رمضان شهر القرآن (ح 136) (هاءات السكت، الفاصلة، الصيغة الصوتية)

د. فاضل حسن شريف

عن الكافي لأحكام التجويد: هاءات السكت: هي هاء ساكنة تقع بعد حرف متحرك بحركة غير إعرابية وتزاد للوقف عليها من أجل بيان حركة إعراب الحرف الأخير. وتزاد وجوباً وجوازاً. وحفص أثبتها عند وصل الكلام ووقفه. وقد وردت في القرآن الكريم في سبع كلمات وهي: 1 – “لَمْ يَتَسَنَّهْ” (البقرة 259). 2 – “فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ” (الانعام 90). 3 – “كِتَابِيَهْ” (الحاقة 25) و”حِسَابِيَهْ” (الحاقة 26) و”مَالِيَهْ” (الحاقة 28) و”سُلْطَانِيَهْ” (الحاقة 29). 4 – “وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَه” (القارعة 10).

عن مركز التفسير للدراسات القرآنية تأملات في بعض القيم الصوتية في القرآن الكريم للدكتور تمام حسان: ولسنا نجد شيئًا مما التزمت به الفواصل القرآنية يصلح أن يكون قافية؛ فالواو والميم في الشعر لا تناسب الياء والنون، ومن ثمّ لا تُقَفِّيها، وكذلك لا يكفي للقافية أن تعتمد على وجود المد الضيق قبل الحرف الأخير من البيت مع حرية اختيار هذا الحرف الأخير؛ فكلمة (أمين) لا تقفو كلمة (إدريس)، ولا تُعَدُّ إحدى هاتين الكلمتين قافية بعد كلمة (نوح) على رغم ضيق المدّ في هذه وتلك، وكذلك لا يكفي للقافية أن يكون الحرف الأخير ألِفًا مطلقة، فلا يُعَدُّ من التقفية توالي كلمات مثل عجبًا- همسًا- تسليمًا- كثيرًا- أصيلًا- عزيزًا، كما في سورة الأحزاب. ومغزى كلّ ذلك أنّ مَطَالِب الفاصلة تختلف اختلافًا تامًّا عن شروط القافية، ومع ذلك تأتي الفاصلة في نهاية الآية لتحقِّق للنصّ جانبًا جماليًّا لا تخطئه الأُذن؛ لأننا مهما يكن من أمرٍ نَحسُّ أنها تُضفي على النصّ قِيَمًا صوتيةً منتظمةً، فينقسم سياق النصّ بها إلى وحدات أدائية تُعدّ معالم للوقف والابتداء، وتتضافر مع الإيقاع الذي سبق شرحه فينشأ من تضافرهما أثرٌ جماليّ يُشبه ما يُخَلِّفُه وزن الشعر وقافيته، ولكنه يمتاز عن ذلك بالحرية من كلّ قيد مما تفرضه الصّنعة على الوزن والقافية. ولِأَمْرٍ ما كان الوقف على رؤوس الآي مسنونًا إلَّا أن يفسد به المعنى؛ ذلك أنّ الوصل بالقراءة إلى فاصلة الآية يتفق في الغالب من الحالات مع كمية النَّفَس لدى القارئ، فيقف القارئ عنده ليتزود بزاد نَفَس جديد، ويحسّ القارئ مع بلوغ الفاصلة بأنه قد انتهى من إحدى مراحل طريق متواصل تحفُّ به روائق الإيقاع وروائع المعنى من كلّ جانب، وللفاصلة علاقة بالآية التي اختتمت بها، قد تكون على إحدى صورتين 1. أن تكون الفاصلة جزءًا من سياق الآية لا يتجزّأ، فلا يُتصور معنى الآية إلَّا به، كما في قوله تعالى “وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ * فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ” (الأعراف 74- 79)، فكلّ آية تنتهي بجملة هي جزء من سياق ما قبلها، شديد الارتباط به نحويًّا ودلاليًّا. 2. وقد تأتي الفاصلة بعد تمام المعنى، فتكون تذييلًا للآية أو تعقيبًا على محتواها، كما في قوله تعالى “وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ” (آل عمران 152- 155). فقوله تعالى “واللهُ ذو فضلٍ عَلَى المؤمِنِينَ”، وقوله “واللهُ خبيرٌ بما تعملونَ”، ثم قوله “واللهُ عليمٌ بذاتِ الصدورِ”، وكذلك “إنّ اللهَ غفورٌ حليمٌ”، إنما جاء بعد تمام المعنى، فكان تذييلًا للآية، أكسبها جمالًا على جمال أسلوبها، وحدّد معالم كلّ آية وميَّزها عن الأخرى، وأبرز ما لها من مضمونٍ خاصٍّ. والملاحظ أنّ هناك انسجامًا وتآلُفًا بين مضمون الآية ومضمون التذييل، فليس في القرآن آية يدعو مضمونُها إلى العقاب تنتهي بتذييل من قبيل الرحمة، وليس فيه من آية تتضمن رضوانًا من الله تنتهي بتذييل يهدّد بشدّة العقاب، وهلمّ جرًّا.

