رجوع إلى الجُبّ

رياض سعد

لم يكن راضي يخرج من بيته إلا لضرورة أو حاجة ملحة … ؛ فقد ألف الجدران التي سئمته، واستأنس بالغرفة التي ضاقت ذرعًا بزفيره وشهيقه…!!
كان يمضي نهاره في صومعته الاختيارية، لا يصغي إلا لصمت تتخلله وشوشة أفكار لا تنقطع… ؛ حسبه من العالم أن يراه من خلف زجاج نافذة عليها غبار الأيام، وأن يسمع ضجيجه مكتومًا كما يسمع الغريق أصوات الشاطئ من تحت الماء .
صار كائنًا منزويًا، يتكئ على صمته كما يتكئ الغريق على وهم النجاة… ؛ لم يعد يرى في الخارج إلا ضجيجًا أجوف، ولا في الناس إلا ظلالًا تتكرر بلا معنى …!!
ذلك المساء، اهتزت الصومعة… ؛ هاتفه يرن باسم “الحاج رؤوف”… ؛ تردد… ؛ كان رؤوف صديقًا من زمن آخر، من زمن كان راضي يصدّق فيه أن للكلمة وزنًا، وأن للوعد قداسة… ؛ رفع السماعة :
كيف حالك عزيزي راضي , انا اليوم احتاجك لامر ضروري ؛ فقد اقترض مني صديق يدعى ( ابو احمد ) البغدادي ؛ مبلغا من المال – عشرة الاف دولار – ؛ واصبح لا يرد على اتصالاتي … ؛ لذا ارجو منك الذهاب معي وبمعية صديقي ( ابو علي ) الناصري للذهاب اليه , والتحدث معه , بخصوص القرض .
صمت راضي… ؛ في صدره شيء كالغصة… , لم يكن يريد أن يرى أحدًا، ولم يكن يريد أن يخوض في غبار الناس… ؛ لكن صوته خرج موافقًا، كأن جسده أطاع قبل روحه … ؛ فقد استجاب على مضض، كمن يُساق إلى اختبارٍ أخلاقي لا مفر منه …
في السيارة، جلس في المقعد الخلفي… ؛ أبو علي إلى جانب الحاج رؤوف الذي كان يقود في صمت ثقيل… ؛ الشارع مزدحم بالبشر والضوضاء والعوادم… ؛ نظر راضي إلى وجوه المارة من خلف الزجاج، فخيّل إليه أنهم جميعًا يحملون أحمالًا لا تُرى، وأن أعينهم مطفأة كقناديل نفد زيتها … .
في الطريق، وبين اهتزاز السيارة على الإسفلت، غاص راضي في أفكاره… ؛ كان يعتد بنفسه اعتدادًا يجعله يفضّل المنية على الدنية، ويتحاشى الاحتكاك بأمثال أبي أحمد البغدادي ، ممن يبيعون ضمائرهم بثمنٍ بخس …
داخل صدره، كانت طاحونة الأفكار تدور… ؛ كان راضي يعد الكرامة ماء الحياة… ؛ ما جدوى العيش إذا شابه هوان؟!
كان دائمًا يقول: “أفضّل المنيّة على الدنيّة”، وقد صارت الجملة جزءًا من تكوينه كعظامه… ؛ لكن العالم الذي يعيش فيه لا يعترف بهذا الميزان.
وتساءل في داخله :
ماذا لو تجاوز الرجل حدوده؟ ماذا لو أساء الأدب؟ هل أردّ الإساءة بمثلها، أم اترفع عنها، أم أنسحب صونًا لكرامتي؟
تناسلت الأسئلة، وتكاثرت الاحتمالات، حتى تاه في أحلام يقظةٍ متشابكة، كأنها شبكة عنكبوت تحاصره من الداخل .
وصلوا إلى بيت أبي أحمد… ؛ طرق الحاج رؤوف الباب، فخرج شابٌ أخبرهم أن والده منشغل بإصلاح مولداته الكهربائية… ؛ كان يملك سبع مولدات، تدرّ عليه أرباحًا طائلة، ومع ذلك، كان غارقًا في الفوضى والبؤس والديون … ؛ وبيته يعكس داخله المضطرب، بينما تقف أمامه سيارة حديثة نظيفة، كأنها تنتمي إلى عالمٍ آخر …!!
