رياض سعد
تمهيد: حين يصبح الدم العراقي رخيصًا
ليس من الحكمة أن نقرأ المشهد العراقي الراهن بمنظار العاطفة الجياشة وحدها، فثمة ما هو أعمق من الانفعال، وما هو أخطر من ردود الأفعال اللحظية…؛ إن استهداف العراقيين، عسكرًا ومدنيين، من مقاتلي الحشد الشعبي إلى عناصر الجيش والشرطة، بل والمواطنين العادين في أسواقهم وبيوتهم، بطائرات أمريكية وإسرائيلية وغيرهما من أدوات الارهاب والاجرام المرتبطة بالخارج ، ليس مجرد حدث عابر يمر كسحابة صيف، بل هو ظاهرة مركبة تستدعي قراءة متعددة الأبعاد: سياسية، اجتماعية، أخلاقية، وفلسفية…؛ فالقتل هنا ليس مجرد جريمة عادية، بل هو اغتيال للوطنية قبل اغتيال الأرواح، وإعلان حرب على الهوية العراقية بكل مكوناتها .
نحن إزاء معضلة وجودية: كيف يمكن لشعب أن يفرح بمقتل أبنائه؟!
وكيف يمكن لبشر أن يستجدي الأجنبي ليقتل أخاه؟!
وأين يقع الخط الفاصل بين الخلاف الداخلي المشروع وبين الخيانة العظمى التي تستدعي العدو ليدنس حرمات الديار؟
هذه الأسئلة وغيرها تشكل المحاور الأساسية لهذه المقاربة التحليلية التي تسعى إلى تفكيك الظاهرة وكشف جذورها النفسية والاجتماعية والسياسية…؛ مسترشدة بالشواهد السياسية والأحداث الأخيرة التي استهدفت مقرات الحشد الشعبي وفصائل المقاومة الإسلامية في العراق.
أولا :بشاعة القتل وقدسية الحياة
لا توجد جريمة في هذا العالم أشد فظاعة من جريمة القتل؛ فهي اللحظة التي تنطفئ فيها شعلة الحياة، ويُختطف الإنسان من زمنه وأحلامه وأهله وعمله وناسه ومحيطه دفعةً واحدة… ؛ إذ تمثل النهاية المطلقة للحياة الإنسانية، والفناء الذي لا رجعة فيه.
القتل ليس مجرد فعل مادي ينهي حياة فرد، بل هو في جوهره إعلان حرب على معنى الحياة ذاته… ؛ فكما لا يجتمع النور والظلام في آنٍ واحد، كذلك لا يمكن أن تجتمع الحياة مع القتل .
ولذلك جاءت الشرائع السماوية والفلسفات الإنسانية والقوانين الوضعية لتضع حرمة الدم الإنساني في أعلى سلّم القيم… ؛ وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة ببلاغة خالدة حين قال تعالى :
(من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا )
إن هذه الآية لا تتحدث عن فردٍ واحد فحسب، بل عن الإنسانية كلها؛ فهي تجعل قتل إنسان واحد جريمةً تعادل قتل البشرية جمعاء، وتجعل إنقاذ إنسان واحد بمثابة إحياء العالم بأسره … .
نعم , هذا النص القرآني يضع معيارًا أخلاقيًا عالميًا يؤكد أن الاعتداء على فرد واحد هو في حقيقته اعتداء على الإنسانية كلها … ؛ فالقتل جريمة شنعاء تستهدف لبّ الوجود الإنساني، فلا أفظع من جريمة تنتزع الروح من الجسد، وتُخرج الإنسان من دائرة الحياة إلى ظلمة الفناء الأبدي حيث يلتقي الظلام بالعدم، وتنطفئ شمعة عمر لا يمكن إشعالها ثانية… ؛ لأن الحياة أصل كل خير، والقتل أصل كل شر… ؛ ولعظمة هذه المسألة وخطورتها، شبه القرآن الكريم صيانة النفس البشرية والحفاظ على الأرواح بالإحياء الذي هو نقيض الإماتة، وجعل جرم قتل الفرد الواحد كجرم قتل الناس جميعاً .
هذا الميزان الاسلامي يضع الدم العراقي في دائرة القدسية التي لا يمكن المساس بها، مهما كانت المبررات والذرائع والشعارات … ؛ وهذه الشفافية الإنسانية في التعامل مع الدماء تعكس وعيًا عميقًا بخطورة القتل وقدسية النفس، وتضعنا أمام تساؤل جوهري: إذا كان الإسلام يدرأ الحدود بالشبهات حفاظًا على النفس، فكيف بمن يستبيح دماء العراقيين بحجة الانتماء لطرف أو مكون أو فصيل؟!
