رياض سعد
عندما انتقلت أم حسن من حي الشعلة إلى احدى الاحياء الزراعية في شرق بغداد … ؛ بعد أن عجزت الحكومات المتعاقبة عن منحهم قطعة أرض رغم مرور ثلاثين عاماً على تعيين زوجها في وظيفة حكومية ، كان بيتها الجديد ملتصقاً ببيت الحاج رحيم العارضي، الرجل السبعيني الذي اشتهر في المنطقة بتربيته للحمام الزاجل … .
وكان بيت الحاج رحيم لا يخلو من ضجيج: زوجته أم سجاد، وبناته الثلاث، وابنه الوحيد سجاد، شاب في الثلاثين من عمره، وسيم الملامح، لكنه يعرج بشدة منذ حادثة سير مروعة في شبابه، يعمل موظفاً بسيطاً في دائرة التسجيل العقاري …
أم حسن، التي أنجبت خمس بنات وولد واحد هو حسن، كانت ترى في سجاد فرصة ذهبية لابنتها الكبرى زهراء، الفتاة ذات الثلاثة والعشرين ربيعاً، التي رفضت كل الخاطبين بسبب حساسيتها المفرطة من صوت المراوح السقفية!
نعم، كانت زهراء تصاب بنوبة هلع كلما رأت مروحة تدور، وترفض النوم في أي غرفة بها مروحة، وهو أمر نادر في بيوت بغداد الحارة .
فاتحت أم حسن زوجها أبو حسن بالأمر، فقال مازحاً: “سجاد يعرج وزهراء تخاف من المراوح…؛ شكلهما خليقا ببعض”… ؛ لكن أم حسن كانت جادة: الرجل محترم وموظف ولديه بيت خاص … ؛ والعَرَج لا يعيب الرجل… ؛ أما الفوبيا من المراوح فسنجد لها حل ؛ ان شاء الله .
قررت أم حسن أن تبدأ بمغازلة أم سجاد جارتهم الجديدة… ؛ وفي احد الايام أرسلت إليها طبقاً من الباميا باللحم، ثم طبقاً آخر بالدجاج، ثم ثالثاً باللحم مرة أخرى… ؛ وعندما سألتها أم سجاد عن سر الكرم، همست أم حسن: أريد خير البيتين…؛ بنتي زهراء لولدك سجاد … .
تنهدت أم سجاد طويلاً ثم قالت: والله يا أم حسن، نحن نقدركم وتشرفنا بكم، لكن سجاد… سجاد حالته صعبة… ؛ ليس بسبب العرج، فالله ابتلاه به وله أجر الصبر… ؛ لكنه… منذ الحادثة وهو يرى كوابيس كل ليلة… ؛ يصرخ في نومه، يضرب الحائط، أحياناً ينهض ويجر ساقه خارج البيت بملابس النوم… ؛ جربنا الأطباء والمعالجين والشيوخ، والله (ما فاد معه) شيء… ؛ من ترضى لبناتها بواحد مثل هذا؟!
أصرت أم حسن: زهراء تفهم… ؛ زهراء تعرف المعاناة.
دعتها أم سجاد للغداء، وحضر سجاد… ؛ جلس صامتاً، يأكل بتؤدة، ثم نهض فجأة وهو وركض إلى الحمام مغلقاً الباب خلفه …
ضحكت أم سجاد بحرج: انه يعاني من مرض القالون … ؛ هذا حاله منذ سنوات … ؛ خرج سجاد بعد نصف ساعة، معتذراً بصوت خافت، ثم دخل غرفته ولم يخرج .
لكن أم حسن لم تتراجع… ؛ قالت لزوجها: سأذهب لأخطبه لزهراء بنفسي …!!