انتظروا… ؛ وحين أقبل أبو أحمد، رآه راضي لأول مرة… ؛ رجل في الخمسين، وجهه شاحب تعلوه قترة الدخان والزيت المحروق , ملابسه متسخة، يداه مضمختان بالسواد والزيت . كانت رائحة العرق والوقود تفوح منه كأنه جزء من الماكينات التي يديرها… ؛ لكن اللافت لم يكن وسخه… ؛ اللافت كان عينيه… ؛ عينان بلا قاع… ؛ عينان لا تعكسان ضوءًا ولا حياة… ؛ عينان خاليتان من كل شيء … .
ثم جلسوا في غرفة مبعثرة… ؛ على الأرض بقايا زيت، وعلى الجدران خدوش الزمن… ؛ لكن امام الدار ، كانت تقف سيارة حديثة، برّاقة، نظيفة إلى حد التقديس… ؛ نظر راضي إلى السيارة ثم إلى صاحبها… ؛ كان التناقض صارخًا إلى درجة الألم: الإنسان قذر مهمل، والآلة لامعة كأنها معبودته الوحيدة… ؛ الإنسان خراب، والحديد مصقول …!!
هنا، توقف راضي عند مفارقةٍ مؤلمة :
كيف يعتني الإنسان بكل ما يملك، ويُهمل نفسه؟!
كيف يلمّع الأشياء، ويترك روحه تصدأ؟!
أهو عجزٌ عن مواجهة الداخل، أم هروبٌ إلى الخارج؟!
بدت له هذه النماذج البشرية كأنها تبحث عن ذاتها في الأشياء الخارجية ، بينما تتآكل من الداخل بصمت … .
ثم دار الحوار بطيئًا ثقيلًا كالموت ؛ و بدأ الحوار متوترًا، كخيطٍ مشدود على وشك الانقطاع …
سأله راضي مباشرة :لماذا لا تسدد الدين , فالرجل عبارة عن كلمة , وأنت أعطيته وعدا ؟!
رد أبو أحمد بصوت خفيض أجش: “خسرت أموالًا كثيرة… ؛ العمال سرقوني… ؛ عليّ ديون وفوائد ربوية… ؛ لم استطع التسديد , وتراكمت علي الديون والفوائد …
لكن راضي لم يقتنع؛ رأى في كلماته تبريرًا لا تفسيرًا، وهروبًا لا قدرًا… ؛ و قال له بحدةٍ هادئة : ما ذنب غيرك في خسائرك؟ الكلمة عهد، والدين أمانة، وما في عنقك لا يسقط بعجزك ؟!
وما ذنب الحاج رؤوف فيما حدث لك؟! ماله في ذمتك، وعليك سداده …
قال أبو أحمد: هذا مقدّر ومقسوم… ؛ ما بيدي حيلة … هذا قضاء الله وقدره …
هنا انقبض قلب راضي. هذه الجملة التي يرددها المفلسون أخلاقيًا! “مقدّر ومقسوم” جملة يختبئ خلفها كل من يريد التنصل من مسؤوليته… ؛ و كأن القدر هو من دفع العمال للسرقة كما يدعي ، وهو من أقرضه بالربا، وهو من جعله يشتري سبع مولدات ويترك ضميره في العراء … !!
ثم قال راضي وقد بدأ صوته يرتجف: ستة أشهر مرت والمبلغ معك… ؛ هل تنوي سداده بعد عشر سنين؟!
قال أبو أحمد ببرود عجيب :إذا تحسنت ظروفي، سددته فورًا …
قال راضي: ومتى تتحسن ظروفك وأنت غارق في الديون؟! وإن لم تتحسن، ما ذنب الحاج رؤوف في كل هذه المعمعة؟!
هنا نظر أبو أحمد إليهم نظرة غريبة، نظرة فيها شيء من الاستسلام وشيء من التحدي والمراوغة ، ثم قال: هذا هو الواقع… ؛ عليكم أن تقبلوا به …!!
قال راضي بصوت مكتوم: هذا حكم قرقوش! أنت من اقترض بكامل إرادتك، وأعطيت كلمة، والآن تختلق الأعذار وتحدد أنت وقت السداد وكيفيته، كأنك صاحب المال لا المديون ؟!