كما أكد فقهاء الإسلام أن حفظ النفس من أعظم مقاصد الشريعة، حتى إنهم قرروا قاعدة شهيرة مفادها أن الحدود تُدرأ بالشبهات وحفظ النفس في الشرع من أهم الواجبات ؛ فإذا راود القاضي أدنى شك في ثبوت الجريمة، سقط الحد بالإجماع… ؛ وهذا يدل على أن الأصل في الشريعة هو صيانة الدماء لا إهدارها .
نعم , لقد بنى فقهاء الإسلام على هذه القاعدة العظيمة منهجًا في التعامل مع الجناية، فأكدوا أن حفظ النفس هو أحد الضرورات الخمس التي جاء الشرع لحمايتها… ؛ ولعظم أمر الدماء، قرروا أن “الحدود تدرأ بالشبهات”، فمجرد وجود شبهة بسيطة في ذهن القاضي كفيلة بإسقاط العقوبة عن الجاني، صونًا للروح البشرية من أن تذهب هدرًا تحت راية قصاص قد يكون غير متيقن … ؛ أي إن مجرد الشك في ثبوت الجريمة يكفي لإسقاط الحد، لأن الشريعة تفضّل أن يفلت مذنبٌ محتمل من العقوبة على أن يُقتل بريءٌ واحد بغير حق كما اسلفنا .
ثانيا : قدسية الحياة في الفلسفة
لم يكن هذا المعنى خاصًا بالنصوص الدينية وحدها، بل وجد صداه العميق في الفكر الإنساني عبر العصور .
ومن هذه المبادئ الإنسانية والأخلاقية استلهمت بعض الدول الحديثة توجهًا قانونيًا يقضي بإلغاء عقوبة الإعدام من قوانينها الجنائية، معتبرة أن حياة الإنسان لا يجوز أن تُنتزع حتى لو كان مجرمًا، لأن الإنسان كائن قابل للخطأ، وقابل أيضًا للتوبة والإصلاح … ؛ ولان حياة الإنسان فرصة واحدة لا تتكرر، وأن البشر بطبيعتهم معرضون للخطأ والزلل… , ومائل إلى الاشتباه والتوهم أحيانًا، فيحسب الحق باطلًا والباطل حقًا…؛ وقد عبّر التراث الإسلامي عن هذا المعنى بقول يُنسب إلى النبي محمد : ( كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون )
فالإنسان قد يخطئ، لكنه يملك في الوقت ذاته القدرة على مراجعة نفسه وتصحيح مساره .
نعم ,ذهبت بعض الحكومات في العالم إلى إلغاء عقوبة الإعدام، بغض النظر عن حجم الجريمة، معللين ذلك بأن عمر الإنسان قصير وفرصته في الحياة واحدة.
ثالثا: فلسفة الحياة في مواجهة فلسفة الموت /تأملات في قيمة الحياة من العقاب إلى التعويض
يذهب بعض الفلاسفة إلى أن الإنسان قد يرتكب جريمة في لحظة غضب أو انفعال يفقد فيها السيطرة على نفسه، وهو في وضعه الطبيعي لا يمكن أن يقدم على مثل ذلك الفعل؛لذلك فإن إعدامه قد يعني إغلاق باب التوبة والإصلاح، في حين يمكن للقانون أن يفرض عليه عقوبات أخرى تعوّض الضرر الذي سببه .
ولتوضيح هذه الفكرة يمكن أن نتأمل مثالًا إنسانيًا بسيطًا :
لنتخيل بيتًا يعيش فيه أبٌ وأمٌّ طاعنان في السن، ولهما ابنان متزوجان، ولكل منهما خمسة أطفال… ؛ وفي يومٍ ما، تسلّل الشيطان إلى قلبين كانا يومًا متحابين، فنشب شجار بين الأخوين انتهى بأن قتل الأصغر أخاه الأكبر … .
هنا يقف الأب أمام امتحانٍ قاسٍ بين العاطفة والعقل … ؛لو أنه استسلم لغريزة الانتقام وقتل ابنه الأصغر قصاصًا، فإنه يكون قد خسر ابنين بدلًا من واحد، وترك وراءهما عائلاتٍ كبيرة بلا معيل … ؛ نعم , سيخسر شخصين كانا يعولان الأسرة، فتموت العائلة جوعاً ويتشرد الأطفال في الشوارع ؛ فالأب الحكيم صار يفكر بطريقة أخرى… ؛ اذ يقول في نفسه : (إذا قتلت ابني الأصغر فلن أعيد الأكبر إلى الحياة، بل سأضيف مأساةً جديدة إلى المأساة الأولى , ولو قتلت ابني الثاني، من سيعيل الأرامل والأيتام وانا و زوجتي بلغنا من العمر عتيا ؟ وسأرتكب جريمة قتل أخرى باسم العدالة ؛وسيكون تأثير حادثة القتل الثانية أشد وقعًا وفتكًا بنا جميعًا…؛ وكأني صححت الخطأ بالخطأ، وعالجت القتل بالقتل، وداويت الداء بالداء ) …!!
