بقلم : الكاتب حسين شكران العقيلي
تعد دراسة الحركات الدينية المنحرفة من أولويات البحث العلمي في المجتمعات المعاصرة لما تشكله من تهديد مباشر للأمن الفكري والسلم المجتمعي وتبرز حركة «القربان» أو ما يعرف بجماعة «اللهية» كنموذج صارخ للغلو الذي تجاوز حدود التنظير ليتحول إلى سلوك عدمي يستهدف الذات البشرية بالإنهاء المتعمد وتعود جذور هذه الحركة ونشأتها إلى فترات زمنية قريبة حيث بدأت بالظهور الفعلي في مناطق جنوب العراق وتحديداً في محافظات ذي قار وميسان والبصرة عقب عام «2003» مستغلة حالة الفراغ القيمي والهشاشة المعرفية لدى بعض الفئات العمرية الشابة وتعتمد هذه الحركة في بنيتها الفكرية على خلط هجين بين مفاهيم الحلول والاتحاد وبين طقوس جنائزية غريبة حيث يعتقد أتباعها بتأليه بعض الرموز البشرية وإضفاء صفات الربوبية عليهم وهو ما يمثل خروجاً صريحاً عن جوهر التوحيد ومقاصد الشريعة الإسلامية التي أجمعت المؤسسات الفقهية وعلماء الدين بمختلف مشاربهم على تبديع هذا الفكر وتجريمه واصفين إياه بالضلال البعيد الذي يستوجب الحذر والمواجهة المعرفية الشاملة.
إن سبب تسمية هذه الحركة بـ «القربان» يعود إلى طقسهم المركزي القائم على فكرة «الفداء البشري» حيث يؤمنون بأن التقرب إلى الخالق يتطلب تقديم ضحية بشرية من بين أعضاء الجماعة يتم اختيارها عبر «قرعة الموت» ليكون المنتحر هو القربان الذي يفتدي الآخرين بدمه وهو انحراف سيكولوجي خطير يغلف الجريمة بغطاء قدسي زائف لإيهام الضحايا بأن الانتحار هو بوابة العبور نحو الملكوت الأعلى وفي ظل هذا التمدد الفكري المظلم تبرز الحاجة الماسة ليكون للقوات الأمنية وأجهزة الاستخبارات دور فاعل وحازم يتجاوز المراقبة التقليدية إلى الملاحقة الاستباقية لتفكيك هذه الخلايا السرية التي تعمل وفق نظام عنقودي مغلق يصعب اختراقه بالوسائل العادية إذ إن التحريض على الانتحار وشرعنة القتل تحت مسميات عقدية يقع ضمن طائلة الجرائم الجنائية الكبرى التي تهدد كيان الدولة والأسرة معاً مما يفرض على الأجهزة الأمنية تكثيف الجهد الاستخباري الرقمي والميداني لرصد تحركات قادة هذه الحركات وتجفيف منابع تأثيرهم ومنعهم من استدراج المزيد من الشباب نحو هذا المصير المأساوي.
إن مواجهة هذا النوع من الحركات تتطلب تكاتفاً عضوياً بين الجهد الأكاديمي الذي يفكك الأيديولوجيا المنحرفة وبين القوة القانونية التي تضرب بيد من حديد على كل من يحاول العبث بحياة المواطنين أو الترويج لأفكار تدعو لإزهاق الأرواح خارج أطر القانون والشرع فالحماية الفكرية هي الحصن الأول والملاحقة الأمنية هي الدرع الأخير لضمان استقرار المجتمع وتطهيره من نزعات الغلو والعدمية التي تحاول تقويض أسس التعايش الإنساني السليم وإحلال ثقافة الموت محل قيم البناء والحياة التي نادت بها الرسالات السماوية كافة.
الظاهرة القربانية المعاصرة بين الانحراف العقدي والجريمة المنظمة: دراسة في الأبعاد الفكرية والواجبات الأمنية