها، بينما قادتها يعيشون في قصور فارهة، وأبناؤهم يتجولون في أوروبا؟ الخميني، ذلك الرجل الذي جعل “تصدير الثورة” ركيزة دستورية، لم يكن يفكر في “المستضعفين”، بل في هيمنة فارسية مقنعة بدينية. وها نحن اليوم، بعد أربعة عقود، نرى النتيجة: هلال شيعي أصبح “هلالاً مهزوماً”، مليئاً بفصائل تعتمد على التمويل الإيراني كالطفيليات، وتتفكك عند أول اختبار حقيقي.الاختبار الحقيقي: اغتيال خامنئي وردود الفصائل الكارتونيةكان اغتيال خامنئي في 28 فبراير 2026، خلال الضربات المشتركة الأمريكية-الإسرائيلية، اللحظة التي كشفت الوهم. حتى المتشددين الإيرانيين الأكثر تفاؤلاً لم يتوقعوا أن تكون ردة فعل قيادات الفصائل بهذه الصورة الهزلية. أين “المحور المقاوم” الذي روج له النظام؟ حزب الله أطلق بعض الصواريخ التي اعترضتها الدفاعات الإسرائيلية كالذباب، بينما الحوثيون في اليمن هددوا ولم يفعلوا شيئاً يذكر. المليشيات العراقية؟ مشغولة بتصفية حسابات داخلية، لا بـ”تحرير القدس”. الردود الإيرانية نفسها عبثية: ضربات عشوائية على مناطق سكنية في الخليج وإسرائيل، تهرب المواطنين العاديين بدلاً من استهداف الحكام أو القواعد العسكرية. لم نشاهد دخاناً كثيفاً يتصاعد من الخليج كما توقع الدعاية الإيرانية، بل هجمات تذكرنا بأفلام الكارتون: صواريخ تتساقط في الصحراء أو تُعترض في السماء، وطائرات مسيرة تُسقط كالطائرات الورقية. هذا ليس “جهاداً”، بل إهداراً لأموال الشعب الإيراني، الذي يعاني الآن من انقطاع الكهرباء والمياه بسبب الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، دون أن يرى “انتصاراً” من وكلائهم. النقد اللاذع: أي “هلال شيعي” هذا الذي ينهار عند موت رجل واحد؟ إنه هلال من ورق، مبني على عنصرية فارسية دونية تجاه العرب، مستغلة الفقراء كوقود لزعزعة الأنظمة، بينما القادة يختبئون في بنكراتهم.النقد الاستراتيجي: قصر نظر وعشوائية قاتلة وفشل إيران في قراءة التغييرات الجيوسياسية واضح: بعد حرب العراق، كان يجب التركيز على التنمية، لا على إنشاء فصائل عابرة للحدود. لكن النظام، مدفوعاً بعنصرية فارسية ترى العرب كـ”أدنى”، أصر على “تصدير الثورة” كغطاء للهيمنة. النتيجة؟ تجربة فشلت فشلاً ذريعاً، حيث أصبحت الفصائل عبئاً لا قوة. في الحرب الحالية، يقول ترامب إن الولايات المتحدة “تفعل جيداً”، بينما تقارير أمريكية تتحدث عن “قوات إيران مستنفدة”.1 هذا ليس انتصاراً لـ”العدل الإلهي”، بل إثبات لفشل استراتيجي: المليارات المصروفة على حزب الله والحوثيين كان يمكن أن تبني مصانع أو مستشفيات، لا مليشيات تهرب عند الاختبار الحقيقي.الخاتمة: نهاية عصر الوهم الإيرانيمع انقشاع غبار الحرب، سيصبح “تصدير الثورة” و”الهلال الشيعي” أثراً بعد عين، تذكيراً بفشل نظام أصر على العشوائية بدلاً من التنمية. الردود الكارتونية الحالية – ضربات عشوائية على أبنية سكنية، لا على قواعد عسكرية – تكشف الوهن: ليس ثورة، بل مسرحية هزلية انتهت بموت بطلها الرئيسي. دول الخليج، التي رفضت المشاركة في الضربات، ستخرج أقوى، بينما إيران تواجه تفككاً داخلياً. السؤال الاستباقي: هل سيتعلم النظام الجديد (إن نجا) الدرس، أم سيستمر في الوهم الفارسي؟ التاريخ يقول: لا تتوقعوا الكثير من نظام بني على الكراهية والقصر النظر.