فعلتها… ؛ و ذهبت إلى الحاج رحيم، الرجل الطيب الذي كان يربي حمامه على السطح، وطرحت الأمر… ؛ نظر إليها الحاج رحيم بعينين دامعتين، ثم قال: أم حسن، ابني سجاد مريض… ؛ وأنا أعرف أن زهراء مريضة أيضاً بعلتها الغريبة… ؛ مريضان معاً… لا يؤسسان بيتاً، بل يهدمانه… ؛ أريد لسجاد أن يجد امرأة تقوده إلى الشفاء، لا امرأة تحتاج إلى من يقودها …
عادت أم حسن إلى بيتها باكية… ؛ ثم قالت لزهراء: سامحيني يا بنتي، رفضونا …!!
ابتسمت زهراء ابتسامة غريبة باردةوقالت : لا بأس يا أمي. أنا لا أريد الزواج أصلاً… ؛ الخوف من المراوح… ؛ والآن العرج والكوابيس… ؛ الناس كلها فيها عيوب؛ الا ان البعض يتنمر على البعض …!!
مرت أشهر… ؛ وفي إحدى الليالي الصيفية الحارة، استيقظ بعض الجيران على صراخ مدوٍ… ؛ خرجوا فوجدوا سجاد واقفاً في منتصف الشارع وهو شبه عاري ، ينظر إلى السماء، يردد: سائق الشاحنة سوف يدهسني مرة اخرى …
أسرع الحاج رحيم وأم سجاد وأخواته لإدخاله، لكنه كان يقاوم بعنف… ؛ عندها، خرجت زهراء من بيتها… ؛ مشت نحو سجاد بهدوء… ؛ نظرت إليه، ثم قالت بصوت هادئ: لا تخف… ؛ الشاحنة ذهبت بعيدا عنك …
توقف سجاد عن الصراخ… ؛ نظر إلى زهراء بعينين زائغتين، ثم أغمي عليه …
حمله الرجال إلى فراشه… ؛ وفي الصباح، طرقت أم حسن باب أم سجاد و قالت: ابنتي زهراء لم تنم البارحة حزنا على حالة سجاد …
نظرت أم سجاد إلى أم حسن طويلاً… ؛ ثم بكت… ؛ ثم ضمت جارتها إليها .
تزوج سجاد وزهراء بعد شهر… ؛ و لم يعد سجاد يصرخ في نومه… ؛ أصبحت كوابيسه تأتي مرة في الشهر فقط، وكانت زهراء تهمس في أذنه حتى يهدأ… ؛ أما زهراء، فلم تعد تخاف من المراوح… ؛ ففي ليلة زفافها، نامت تحت مروحة السقف وهي تضحك …!!
وبعد عام، رزقا بطفلة اسمياها : رجاء .
وفي يوم ممطر، كانت أم حسن تطبخ الباميا باللحم، وإذ بجيرانها يدخلون باكين… ؛ سجاد كان يعبر الشارع حين انحرفت شاحنة مسرعة… ؛ مات في الحال …!!
حملوا جثمانه إلى المستشفى، ثم إلى بيته… ؛ جلست زهراء بجانب جثة زوجها، لا تبكي… ؛ فقط تمسح على وجهه وتقول: أنت لست ميتاً… ؛ أنت ذاهب في رحلة قصيرة … ؛ وسوف تعود سريعا …
مرت ثلاثة أيام، وزهراء لم تأكل ولم تنم… ؛ و في اليوم الرابع، نامت فجأة… ؛ حلمت أن سجاد يطير مع حمام والده، ويصرخ من الأعلى: الشاحنة … الشاحنة أتت مسرعة … ؛لكنها هذه المرة حملتني إلى السماء العاشرة ؛ هناك لا شاحنات ولا كوابيس ولا مخاوف ولا عيوب …
استيقظت زهراء باكية… ؛ ثم نهضت،و طبخت قدراً كبيراً من الباميا، ووزعته على كل جيران الحي ؛ لان سجاد كان يحب مرقة الباميا كثيرا …
ثم قالت لأمها: سجاد شفي أخيراً… ؛ الكوابيس راحت للأبد .
أم حسن نظرت إلى ابنتها، إلى قدر الباميا الفارغة، إلى السماء التي لم تمطر بعدها… ؛ أدركت أن بنتها لم تعد خائفة من المراوح، لكنها أصبحت خائفة من كل شيء آخر …!!