رياض سعد
إضاءة أولى: الوهم القاتل*
البعض من أبناء الأمّة العراقية يضعون اللائمة في بلايا العراق وأزماته المزمنة على هذا النظام العربي أو تلك الحكومة الإقليمية، أو هذه الجارة أو تلك؛ في وهمٍ يخيّل إليهم أن مشاكل العراق ستنتهي بزوال النظام الفلاني أو سقوط الحكومة الفلانية… ؛ إنهم -في غمرة هذا التيه- يتجاهلون تمام التجاهل الأسباب الداخلية والموضوعية لهذا التقهقر التاريخي والتراجع الحضاري المخيف.
نعم أن هذا التفسير، على ما فيه من قدر من الصحة الجزئية، يتحول إلى نوع من الهروب من مواجهة الحقيقة الأعمق والأشد إيلامًا: أن جزءًا كبيرًا من المأزق عراقيّ المنشأ، متجذر في البنية الاجتماعية والنفسية والسياسية للمجتمع ذاته …؛ لقد اعتاد بعض العراقيين الاعتقاد بأن مشكلات البلاد ستنتهي بزوال نظامٍ معين أو بسقوط حكومةٍ خارجية بعينها .
لقد آن لنا أن نكفّ عن دفن رؤوسنا في رمال نظريات المؤامرات الخارجية والخيالات الطوباوية ، ونلتفت إلى جرحنا النازف من الداخل؛ فالمشكلة، أو جزء كبير منها على الأقل، تكمن فينا، في تكويننا النفسي والاجتماعي الممزق، في تركيبة أبناء الأمّة العراقية أنفسهم … .
والحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها أن المشكلة – أو جزءًا كبيرًا منها – كامنة في أبناء الأمة العراقية أنفسهم كما مر انفا … ؛ فقد لاحظ الكثير من الباحثين وعلماء الاجتماع السياسي أن العلّة الأولى لانتكاسة الأمّة العراقية والعراق، تكمن في افتقاد الشعور بالهوية الوطنية الجامعة، واستبدالها بهويات فرعية قاتلة أو أيديولوجيات عابرة للحدود لا تمتّ لتراب الرافدين بصلة… ؛ إنها لعنة ” الاعتقادات الدينية والسياسية للمكونات العراقية العابرة للحدود والمتنكرة للخصوصية العراقية والهوية الوطنية ” التي حوّلت الوطن إلى ساحة لتصفية حسابات لا علاقة لها بمن يحملون هويته الرسمية .
التشظي القاتل: خرائط ولاء بديلة*
عندما نقرأ تاريخ الأمم التي انهارت، نكتشف أن السيف الذي يقطع الجسد نادراً ما يكون أكثر فتكاً من الفكرة التي تقسم القلب وتغيب الوعي … ؛ وهذا هو حال العراق اليوم، فأكثر ما يعذبه ليس مؤامرات الجيران، ولا حكومات المنطقة، بل ما استقر في أعماق أبنائه من تشظٍ في الولاءات، والتباس في الانتماءات … ؛ فأبناء الأمة العراقية متشظون متشرذمون متفرقون متخاصمون، متوزعون بين هويات فرعية تعلو على الخصوصيات الوطنية والسمات العراقية العريقة .
نعم , إن المجتمع العراقي اليوم يبدو، في كثير من جوانبه، متشظيًا ومفككًا: جماعات متفرقة، متخاصمة، تتنازعها ولاءات متباينة لا يجمعها جامع وطني صلب… ؛ فثمة من يقدّم الاعتقاد الديني والفتوى الشرعية على مصلحة العراق والعراقيين، وآخر يغلّب الانتماء المذهبي، وثالث يتشبث بالعرق والقومية إلى حد إقصاء كل ما عداها… ؛ وهكذا تتراجع “العراقية” بوصفها هوية جامعة، لتحل محلها انتماءات ضيقة أو هلامية تتجاوز حدود الدولة أو تتنكر لها …!!
كلٌ يرى نفسه جزءاً من “أمة” خارج حدود الجغرافيا العراقية، متناسياً أن الوطن هو الحاضن الأول والأخير …!!
نعم , أبناء الأمّة العراقية اليوم متشظّون، متشرذمون، مفرّقون، متخاصمون. إنهم متفرقون بين هويات فرعية عابرة للخصوصيات الوطنية والسمات العراقية العريقة… ؛ لقد أصبح كل فريق يقدم ولاءه لجهة خارج حدود الوطن .
وفي هذا السياق، تظهر صور متعددة لهذا الالتباس في الهوية :
أولاً: ولاء المذهب والفتوى… ؛ البعض يقدّم الاعتقادات الدينية والفتاوى الشرعية على العراق والعراقيين والمصالح الوطنية ، وكأن السماء نزلت لتطوي هذه البقعة – العراق – من الأرض لصالح “أمة” غيبية لا تعرف الحدود ولا تعترف بالخصوصيات المحلية والمصالح الوطنية .
ثانياً: ولاء العرق والقومية…؛ البعض الآخر يؤمن بالعرق والقومية ويكفّر بما عداها؛ فترى العربي “القومجي” يقدّم مصالح دول الجوار على مصلحة العراق، ويفضّل الأفارقة الناطقين بالضاد على جماجم العرب من العراقيين الأصليين الذين لا ينتمون إلى حزبه أو تنظيمه … .
ثالثاً: الوهم الكردي. الكردي -إلا من رحم ربي- لا يؤمن بالأمّة العراقية أو الهوية الوطنية، ويعتبر وجوده في العراق غلطة تاريخية لا تصحح إلا بالانفصال وسلخ أراضيه لصالح كيان وهمي اسمه كردستان الكبرى… ؛ وهذا ما أكدته استطلاعات الرأي الأخيرة التي أظهرت أن غالبية الأكراد لا تزال تفضل الهوية الكردية على الهوية العراقية، مما أدى إلى مطالبات مستمرة بالاستقلال أو الحكم الذاتي الموسع .