لكن لو اختار طريقًا آخر قائمًا على الإصلاح والتكفير عن الخطأ، كأن يفرض على الابن القاتل أن يتحمل مسؤولية إعالة عائلة أخيه وأن يتكفل بأطفاله، فإن النتيجة ستكون الحفاظ على الأسرة بدل تدميرها … ؛ فبدل قتل الابن الاصغر ؛ طلب من ابنه الأصغر الندم والاعتذار والتكفير عن جريمته، وأمره بما يلي :
بما أنك كنت تعمل 8 ساعات يوميًا لقاء أجرة 20 دولارًا، وأخاك المقتول كذلك، فعليك تعويض عمل أخيك ودفع المبلغ إلى عياله كما كان يفعل، أي تضاعف العمل 16 ساعة يوميًا لتدفع 40 دولارًا للعائلتين … ؛ ثم عليك أن تتزوج من أرملة أخيك وتعتنى بأطفالها كما تهتم بزوجتك وأطفالك … ؛ فانصاع الابن لكلام الأب، وبكى على أخيه وندم كثيرًا، ثم أعال العائلتين واهتم بالعائلة الكبيرة، وكبر الأولاد، وأنجب من زوجة أخيه خمسة أولاد آخرين كانوا كحلقة الوصل بين أخوانهم الخمسة من أبيهم وأخوانهم الخمسة من أمهم…؛ وكبر هؤلاء واشتد عودهم، ونشأوا نشأة طبيعية، وسرعان ما انصرمت السنون حتى لحق الأخ الأصغر القاتل بأخيه الأكبر المقتول، وكانت تلك السنون كابوسًا مرعبًا سريعًا مر به الأخ الأصغر …
بهذا، حوّل مأساة القتل إلى قصة تكافل، وجعل من الجاني أداة حياة لا موت… ؛ هذا هو العمق الإنساني الذي تغفل عنه قوانيننا وعاداتنا وتقاليدنا الاجتماعية بل وثقافتنا العامة .
نعم , بهذا القرار، حوّل مأساة القتل إلى قصة تكافل، وحافظ على تماسك العائلة، وجعل من القاتل نفسه أداة للحياة والتعويض، قبل أن يدركه الموت ليلحق بأخيه تاركًا خلفه أسرة متماسكة؛ اذ ليس كل عدلٍ هو قتل، وليس كل قصاصٍ هو إزهاق روح .
هنا نرى أن الحكمة في معالجة القتل ليست بالقتل، بل بإعادة بناء الحياة… ؛ وهذا ما دفع فلاسفة القانون للدعوة إلى إلغاء الإعدام واستبداله بالأعمال الشاقة أو التعويض، فما فائدة إعدام شخص بلغ من العمر عتياً، فالنتيجة خسارة مضاعفة للمجتمع؟!
*** الدلالات الفلسفية للمثال السابق
هذا المثال يوضح الدوافع التي دفعت الفلاسفة والمفكرين إلى الدعوة لإلغاء عقوبة الإعدام …؛ فبدلًا من أن تخسر الدولة شخصين، لتخسر شخصًا واحدًا، وتكلف الثاني بالقيام بمهام الشخص المقتول، وهذا ما يدعى بالأعمال الشاقة أو الطويلة في السجون .
كما أن الإنسان قد تتحكم به نزعات ونزوات وحالات انفعال يفقد فيها سيطرته على نفسه، فيقدم على ارتكاب جريمة لا يفعلها في وضعه الطبيعي أبدًا…؛ وهو بالتالي ميت ميت، فما فائدة إعدام شخص بلغ من العمر عتيًا؟!
ألا يستطيع القانون انتظاره سنة أو سنتين كي يموت حتف أنفه، مع التزامه بكافة تداعيات الجريمة من تنفيذ عقوبات أخرى ودفع تعويضات مجزية لذوي المقتول؟!