ثم تبادل الطرفان حججًا متصادمة، حتى بلغ التوتر ذروته، فانفلتت أعصاب الحاج رؤوف ولم يتمالك أعصابه ، وصفع أبا أحمد صفعةً قوية أسقطته أرضًا… ؛ كانت لحظةً خاطفة، لكنها قلبت كل شيء …
رأى راضي عيني صديقه تفيضان بغضب وحزن وألم دفين… ؛ رأى رجلًا بسيطًا آمن بأن “الكلمة” تكفي، فانكسر إيمانه على صخرة واقع لا يعترف بالكلمات…
سقط أبو أحمد على الأرض… ؛ ببطء، ككيس من الطين… ؛ لم يصرخ، لم يتحرك… ؛ بقي على الأرض كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن… ؛ كأن الصفعة لم تكن صدمة، بل تحقيقًا لنبوءة قديمة …!!
قام ابنه مسرعًا يتصل بالشرطة… ؛ هرع الجيران… ؛ وجوههم فضولية لا تعرف الشفقة… ؛ وفي دقائق، جاءت الشرطة… ؛ وأُلقي القبض على صاحب الحق، بينما نُقل المدين إلى المستشفى، متقمصًا دور الضحية بإتقان … ؛اقتيد إلى السيارة، وفي عينيه سؤال واحد: كيف صرت أنا المجرم؟!
هنا، انقلبت الموازين … ؛صار الظالم مظلومًا، والمظلوم متهمًا …!!
أخذوا أبا أحمد إلى المستشفى… ؛ ضربة عادية، لا كسر فيها ولا جرح… ؛ لكنه تمارض… ؛ تأوه… ؛ وضع يده على خده كأن السماء انطبقت عليه… ؛ مثّل دور الموجوع، وفي داخله كان يخطط … .
أولئك الذين كانوا يوبخون أبا أحمد، صاروا يتوسلون إليه ليتنازل عن الدعوى… ؛ كانوا يأتونه في المستشفى، وفي بيته، يرجونه، يتذللون له… ؛ وكان هو يستمتع… ؛ لأول مرة في حياته، صار أحدهم يطلب منه شيئًا… ؛ صار مهمًا… ؛ صار مرئيًا ؛ لكنه لم يرضخ إلا بشرطٍ عبثي: أن يُسقط الحاج رؤوف حقه في الدين بالكامل …!!
وهنا جثم الصمت على الجميع. كان الشرط قاسيًا لدرجة أنه بدا عادلًا في منظار هذا العالم المقلوب: أن تدفع ثمن حقك المسلوب، ثم تدفع ثمن استرداده… ؛ أن تخسر مالك، ثم تخسر حريتك، ثم تخسر مالك مرة أخرى لتستعيد حريتك …!!
في هذه اللحظة، أدرك راضي أن المشكلة لم تكن في شخصٍ واحد، بل في منظومةٍ كاملة، تُكافئ الاحتيال وتُعاقب الصدق… ؛ مجتمعٌ يُجبر الضحية على الاعتذار، ويمنح الجاني حق التفاوض .
خرج الحاج رؤوف من السجن بعد عناء، لكنه خرج خاسرًا ماله وكرامته معًا. أما أبو أحمد، فعاد يبحث عن ضحيةٍ جديدة، كأن شيئًا لم يكن.
خرج الحاج رؤوف من السجن بعد أيام… ؛ كان وجهه شاحبًا، وعيناه غائرتين… ؛ لكن الأشد إيلامًا كان الصمت الذي خرج به… ؛ لم يعد يتكلم عن الدين، عن الوعد، عن الكلمة… ؛ صمت كأن شيئًا ما انكسر في صدره إلى الأبد … ؛خرج خاسرًا ماله وكرامته معًا… ؛ أما أبو أحمد، فعاد إلى مولداته السبع… ؛ إلى دخانه وزيته وضجيجه… ؛ عاد إلى وجوه زبائنه الذين يدفعون له كل شهر، وهو مدين لهم جميعًا بدين لا تسدده النقود: دين الإنسانية… ؛ عاد إلى حياته: جسد متسخ على مقعد سيارة نظيفة… ؛ روح مغبرة في آلة ملمعة… ؛ عاد يبحث عن ضحية جديدة ؛كأن شيئًا لم يكن…!!
وقف راضي أمام بيته بعد أن أوصلوه… ؛ نظر إلى الباب، إلى الجدران التي سئمته وسأمها احيانا … ؛ ولأول مرة، شعر أن هذا السأم المتبادل بينه وبين جدرانه كان نعمة لم يدركها …!!