وتبقى سياسة “تصدير الثورة” كركيزة أساسية في عهد الخميني صحيح تماماً. الخميني جعل “تصدير الثورة الإسلامية” مبدأً أساسياً في السياسة الخارجية الإيرانية بعد 1979. وصف أعمال الشغب والانتفاضات في الدول العربية (وغيرها) بـ”حركات التحرر” أو “حركات التحرير الإسلامية”، معتبراً إياها جزءاً من “تحرير المستضعفين” من “الطغاة” والتدخل الإمبريالي (أمريكي أو سوفييتي أو عربي سني). هذا مذكور صراحة في خطاباته، وفي دستور الجمهورية الإسلامية (المادة 154 تتحدث عن دعم “المستضعفين” في العالم).2. الدعم المالي والعسكري، وإدراجه في الميزانية

  • الدعم المالي والعسكري لـ”حركات التحرر” (مثل حزب الله، المليشيات العراقية، الحوثيين لاحقاً) كان ولا يزال مدرجاً في الميزانية تحت عناوين مثل “الدفاع”، “القوات المسلحة”، أو دعم “المحور المقاوم”. تقارير حديثة (مثل SIPRI وIran International) تشير إلى تخصيص مليارات الدولارات سنوياً لفيلق القدس والحرس الثوري (IRGC)، مع تقديرات تصل إلى 6-12 مليار دولار سنوياً للدعم الخارجي (حزب الله يحصل على 700 مليون – 1 مليار، العراق 1-2 مليار، اليمن 300-500 مليون، إلخ). هذه الأموال تأتي من عائدات النفط، وغالباً ما تكون “مخفية” أو ضمن ميزانية الدفاع.

3. إنشاء وحدة “حركات التحرر” في الحرس الثوري

  • بعد الثورة مباشرة (1979)، أنشئت “وحدة حركات التحرر الإسلامية” (Liberation Movements Unit) داخل الحرس الثوري، وكان يقودها مهدي هاشمي (Mehdi Hashemi)، الذي كان مرتبطاً قبل الثورة بجماعات مسلحة في لبنان (مثل أمل) وليبيا. هذه الوحدة كانت مسؤولة عن تدريب وتسليح وتمويل حركات شيعية خارجية، مثل تأسيس حزب الله (1982-1984) ودعم معارضين عراقيين.
  • تغيير الاسم إلى فيلق القدس: بعد إعدام هاشمي (1987)، تم حل الوحدة أو إعادة هيكلتها، وأصبح “فيلق القدس” (Quds Force) الذراع الرسمي للعمليات الخارجية في الحرس الثوري (رسمياً من أواخر الثمانينيات، تحت قيادة أحمد وحيدي ثم قاسم سليماني). الاسم “القدس” يرمز إلى “تحرير القدس” كجزء من تصدير الثورة.

4. إعدام مهدي هاشمي

  • أُعدم في 1987 بعد محاكمة سريعة بتهم “الإفساد في الأرض”، “التخريب”، و”إثارة الفتنة”. السبب الرسمي خلافات داخلية (تورطه في فضيحة إيران-كونترا، وصراعات مع رفسنجاني وخامنئي)، لكنه كان مرتبطاً بنائب المرشد حسين علي منتظري (شقيق زوج ابنته). الإعدام جزء من تصفية المنافسين داخل النظام.
  • النظام يستغل “العاطفة الدينية” والفقراء (شيعة في العراق، لبنان، اليمن) كـ”وقود” للمليشيات، بينما أبناء القيادات يعيشون في رفاهية (أوروبا، قصور).
  • الكثير من النقاد (عرب وإيرانيين معارضين) يرون أن “تصدير الثورة” ليس لـ”العدل الإلهي” بل للهيمنة الإقليمية، مستغلاً النظرة الدونية التاريخية الفارسية تجاه العرب (كما ناقشنا سابقاً).
  • النظام يصرف مليارات على المليشيات بدلاً من التنمية الداخلية (اقتصاد إيران يعاني تضخماً وفقراً)، وهذا يُعتبر “قصر نظر” أو “عشوائية”، خاصة بعد فشل الكثير من المحاولات (مثل محاولة انقلاب شيعي في البحرين 1981).

الخلاصة والوصف دقيق تاريخياً في الجوهر، ويعكس الرواية الشائعة عن “تصدير الثورة” كأداة هيمنة وليس تحرراً حقيقياً. السياسة مستمرة حتى اليوم عبر فيلق القدس، رغم تغيير الأسماء والقادة. الجدل حول “العدل الإلهي” مقابل “الإرهاب” أو “العنصرية” يبقى سياسياً وأيديولوجياً، لكن الحقائق المالية والعسكرية موثقة جيداً.