هذا المثال يعلمنا أن العدالة ليست انتقامًا دائمًا، بل قد تكون إلزامًا بالحياة وخدمة المجتمع (الأشغال الشاقة) وتعويضًا للضحايا… ؛ فما قيمة أن نعدم إنسانًا طاعنًا في السن أو شابًا أخطأ في لحظة انفعال، بينما يمكن للقانون أن ينتظر ويحقق رد اعتبار للضحية عبر تعويض مجزٍ وتأهيل للجاني، خاصة إذا كانت الجريمة غير مكرسة بنية مبيتة؟
رابعا : المفارقة الأخلاقية في الواقع العراقي
غير أن المفارقة الصادمة تظهر عندما ننتقل من هذا التأمل الإنساني إلى الواقع العراقي المعاصر … ؛ ففي الوقت الذي تناضل فيه كثير من شعوب العالم لإلغاء عقوبة الإعدام حتى بحق المجرمين، نجد في العراق من يطالب الأجنبي بقتل أبناء وطنه ؟!
إنها ظاهرة غريبة على منطق الوطنية والغيرة والنخوة العراقية وعلى أبسط قواعد الأخلاق السياسية .
فالعراقي الذي يختلف مع أخيه العراقي ـ سياسيًا أو مذهبيًا أو حزبيًا ـ قد يتحول في لحظة غضب إلى من يبرر استهدافه بالصواريخ الأجنبية والطائرات المعادية والحراب الارهابية :
مرةً بحجة أنه من الأغلبية ,و مرةً لأنه من الأقلية ,ومرةً لأنه من الحشد الشعبي ,ومرةً لأنه من الجيش أو الشرطة ,ومرةً لأنه ينتمي إلى حزبٍ أو تيارٍ سياسي … ؛وكأن الخلاف السياسي أصبح مبررًا لإباحة الدم ؟!
إلى آخر هذه التصنيفات المريضة والمنكوسة والطائفية والعنصرية .
إن هذه الظاهرة تمثل انقلابًا خطيرًا في الوعي الوطني؛ إذ إن الخلافات السياسية أو الطائفية أو الحزبية لا يمكن أن تبرر استدعاء الأجنبي لضرب مواطني البلد .
فهل يرضى أي شعب في العالم أن يطلب من دولة أجنبية قتل أبنائه؟!
هل يقبل الأمريكي أن يطلب من دولة أخرى قتل الأمريكيين بسبب خلاف سياسي؟
وهل يقبل الفرنسي أن يأتي أجنبي لينفذ عمليات قتل في فرنسا بحجة الخلافات الداخلية؟
الإجابة البديهية: لا.
ومع ذلك، نجد في العراق من يبرر أو يفرح باستهداف العراقيين الاصلاء بواسطة طائرات أجنبية، سواء كانوا من المدنيين أو من عناصر القوات الأمنية أو من تشكيلات الحشد الشعبي التي أُنشئت أساسًا لمواجهة تنظيم داعش والحركات الارهابية الاجرامية الخطيرة …!!
نعم , في زمن تتجه فيه الأمم المتحضرة لإلغاء عقوبة الإعدام، بحق المجرمين أنفسهم.. نرى في العراق مشهدًا مقلوبًا :
فئة من الهمج والعملاء والجهلة والاغبياء تهرع إلى استجداء الأعداء – الأمريكي والإسرائيلي وغيرهما – لقتل أبناء وطنهم …!!
يستهدفون الحشد الشعبي الذي حرر الأرض من داعش …
يستهدفون الجيش والشرطة الذين يحرسون الحدود ويواجهون العصابات…
يستهدفون المواطنين في أسواقهم وبيوتهم …
يستهدفون سياسيين لمجرد اختلافهم في الرأي أو الانتماء …
تتعدد ذرائعهم كما اسلفنا … ؛ وكأن الانتماء لهذه العناوين جريمة تستوجب الموت على يد الأجنبي …!!
ألا يخجل هؤلاء “الأمعات والخونة والدونية” من مطالبة الأعداء والأجانب بقتل أبناء جلدتهم ومواطني دولتهم وشركائهم في الوطن؟!
إنها مفارقة مأساوية أن يتحول الدم العراقي إلى عملة رخيصة يتاجر بها البعض… ؛ اذ يستهدف هؤلاء “الأدعياء والخونة والعملاء والاغبياء ” فئات عريضة من الشعب …!!
خامسا : شواهد من الواقع القريب
وهذه الأيام خير شاهد على ما نقول ؛ فما زالت الأخبار تترى عن عمليات استهداف جوي أمريكي واسرائيلي لمواقع ومقرات تابعة للحشد الشعبي وفصائل المقاومة الإسلامية في العراق… ؛ في كل مرة، يسقط شهداء من هؤلاء الذين خاضوا معارك التحرير ضد داعش، والذين يعتبرون اليوم ركناً أساسياً في المعادلة الأمنية للبلاد.
