ضياء المهندس
يُحكى أن ونستون تشرشل سُئل يومًا: كيف تعتقل الشرطة مواطنًا لأنه قال لك إنك أحمق؟ فأجاب ببرودة إنكليزية لاذعة: “لم نعتقله لإهانتي، بل لأنه أفشى سرًا من أسرار الدولة!”
ولو قُدّر لتشرشل أن يزور العراق اليوم، لربما طلب اللجوء السياسي من شدة ما سيرى من “أسرار دولة” تُفشى على قارعة الطريق… لا بالكلام، بل بالفعل!
في بلاد الرافدين، حيث كان الناس يقيسون الزمن بدقات التنور ورائحة الخبز الحار، أصبح غاز الطبخ – هذا الكائن الأسطواني المسالم – مشروعًا استراتيجيًا معقدًا، لا يُنال إلا عبر “كابونات”، وتطبيقات، ومنظومات دفع إلكتروني، وربما لاحقًا ببصمة العين وتحليل DNA للتأكد أنك فعلاً “تستحق” أن تطبخ!
نعم، نحن في زمن الحرب العالمية… أو هكذا يبدو من الإجراءات. العالم من حولنا يتحدث عن صواريخ فرط صوتية، وحروب سيبرانية، وذكاء اصطناعي يقود الطائرات… بينما نحن نخوض معركة وجودية للحصول على “قنينة غاز” دون أن نضطر لبيع كلية أو الانتظار في طابور أطول من خطط الإصلاح الحكومي.
الحكومة – مشكورة طبعًا – قررت أن تُدخلنا عصر الرقمنة، ولكن ليس عبر تطوير الصناعة أو تحسين الخدمات، بل عبر تعقيد أبسط تفاصيل الحياة. فبدلاً من أن يصل الغاز إلى المواطن بسهولة، أصبح المواطن هو من يجب أن يثبت جدارته للحصول عليه، وكأنه يتقدم لوظيفة في وكالة فضاء!
وإذا تجرأ أحدهم وقال: “يا جماعة، هذه الإجراءات غير معقولة”… فربما لا يُعتقل لأنه انتقد، بل لأنه – كما قال تشرشل – “أفشى سرًا من أسرار الدولة”، وهو أن هناك خللًا ما في طريقة التفكير.
المفارقة أن كل هذا يحدث في بلد يطفو على بحر من النفط والغاز، لكن يبدو أن هذا البحر محجوز لأغراض أخرى، أما المواطن فله “كابون” يحدد له متى يطبخ ومتى يصوم اضطرارًا.
وهنا يتحول السؤال من: هل يعقل أن يكون لسلطة القرار عقل؟
إلى: أي نوع من العقول هذا الذي يرى في تعقيد البسيط إنجازًا، وفي إرهاق المواطن سياسة ناجحة؟
ربما الحل بسيط جدًا… لكنه معقد جدًا على أصحاب القرار:
أن يُعامل المواطن كإنسان، لا كمستخدم في تطبيق معطّل.
لكن إلى أن يحدث ذلك، سنبقى نعيش في دولة لو قال فيها أحدهم إن الواقع عبثي…
فلن يُعاقب لأنه شتم، بل لأنه قال الحقيقة بصوت عالٍ.
البروفسور د ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي