لقمان البرزنجي ..المانيا
ن حركة تشرين في العراق ضد الفساد و السراق لم تكن مجرد سحابة صيف عابرة في سماء السياسة العراقية، بل كانت زلزالا اجتماعيا وفكريا عميقا ضرب جذور البنية التقليدية التي تأسست عليها العملية السياسية بعد عام الفين وثلاثة، ولذلك فان القول بانها انتهت هو قول يجافي الواقع ويغفل طبيعة التحولات التاريخية الكبرى، فالحركات الاحتجاجية عندما تبلغ مستوى (التشرينية) لا تموت بمجرد اخلاء الساحات من الخيام او تراجع زخم التظاهرات في الشوارع، بل هي تتحول من فعل ميداني صاخب الى وعي جمعي كامن يتغلغل في ثنايا المجتمع ويغير في مفاهيم الاجيال الشابة التي ادركت لاول مرة قدرتها على قول (لا) في وجه منظومات السلطة التقليدية، ان تشرين اليوم تعيش في صناديق الاقتراع المقاطعة، وتعيش في النقاشات السياسية، وتعيش في كل صوت يطالب بمحاسبة الفساد، فهي قد انتقلت من طور المواجهة المباشرة الى طور التراكم الفكري والسياسي الذي ينتظر اللحظة التاريخية المناسبة ليتجلى بشكل جديد قد لا يشبه تظاهرات الفين وتسعة عشر في شكلها، لكنه يحمل ذات الجوهر والمطالب.
ان ارث النضالي و الدماء التي سقطت رسمت خارطة طريق لا يمكن الالتفاف عليها، فكل قطرة دم سقطت في ساحة التحرير او في ذي قار او البصرة او النجف هي ميثاق غليظ يربط الاحياء بالاستمرار في نهج المطالبة بالحقوق والحريات.ان التاريخ لا يكتبه المنتصرون في السلطة دائما، بل تكتبه دماء المضحين التي تتحول بمرور الزمن الى وقود للتغيير الحتمي.لقد تحول الشهداء الى رموز عابرة للطوائف والمناطق، ووحدوا العراقيين في مأساة مشتركة وفي فخر مشترك بوجود جيل يضحي بحياته من اجل الوطن.قضية الشهداء هي الاختبار الحقيقي لاي حكومة تدعي الاصلاح، اذ ان ملف المحاسبة والعدالة لقتلة المتظاهرين لا يزال مفتوحا، وهو الملف الذي يمنع طي صفحة تشرين دون انصاف حقيقي يرضي عائلاتهم ويحقق مبدأ سيادة القانون.ان تشرين لم تنته بل هي في حالة مخاض مستمر، والشهداء ليسوا غائبين بل هم الحضور الاطغى في ضمير كل عراقي يحلم بدولة المواطنة والمؤسسات، والعدالة لهم ليست مجرد مطلب قضائي بل هي ضرورة وجودية لاستقرار المجتمع وبناء ثقة حقيقية بين المواطن والدولة.