لقد شهد العراق في السنوات الأخيرة سلسلة من الضربات الجوية التي استهدفت مواقع وشخصيات عراقية داخل أراضيه، ومنها مواقع تابعة للحشد الشعبي أو للقوات الأمنية … ؛ ففي عام 2024 أدت ضربات جوية أمريكية استهدفت مواقع في محافظة الأنبار إلى سقوط قتلى وجرحى من عناصر الحشد الشعبي … ؛ وفي يوليو 2024 هزت انفجارات مقرًا للحشد الشعبي في منطقة جرف الصخر جنوب بغداد وأسفرت عن سقوط ضحايا … ؛ كما شهد عام 2026 غارات استهدفت مواقع للحشد الشعبي في بغداد ونينوى وديالى وكركوك ، أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من المقاتلين … .
وتؤكد تقارير إعلامية أن هذه الضربات تأتي في سياق التصعيد الإقليمي، حيث تتعرض مواقع مرتبطة بالحشد الشعبي وفصائل المقاومة الإسلامية لاستهداف متكرر، وسط انقسامات سياسية وأمنية داخلية، حيث تتهم بعض الفصائل “وشاة” بتزويد الأعداء بالإحداثيات .
كما شهد سهل نينوى في الأيام الأخيرة قصفاً استهدف مقر اللواء 50 في الحشد الشعبي بطائرات مسيرة “انتحارية”، في حادث هو الثاني من نوعه خلال أيام، مما يكشف عن حالة الاستباحة التي تتعرض لها السيادة العراقية .
وبغض النظر عن السياقات السياسية والعسكرية لهذه الضربات، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الدم الذي يسقط على الأرض هو دم عراقي .
هذه الحوادث والجرائم والمجازر تطرح تساؤلات جدية حول سيادة الدولة العراقية وحدود استخدام القوة العسكرية الأجنبية داخل أراضيها …؟!
والشهداء الذين سقطوا جراء تلك الاعتداءات الغاشمة ,كانوا في الصفوف الأولى لتحرير العراق عام 2014 …!!
هؤلاء كلنا نعلم علم اليقين أنهم من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، لم يكنزوا الذهب والفضة…؛ فلماذا نفرح بقتلهم؟!
لأنهم حرروا العراق من الإرهاب وأرجعوا العراقيين إلى مناطقهم؟!
أم لأنهم تصدوا لأعتى مجرمي العالم؟!
أم لأنهم قبلوا بالرواتب القليلة وسكتوا؟!
أم لأنهم يشاركون في كل الفعاليات الخدمية والاجتماعية التي تصب في صالح الوطن والمواطن؟!
أم لأنهم من أبناء الأغلبية العراقية الأصيلة وسائر مكونات الامة العراقية ؟!
لا بد من مراجعة بسيطة لحساباتك أيها “الهجين والدوني والخائن”…؛ فكر جيدًا بالدوافع التي تجعلك تفرح بمقتل أخيك واستشهاد أبناء جلدتك ومواطني بلدك …؛ اجلس مليًا مع نفسك واسألها: هل يقبل الأمريكي أن يقوم الإيراني بقتل الأمريكيين لأنهم مجرمون وفاسدون؟
وهل يرضى الفرنسي أن يقتل الجزائري فرنسيين لأنهم منتمون لأحزاب ومليشيات؟ وهل يستسيغ الألماني أن يأتي أفريقي ويقتص من الألمان لأنهم ارتكبوا جرائم في ألمانيا؟!
قطعًا لا يوجد شخص وطني في العالم يقبل بذلك، ولا يسوغ تدخل الأجانب والغرباء والأعداء ببعض الشعارات والأطروحات والأيديولوجيات والادعاءات… أبدًا.
إذا فقط أنت أيها “الدوني والهجين والمؤدلج والحاقد والمريض” من تريد ذلك، لأنك أحمق وساذج ومريض نفسي ومنعدم الوعي والإدراك والشرف والهوية والغيرة العراقية .
سادسا : بين السيادة الوطنية والانقسام الداخلي / مأزق الوعي الوطني
المشكلة الحقيقية لا تكمن في القصف نفسه فحسب، بل في ردود الفعل المنقسمة حوله … ؛ فبدل أن يتفق العراقيون على رفض استباحة أرضهم وأرواح أبنائهم، أصبح بعضهم يصفق للموت إذا أصاب خصمه السياسي أو الطائفي أو القومي …!!
نعم , إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط وقوع القصف ذاته، بل الانقسام الداخلي حوله… ؛ اذ صاربعضهم ينظر إلى الضربات الأجنبية من زاوية الخصومة السياسية والطائفية والقومية الداخلية … ؛ وهذا من أخطر أشكال التفكك الوطني؛ لأن الدولة التي تسمح بانقسام أبنائها حول دماء مواطنيها تصبح أكثر عرضة للتدخلات الخارجية والصراعات المحلية .