عاد راضي إلى عزلته، لكن نظرته تغيّرت… ؛ لم يعد يرى الناس أفرادًا، بل نماذج تتكرر في مشهدٍ عبثي… ؛ رأى أصحاب المولدات الكهربائية الاهلية كأنهم آلاتٌ بشرية، وجوههم مغطاة بقترة، وأرواحهم مثقلة بضجيجٍ لا ينتهي… ؛ بدوا له ككائناتٍ فقدت معاييرها، فلم تعد تفرّق بين حقٍ وباطل، ولا بين نورٍ وظلمة …!!
في النهاية، رجع إلى صومعته مسرعًا، كمن يلوذ بآخر ما تبقى له من نقاء، وقرر أن ينسحب من هذا العالم الصاخب، عالمٍ تتآكل فيه القيم بصمت، ويُستبدل فيه الضمير بحسابات الربح والخسارة … ؛ وهكذا، لم تكن عزلته هروبًا … ؛بل كانت، في نظره، آخر أشكال المقاومة .
كان العالم في الخارج يعجّ بالبشر الذين صاروا كالمكائن، وبالمكائن التي صارت كالأوثان… ؛ اذ رأى في عينيه صور أصحاب المولدات: وجوهًا تعلوها قترة كأنهم زبانية سقر، أجسادًا غليظة وأرواحًا غليظة… ؛ سمع أصداء ضجيجهم، ألفاظهم النابية، قهقهاتهم الخاوية… ؛ كانوا يتعاملون يوميًا مع الدخان السام والزيت المحروق والماء الآسن… ؛ كانوا يعيشون في ضوضاء لا تهدأ، فصارت أرواحهم صدى لتلك الضوضاء .
جلس راضي على كرسيه القديم… ؛ أطفأ الضوء… ؛ نظر إلى الظلام الذي يلفه، ظلام غرفته النظيف الهادئ، ظلامه الخاص… ؛ كان ظلام العالم في الخارج أكثر كثافة، لكنه ظلام لا يرى نفسه، ظلام يظن أنه نور …!!
تذكر وجه أبي أحمد… ؛ ذلك الوجه الشاحب المتسخ… ؛ تذكر عينيه الفارغتين… ؛ وتساءل: من أنت يا أبا أحمد؟ هل أنت شرير؟ أم أنك ميت ولا تدري أنك ميت؟ هل أنت سارق، أم مسروق من نفسك؟ كيف يمكن لإنسان أن يعتني بسيارته إلى هذا الحد، وينسى روحه إلى هذا الحد؟ كيف يمكنه أن يلمع المعدن ويترك القلب يصدأ؟
ثم تذكر الحاج رؤوف خلف القضبان… ؛ وتذكر الصفعة التي انطلقت كصرخة في ليل أخرس… ؛ تلك الصفعة لم تكن عنفًا… ؛ كانت اعترافًا بالعجز… ؛ كانت جرس إنذار في مدينة الصم … .
ثم أغمض عينيه … ؛ ورأى نفسه واقفًا على حافة بئر عميقة… ؛ البئر جاف، ليس فيه ماء ولا ظمأ. في قاعه، كان هناك رجل يشبهه… ؛ كان ينظر إلى الأعلى، إلى راضي الواقف على الحافة… ؛ وكلاهما لا يتكلم… ؛ كلاهما يعرف أن أحدهما نزل إلى الجب طواعية، والآخر بقي على الحافة خوفًا من النزول … .
لمن كانت الغلبة؟ لمن كانت النجاة ؟
لا يدري … .
لكنه قرر، وهو يفتح عينيه على ظلام غرفته الرحيم، ألا يخرج إلى ميدان الكهرباء ولا إلى أصحاب المولدات ما عاش… ؛ ليس جبنًا، بل لأنه فهم أن بعض المعارك لا تُربح… ؛ وأن بعض الناس صاروا مكائن، والمكائن لا تُصفع، ولا تُقنع، ولا ترد المال… ؛ فالمكائن تلتهم كل شيء، الزيت والمال والوعود والبشر، ثم تلفظهم دخانًا … ؛ ثم سمع صوت المولدات قادمًا من بعيد، صوتًا كأنين الأرض وهي تُشقّ …
وضع وسادة على رأسه … ؛وغاص في صمت الصومعة … ؛هناك، في الجُبّ الذي اختاره، كان الظلام أقل وحشة من ضوء العالم …!!