جديد

دبلوماسية بيت الطاعة (كيف روّض ترامب الطموح السعودي بلغة القوة والمال)

​بقلم: حسين شكران العقيلي
التاريخ: 29 آذار 2026
​لم تكن العلاقة بين واشنطن والرياض، عبر تاريخها الممتد لعقود، مجرد تحالف استراتيجي تقليدي، بل كانت دائماً محكومة ببروتوكولات دقيقة تحفظ مظهر (الند) المتبادل، إلا أن صعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم في البيت الأبيض أحدث زلزالاً في كواليس هذه العلاقة، محولاً إياها من (شراكة استراتيجية) إلى ما يمكن وصفه بـ (دبلوماسية بيت الطاعة) .
لقد اعتمد ترامب منهجاً قائماً على تجريد الحلفاء من غطائهم الدبلوماسي ومواجهتهم بحقيقة قاسية: أن البقاء في السلطة وتأمين العروش لا يمر عبر الشرعية الداخلية أو القوة الذاتية، بل عبر المظلة الأمنية الأمريكية التي لا تُمنح بالمجان.
​في تجمع انتخابي صاخب بولاية مسيسيبي، أسقط ترامب ورقة التوت عن هذه العلاقة حين كشف بجرأة غير مسبوقة عن فحوى اتصاله بالملك سلمان بن عبد العزيز، قائلاً بلغة تخلو من أدنى معايير اللياقة الدولية: (أيها الملك، نحن نحميك.. ربما لن تبقى هناك لمدة أسبوعين بدوننا، عليك أن تدفع مقابل جيشك) . هذا التصريح لم يكن مجرد استعراض انتخابي عابر، بل كان إعلاناً صريحاً عن (عقيدة ترامب) التي ترى في السعودية (خزنة مال) ضخمة يجب استنزافها مقابل استمرار الحماية.
هذه اللغة (الابتزازية) نجحت في ترويض الطموح السعودي الذي كان يحاول ولي العهد محمد بن سلمان رسمه كقوة إقليمية مستقلة، ليجد نفسه مضطراً للانصياع لمنطق المقايضة: المال مقابل الأمان.
​ولم يقف الحد عند الضغط المالي، بل تجاوز ذلك إلى الإهانة اللفظية المباشرة التي تعكس طبيعة الفوقية الأمريكية في عهد ترامب، حيث صرح مؤخراً وبشكل علني أن قادة بعض الدول، وخصّ بالذكر ولي العهد السعودي، سيضطرون لـ (تقبيل مؤخرته) طلباً للرضا أو الدعم.
هذا المستوى من الانحدار في الخطاب السياسي الأمريكي يكشف عن إدراك ترامب العميق لمواطن الضعف لدى القيادة السعودية، التي وجدت نفسها محاصرة بين ملفات إقليمية معقدة، على رأسها الحرب الباردة مع إيران، والبحث عن اعتراف دولي بطموحات ولي العهد السعودي ، مما جعلها (رهينة) للإدارة الأمريكية التي تدرك تماماً أن هذه القيادة تفتقر لخيارات بديلة خارج الفلك الواشنطني.
​وفي سياق هذا الترويض السياسي، برزت (الاتفاقات الإبراهيمية) كواحدة من أخطر الأدوات الاستراتيجية التي فرضتها إدارة ترامب لتعديل خارطة الولاءات في المنطقة. لم يكن الهدف من هذه الديانة السياسية المستحدثة مجرد تحقيق السلام، بل كان يهدف إلى دمج إسرائيل في النسيج العربي مقابل توفير حماية (إبراهيمية) مشتركة تحت رعاية أمريكية.
السعودية، رغم عدم توقيعها العلني المباشر حتى اللحظة، كانت هي الراعي الصامت والداعم الخفي لهذه الاتفاقات، حيث تم استدراجها إلى هذا المسار عبر إيهامها بأن التضامن مع أمريكا وإسرائيل هو السبيل الوحيد لكسر شوكة المشروع الإيراني. لقد كانت (الإبراهيمية) هي الصياغة الأيديولوجية لعملية (التدين) السياسي، حيث يتم استبدال الهوية القومية والدينية بصيغة هجينة تخدم أمن إسرائيل ومصالحها وتضمن تدفق الأموال الخليجية إلى الخزانة الأمريكية تحت لافتة (التعايش)
​إن المشهد التحليلي لهذه العلاقة يشير إلى أننا أمام مرحلة تاريخية سقطت فيها مفاهيم السيادة الوطنية أمام منطق (البراغماتية المتوحشة) فبينما كان ولي العهد السعودي يظن أنه يتعامل مع رئيس أمريكي تقليدي يحترم قواعد اللعبة، وجد نفسه أمام (تاجر عقارات) لا يؤمن إلا بلغة الأرقام والقوة. هذا التضامن السعودي مع ترامب، ورغم ما يغلفه من إهانات واستهزاء علني، يعكس حقيقة (التواطؤ الاضطراري) ؛ فالرياض ترى في عدائها لإيران مبرراً كافياً لابتلاع كل الإهانات، وتقديم الدعم المادي اللامحدود، وحتى السير في ركاب المشاريع الدينية المشبوهة كالإبراهيمية، طالما أن ذلك يضمن لها البقاء على كراسي السلطة تحت الحماية الأمريكية، ولو كان الثمن هو (الخضوع السياسي) الكامل في بيت الطاعة الذي بناه ترامب بجدران من الابتزاز وأعمدة من الدولارات.