وهنا نصل إلى السؤال الأخلاقي الكبير :
هل يمكن أن يكون الإنسان وطنيًا وهو يفرح بمقتل أبناء بلده على يد قوة أجنبية؟
أي شعب في العالم يقبل بذلك؟
هل يقبل الأمريكي بأن تقوم دولة خارجية أو معادية بقتل الأمريكيين؟
وهل يرضى الفرنسي أن يأتي أجنبي لينفذ عمليات قتل في فرنسا بحجة الخلافات الداخلية ؛ أو أن يعتدي جزائري على سيادة وطنه؟!
قطعًا لا… ؛ فلماذا نرضى لأنفسنا ما لا يرضاه غيرنا لأنفسهم …؟!
لأن الوطنية، قبل أن تكون موقفًا سياسيًا، هي إحساس غريزي بالانتماء إلى الجماعة الوطنية .
اذا كيف يجرؤ البعض من أبناء العراق والقاطنين فيه على مطالبة الأجنبي بقتل مواطنيه؟!
سابعا :العقلانية مقابل العنف: الحوار هو السبيل
مشاكلنا… , خلافاتنا … ,… خصوماتنا…,نزاعاتنا الداخلية والمحلية…؛ نحن من يقوم بحلها وحللحتها، ولا سبيل إلى ذلك سوى الركون إلى الحكمة وتغليب لغة الحوار على لغة العنف، لأن العنف يولد مزيدًا من العنف، والقتل لا ينتج سوى القتل …؛ أما الحكمة والجدال بالتي هي أحسن، ومحاورة بعضنا لبعض، واستماع بعضنا للآخر، وحل المشكلات بطرق علمية وواقعية، فإنها تفضي إلى الخير والصلاح والتطور والازدهار.
وعليه، لا يفرح عراقي بمقتل عراقي أصيل ؛أيًا كان انتماؤه ,على يد عدو خارجي أو أجنبي، إلا من كان أحمق ساذج بسيط، أو حاقد طائفي عنصري قومي، أو “هجينًا من جذور أجنبية وأصول غريبة” لا تمت بأية صلة للهوية الوطنية والغيرة والأصالة العراقية … ؛ نعم , الفرح باستهداف الجيش أو الشرطة أو الحشد الشعبي من قبل الطائرات الأمريكية أو الإسرائيلية هو دليل على الخيانة أو الحماقة … ؛إن من يفرح باستهداف الأبطال الذين دافعوا عن الأرض والعرض، والذين قدموا الغالي والنفيس من أجل حماية المواطن، لابد أن يراجع حساباته .
نعم, لابد من مراجعة حسابات هؤلاء… ؛ فهل يقبل الأمريكي أن يقتل الإيراني مواطنيه باسم محاربة الفساد؟
وهل يرضى الفرنسي أن يعتدي الجزائري على فرنسا بحجة تصفية حسابات قديمة؟ قطعاً لا..
فما يسوغه العقلاء في العالم من رفض للتدخل الأجنبي، يجب أن يكون عنواناً للعراقيين؛إن من يطالب الأجنبي بقتل العراقيين هو إما خائن، أو هجين، أو مريض نفسي، أو جاهل بأبسط قواعد الانتماء الوطني .
مشاكلنا لن تحلها الصواريخ والطائرات الأجنبية والمفخخات الارهابية والتفجيرات الطائفية والتكفيرية … ؛ اذ لايمكن تصحيح الخطأ بارتكاب خطأ آخر أكبر منه.
نعم , العنف لا يصنع وطنا … ؛ إن التاريخ يعلمنا درسًا بسيطًا لكنه عمليا :
العنف يولد عنفا , والقتل لا ينتج الا قتلا اخرا … ؛ أما الحكمة والحوار والاحتكام إلى العقل فهي الطريق الوحيدة التي تقود إلى الاستقرار … ؛فالخلافات داخل البيت الواحد أمر طبيعي … ؛والاختلاف بين العشائر أو الأحزاب أو الطوائف أمر موجود في كل المجتمعات … ؛لكن استدعاء الأجنبي ليكون حكمًا بين أبناء الوطن هو بداية ضياع السيادة … ؛فالبيت الذي يفتح أبوابه للغرباء ليحلوا نزاعاته الداخلية، سرعان ما يفقد القدرة على إدارة شؤونه بنفسه .