عن المرجع الألكتروني الاعلامية الصيغة الصوتية الواحدة للدكتور محمد حسين الصغير: الراجفة والرادفة، قال تعالى: ” يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ” (النازعات 6-7) وتبدأ القيامة بالراجفة، وهي النفخة الأولى (تتبعها الرادفة) وهي النفحة الثانية. وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك ‏. قال الزمخشري (ت: 538 هـ) (الراجفة: الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفحة الأولى، وصفت بما يحدث بحدوثها (تتبعها الرادفة) أي الواقعة التي تردف الأولى، وهي النفحة الثانية، أي القيامة التي يستعجلها الكفرة، استبعادا لها وهي رادفة لهم لاقترابها. وقيل الراجفة: الأرض والجبال من قوله- يوم ترجف الأرض والجبال- والرادفة السماء والكواكب لأنها تنشق وتنتثر كواكبها إثر ذلك) (16). وقال الطبرسي (ت: 548 هـ) الراجفة: يعني النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق، والراجفة صيحة عظيمة فيها تردد واضطراب كالرعد إذا تمخض (تتبعها الرادفة) يعني النفخة الثانية تعقب النفخة الأولى، وهي التي يبعث معها الخلق‏. و بمتابعة هذه المعاني: النفخة الأولى، النفخة الثانية، الصيحة، التردد، الاضطراب، الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال، الواقعة التي تردف الراجفة، وانشقاق السماء، انتثار الكواكب، الرعد إذا تمخض، بعث الخلائق وانتشارهم الخ. بمتابعة أولئك جميعا يتجلى العمق الصوتي في المراد كتجليه في الألفاظ دلالة على الرجيف والوجيف، والتزلزل والاضطراب، وتغيير الكون، وتبدل العوالم ” يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ” (إبراهيم 48). فتعاقبت معالم الراجفة والرادفة مع معالم الواقعة والقارعة والآزفة، وتناسبت دلالة الأصوات مع دلالة المعاني في الصدى والأوزان.

ويستطرد الدكتور الصغير رحمه الله قائلا عن الصيغة الصوتية: الغاشية، قال تعالى: “هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ” (الغاشية 1). وهو خطاب للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يريد قد أتاك حديث يوم القيامة بغتة عن ابن عباس والحسن وقتادة. قال الراغب (ت: 502 هـ) الغاشية كناية عن القيامة وجمعها غواش. وقال الزمخشري (ت: 538 هـ): الغاشية الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها، يعني القيامة. وقال ابن منظور (ت: 711 هـ) الغاشية القيامة، لأنها تغشى الخلق بأفزاعها، وقيل الغاشية: النار لأنها تغشى وجوه الكفار. وقيل للقيامة غاشية: لأنها تجلل الخلق فتعمهم‏. وبمقارنة هذه الأقوال، وضم بعضها إلى بعض، يبدو أن الغاشية كني بها عن القيامة لأنها تغشى الناس بأهوالها، وتعم الخلق بأفزاعها، فهي تجللهم الإحاطة من كل جانب، وقد تكون هي النار التي تغشى وجوه الكفار، وهي الداهية التي تغشى الناس بشدائدها، وتلبسهم أهوالها… إلخ. إذن، ما أقرب هذا المناخ المفزع، والأفق الرهيب لمناخ الواقعة والقارعة والآزفة والراجفة والرادفة، إنه منطلق واحد، في صيغة واحدة، صدى هائل تجتمع فيه أهوالها، وصوت حافل تتساقط حوله مصاعبها تتفرق فيه الألفاظ لتدل في كل الأحوال على هذه الحقيقة القادمة، حقيقة يوم القيامة برحلتها الطويلة، في الشدائد، والنوازل، والقوارع، والوقائع، لتصور لنا عن كثب هيجانها وغليانها، وشمولها وإحاطتها: ” بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ” (القيامة 5-12).