البرياني الذي لم يؤكل

رياض سعد

لمّا عادت مدينة الطب إلى ضجيجها المعتاد، كانت سحر قد هدأت على نحوٍ لا يُشبه النوم، ولا يشبه الموت تمامًا…؛ شيءٌ بينهما، كأنها استراحت من فكرة الجسد نفسها .
وقفت أمّ علي عند باب الغرفة، تحمل قدر البرياني الذي لم يعد له معنى… ؛ كانت رائحته تعبّئ الممر، لكنها شعرت لأول مرة أنّ الروائح قد تكون خيانة… ؛ لأنّها تُذكّر بما لا يعود …
اقتربت من السرير، نظرت إلى ابنتها سحر، ثم وضعت يدها على جبينها البارد… ؛ لم تبكِ … ؛ كان في داخلها صمتٌ أثقل من البكاء، كأنّ شيئًا ما انكسر في مكانٍ لا تصل إليه الدموع …
همست في اذن سحر : لقد نمت مبكرا يا ابنتي … ؛ حتى الأكل ما انتظرتِه … ها هو جدر البرياني الذي طلبته قبل ساعات …
جلست أم حسين على الأرض ، ظهرها للحائط، تحدّق في الفراغ… ؛ لم تكن تبكي أيضًا… ؛ كانت تمسح سبحتها ببطء، وتُحرّك شفتيها بكلماتٍ لا تُسمع… ربما كانت تدعو لزوجة ابنها حسين … ؛ وربما كانت تُفاوض الله، كما يفعل البشر حين تضيق بهم الأرض …
في تلك اللحظة، دخل الطبيب، نظر إليهما، ثم قال جملة قصيرة معتادة، تُقال يوميًا في مثل هذه الأماكن: البقاء لله … ؛ثم خرج، كأنّه لم يقل شيئًا …!!
في الطريق إلى البيت، لم تتحدث أم علي… ؛ كانت ترى بغداد تمرّ من نافذة السيارة كأنها شريط قديم… البيوت، الناس، الباعة، الأطفال…؛ كل شيء مستمر، كأنّ سحر لم تكن جزءًا من هذا العالم أصلًا …!!
تذكرت فجأة كلام زوجها: العادات قاهرات… ؛ ومن شبّ على شيء شاب عليه … ؛ لكنّها شعرت أنّ الجملة ناقصة… ؛ فالحياة أيضًا قاهرة، والموت أكثر قهرًا، ولا أحد يشبّ عليهما أو يشيخ… ؛ بل يُفاجأ بهما كل مرة، كأنهما يحدثان لأول مرة .
في تلك الليلة، كان علي جالسًا في فناء البيت، يحمل قدحًا نصف ممتلئ من الخمر … ؛ لم يشربه… ؛ ظلّ ينظر إليه طويلًا، كأنّه يرى فيه شيئًا آخر غير الخمر .
قالت له أمه، وهي تصرخ تضع القدر : رجاء ماتت
لم يُجب… ؛ فقط انهمرت دموعه في القدح ثم أدار وجهه نحو الظلام ؛ وهو يصرخ : سحر اين رحلتي لا زلت صغيرة .
ثم، بعد لحظة طويلة، سكب ما في القدح على الأرض … ؛لم يكن ذلك توبة… ولم يكن ندمًا واضحًا…؛ كان فقط ارتباك إنسانٍ اكتشف فجأة أنّ الأشياء التي كان يهرب إليها… ؛ لا تنقذ أحدًا … .
في الأيام التالية، تغيّر شيء صغير في الحي… ؛ ليس شيئًا يُرى… بل يُحس …
أم حسين لم تعد تفتح الباب كثيرًا… ؛ وأبو حسين صار يمشي ببطء، كأنّ الأرض أثقل… ؛ وحسين سافر الى خارج العراق بعد وفاة سحر … ؛ أما أم علي، فكانت كلما مرّت أمام بيتهم، تُخفض رأسها…؛ لا خجلًا، بل احترامًا لوجعٍ صار أكبر من الكلمات .
بعد أربعين يومًا، جلست أم علي وحدها في المطبخ… ؛ أخرجت قدرًا صغيرًا، وبدأت تطبخ البرياني … ؛لم يكن هناك مناسبة… ؛ ولا ضيوف … ؛فقط رغبة غامضة في إكمال شيءٍ لم يكتمل …
وحين نضج الطعام، وضعت منه في صحنين …
أخذت الأول إلى غرفة ابنها علي، وتركته بصمت …
أما الثاني، فحملته إلى بيت أم حسين … ؛طرقت الباب… ؛ انتظرت …
فتح أبو حسين، نظر إليها طويلًا، ثم تنحّى جانبًا دون كلام … ؛ ثم دخلت، وضعت الصحن على الأرض، وجلست … ؛ لم تتحدثا… ؛ لم تبكيا … ؛لكن في ذلك الصمت، كان هناك شيءٌ يشبه المصالحة… ؛ ليس مع الموت، بل مع العجز .
في الخارج، كانت الحياة تمضي كعادتها… ؛ وفي البيت ، كان كل شيء قد تغيّر … ؛ ليس لأنّ سحر ماتت… ؛ بل لأنّ الذين بقوا، اكتشفوا فجأة أنّ الحياة لا تُؤجَّل، وأنّ الحبّ الذي لا يُقال في وقته… ؛ قد يتحوّل إلى حسرةٍ لا تشفى .
وفي مكانٍ ما داخل أم علي، كانت فكرة صغيرة تنمو: أنّنا لا نخسر الناس فقط حين يموتون… ؛ بل حين نؤجّل الخير , ونؤجل الحب ، ونؤجّل القرار، ونؤجّل أن نكون أفضل ممّا نحن عليه ؛ وأن نهمل من نحب …
و المشكلة أنّ الوقت لا ينتظر أحدًا، ولا يُعيد الفرص، ولا يعتذر , ولا يصحح الاخطاء …