إن مشاكل العراق السياسية والطائفية لا يمكن حلها بالصواريخ الأجنبية والتدخلات الخارجية والمفخخات الارهابية والتفجيرات الطائفية كما ذكرنا ذلك مرارا وتكرارا … ؛ بل بالحوار الداخلي واصلاح اسس العملية السياسية وتثبيت الديمقراطية والعلمانية وترسيخ المساواة والعدالة الاجتماعية وتنظيف دوائر الدولة ومؤسسات الحكومة من الفاسدين والفاشلين والمنكوسين والخونة … ؛ والاحتكام إلى القانون والدستور فهي الطريق الوحيد لبناء مجتمع مستقر.
ولهذا فإن الواجب الأخلاقي والوطني يقتضي أن يتفق العراقيون، مهما اختلفت توجهاتهم السياسية، على مبدأ أساسي واحد :أن دم العراقي لا يجوز أن يكون مباحًا لطائرات أجنبية أو حسابات إقليمية أو عمليات ارهابية وطائفية وتكفيرية وانتقامية .
ثامنا : التفكير الارتغابي والسطحي لدى المستهدفين للوطن والفرحين بقتل المواطن
من منا يطلب من الغريب قتل ابنه العاق أو أخيه أو ذبح زوجته؟!
فعلى فرض جناية أخيك أو ابنك أو زوجتك، هل تطلب من الغريب تدنيس بيتك من أجل قتلهم أمام عينيك؟!
إن قبلت بذلك فأنت إنسان “بلا شرف ولا غيرة ولا هوية”…؛ نعم، قد تقع الخلافات بين أبناء البيت الواحد والعشيرة الواحدة والطائفة الواحدة والحزب الواحد والوطن الواحد، إلا أن هذا لا يعني استدعاء الأجانب للفصل بين أصحاب الدار، فـ”أهل مكة أدرى بشعابها”، وما حن دخيل على أصيل قط كما يقولون .
هذا هو التفكير الارتغابي بعينه: تفكير موجه بالرغبات والأهواء لا الوقائع والحقائق الموضوعية، وهو نقيض التفكير الواقعي، يؤدي إلى استنتاجات واهية وخيالية لا أساس لها في الواقع، تعكس ما نتمناه لا ما هو كائن وما يجب ان يكون … ؛ وهذا هو التفكير السطحي أيضًا: تفكير لا يتجاوز الظواهر ولا ينفذ إلى الجوهر، يعجز عن الموضوعية والتجريد والتنظير الدقيق، ويعجز عن استشراف المستقبل أو فهم الأسباب الجذرية … .
تاسعا : الخيانة بوصفها استعمارًا داخليًا
أولًا: الهجين والدوني: إشكالية الهوية
تقدم التجربة العراقية المعاصرة نموذجًا صارخًا لكيفية استثمار “فلول الطائفية والبعث والدونية وشراذم الفئة الهجينة ” لكل حدث وواقعة في سبيل أجنداتهم التخريبية التي تستهدف العراق وهويته الوطنية الأصيلة وافشال التجربة الديمقراطية والعودة الى مربع الحكومات الهجينة والشمولية والطائفية والدكتاتورية والاجرامية المقيتة …؛ فهؤلاء المنكوسون الطائفيون العنصريون ورغم ما نالوه من امتيازات لم يحلموا بها زمن دكتاتوريتهم البائدة، لا يزالون يستنجدون بقوى الخارج لإسقاط التجربة الديمقراطية والعودة إلى مربع الطغيان والدموية .
ها هم اليوم يعيدون الكرة ذاتها: يتواصلون مع المخابرات الأجنبية والإقليمية، ويراهنون على أنظمة الاستكبار والاستعمار، ويصطفون إلى جانب أعداء الشعب، طامحين إلى هدم كل ما بناه العراقيون بدمائهم، ومجددين خيانتهم تحت شعارات زائفة كالوطنية ومقاومة المحتل والنزاهة ومحاربة التبعية …؛ وهم يعلمون أنهم لا يملكون مكانًا في قلوب الجماهير ولا جذورًا في أرض الوطن، فمكانهم الطبيعي هو دهاليز المخابرات ومهاجر الذل ومنافي الخزي والعار .
ثانيًا: الخيانة الداخلية أخطر من العدو الخارجي
بات من الواضح أن القوى الاستعمارية والمخابرات الأجنبية لا تحقق أهدافها إلا بأدواتها المحلية: من الخونة والدونية والطائفيين والتكفيريين …؛ فهم من يفتحون الأبواب للعدو، ويبررون الطغيان، ويقتلون أبناء جلدتهم فقط لأنهم يختلفون عنهم في وجهات النظر او الانتماء الطائفي والقومي والسياسي … .
وهؤلاء خطرهم كبير ولا ينبغي اهمال أمرهم …
فمن دمر الجنوب؟
ومن أحرق مدنه؟
ومن ذبح أبناءه؟
أليسوا هم البعثيون الشيعة الذين خدموا صدام ضد طائفتهم؟
أليسوا هم أولئك الذين ارتضوا أن يكونوا كلاب صيد للحاكم؟
لقد لخصت عقيدة الفئة الهجينة وقتذاك المقولة المشؤومة: “هد جلابهم عليهم” أي دمرهم بأيديهم … ؛ فلا يوجد عدو اشد فتكا من الضد النوعي ؛ وعليه الحذر كل الحذر من خونة الامة والاغلبية العراقية .
ثالثًا: الفرق بين الأصيل والدخيل
إن معركة العراق ليست فقط مع الاستعمار الخارجي، بل مع الخونة الذين مكنوه…؛ الخونة أخطر من العدو، لأنهم يعرفون مواطن الضعف، ومواجهتهم لا تقل أهمية عن مواجهة المحتل، بل هي شرط للانتصار عليه … ؛ ولذلك، فإن على الأغلبية الوطنية والامة العراقية أن تتطهر من الطفيليات الاجتماعية …؛ فالجذور الوطنية والاصول العراقية لا تباع، والشرف لا يشترى … ؛ من هنا تعرف الفرق بين العراقي الاصيل والمجنس الدخيل ؛ فالاول يحزن على قتلى العراقيين وشهداء العراق بينما يفرح الثاني .
الخلاصة: العراق أولًا وأخيرًا
العراق للعراقيين، ومشاكلنا يحلها عقلاؤنا وشرفاؤنا بالحوار والعدالة، وليس باستجداء المحتلين والقتلة والذباحة والمعتدين والارهابيين … ؛إن أولى الناس بتنظيف العراق وتطويره وحمايته وارساء اسس العدالة والمواطنة والسياسة الوطنية ؛ هم العراقيون أنفسهم … ؛ وليس أؤلئك : (( الدونية والخونة وشراذم الفئة الهجينة الحاقدة )) الذين يمدون أيديهم الى الاجانب والاعداء ليوقعوا بالوطن ومواطنيه والعراق والعراقيين الاصلاء … ؛ ومن منا ينسى : المرضى والخونة والدونية من الطائفيين والبعثيين والصداميين والتكفيريين وأبناء الفئة الهجينة وشذاذ الآفاق وعديمي الشرف والأصل والهوية الوطنية، من المحسوبين على العراقيين، عندما فتحوا أبواب العراق أمام جحافل المجرمين وشذاذ الذباحين وعتاة الإرهابيين، الذين جاؤوا من 83 بلدًا، حيث عاثوا فسادًا وقتلًا وتدميرًا وتخريبًا في العراق والأغلبية والأمة العراقية .
متى أراد الأعداء والاجانب للعراق والعراقيين خيرًا حتى نستجديهم لقتل أبنائنا؟!
هذا هو السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يظل معلقًا في وجدان كل عراقي، قبل أن يفرح بمقتل أخيه أو يستجدي الأجنبي ليدنس حرمات وطنه…؛ فالوطن ليس مجرد جغرافيا، بل هو كرامة وهوية وانتماء، ومن يفرط في هذه المقدسات فقد أعلن خروجه من الإنسانية قبل الوطنية .
إن الدم العراقي خط أحمر، وهو أغلى من أن يكون وقوداً للصراعات الإقليمية أو أداة في يد المحتل وقوى الاستكبار والاستعمار … ؛ مشاكلنا سنحلها بأنفسنا، بالحوار وتغليب العقل على الانفعال، وبالحكمة التي تجعلنا نختار إحياء النفس بدل قتلها… ؛ فالحياة أقوى من الموت، والوحدة أقوى من الفرقة، والوطن يجمعنا ولا يفرقنا … ؛ وحل خلافاتنا الداخلية هو مسؤوليتنا وحدنا .
إن الدم العراقي، أيًّا كان صاحبه، يجب أن يبقى خطًا أحمر … ؛ فلا يجوز أن يتحول الخلاف السياسي والطائفي والقومي والحزبي والفئوي الى دعوةٍ مبطنة أو صريحة لإبادة الخصوم بواسطة طائرات أجنبية أو مففخات أرهابية .
إن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الصواريخ بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الحكمة … ؛ ولا يحتاج إلى دماء جديدة، بل إلى وعيٍ وطني جديد يعيد إلى العراقيين شعورهم بأنهم ـ رغم اختلافاتهم ـ ينتمون إلى مصير واحد… ؛ فالعراق لن يُبنى في السماء حيث تحلّق الطائرات والمسيرات الاجنبية والمعادية … ؛ بل على الارض حيث يعيش العراقيون معًا، ويختلفون معًا،لكنهم في النهاية يحفظون دم بعضهم بعضا .