رابعاً: تحالفات الدم… ؛ السني يتحالف مع جميع الحركات التكفيرية والفصائل الإرهابية من أجل ذبح العراقيين ونحر المواطنين الذين يختلفون معه في المذهب والتوجه السياسي ، غافلاً عن أن السكّين التي يطعن بها وطنه ستطعنه يوماً… ؛ والشيعي يقدّم مصالح الآخرين بحجة نصرة المذهب، ويهمل نفسه ووطنه والمواطنين الآخرين، وقد يرفع شعارات طوباوية خارجية لا علاقة لها بالشأن المحلي بتاتاً.
لقد كرّست بعض الحركات الإسلامية الشيعية فكرة احتكارها للدين، وربطت بين وجود الشيعة كمكون اجتماعي أصيل وبين مدارس عقائدية تدّعي تمثيلهم، فظلّت عقوداً تستجدي الدعم الخارجي وتحشد التعاطف بخطاب عابر للحدود لا يخدم الاغلبية العراقية بل يذهب إلى جيوب شخصيات دينية ذات أصول غير عراقية .
خامساً: الولاءات المستوردة… ؛ وكذلك الحال بالنسبة لبقية الأقليات والمكونات؛ إذ وصل الحال ببعض التركمان أنهم يأبّنون قتلى الجيش التركي الغازي في العراق ويصفونهم بأنهم شهداء الأمّة التركية ؛ في دلالة صريحة على اختلال ميزان الانتماء …!!
المواطنة الكذبة: دولة تحت الحراب*
في خضم هذا التشظي، صار التعايش في ظل الدولة الجامعة وسيادة مفهوم “المواطنة” أقرب إلى أن يكون كذبة كبرى لا يمكن أن تتحقق، حتى مع وجود أقليات في كل طائفة أو قومية تؤمن بالانتماء للعراق.
حتى سيادة مفهوم الدولة (الصوري والشكلي) لم يتحقق في تاريخنا المعاصر إلا من خلال دكتاتوريات حكمت العراق بالحديد والنار، مما أدى إلى إضعاف الشعور الوطني ودقّ إسفين بين المكونات والجماعات، فزادت الطين بلّة … ؛ ولعل مثال الحكومة الصدامية من أبلغ الشواهد التاريخية على ذلك؛ فقد أساء صدام للعراق والعراقيين والهوية الوطنية أيّما إساءة، ولا نزال نعاني من تداعيات تلك الحقبة الدموية الهجينة حتى يومنا هذا… ؛ صحيح أن نظام صدام استبد بالجميع بمن فيهم السنّة أنفسهم، لكنه في الوقت ذاته كرّس بنيان سلطة قام على استبعاد ممنهج للآخر، واختزل الوطن في الحزب، والحزب في الطائفة، والطائفة في العشيرة، والعشيرة في العائلة، حتى صار الجميع رهائن لشخص واحد … ؛ وقد فكّكت سياساته المؤسسات الوطنية وأضعفت الشعور بالانتماء للوطن، لتأتي مرحلة ما بعد 2003 وتكرّس الطائفية السياسية بدل أن تعالج جراح الماضي …!!
نعم ؛ أمام هذا الواقع البائس ، يغدو الحديث عن “المواطنة” بوصفها إطارًا جامعًا أشبه بشعارٍ نظري يصعب تجسيده على أرض الواقع… ؛ فالدولة، في وعي كثيرين، ليست سوى كيان شكلي، لم يترسخ تاريخيًا إلا في ظل أنظمة استبدادية حكمت بالحديد والنار… ؛ و هذه الأنظمة، بدل أن تبني هوية وطنية متماسكة، أسهمت في تعميق الانقسامات، وزرع الشكوك بين المكونات، وإضعاف الثقة بالدولة ذاتها… .
دورة الدم: من نظام إلى آخر*
وعليه، لا تفرح أيها العراقي بسقوط النظام الاقليمي “س”، لأنك ببساطة ستتحول إلى مظلة نفوذ للنظام الخارجي “ش”… ؛ إنها دورة الدم والولاءات ذاتها … ؛ تتغير الوجوه وتبقى العقلية المتخلفة التي تبحث عن ظهير خارجي…!!
إن إشكالية الاستقواء بالخارج ليست جديدة على المنطقة؛ فتاريخنا العربي الحديث حافل بأمثلة عن قوى سياسية عجزت عن تحقيق أهدافها بنفسها، فبحثت عن ظهير خارجي ليجلسها على كرسي الحكم، دون أن تدري أنها تصبح بذلك مجرد ألعوبة في يده .
وهكذا، ما لم يتبلور مشروع وطني عظيم يوحّد أبناء الأمّة العراقية على أساس المواطنة والانتماء للأرض، سيبقى البعض يستقوي بالأجانب والغرباء على البعض الآخر في العراق؛ وسيبقى العراقي يستعين بالعدو الخارجي من أجل قتل أخيه العراقي…!!
إن استمرار هذه الحال يعني أننا سنظل أسرى لهوياتنا الفرعية القاتلة و ولاءاتنا الخارجية وارتباطاتنا المشبوهة … ؛ نحرث في بحر من الدماء دون أن نصل إلى شاطئ الوطن الآمن… .
نعم , من هنا، يصبح من الخطأ الفادح أن يفرح العراقي بسقوط نظامٍ خارجي ما، وهو لم يعالج بعدُ جذور الأزمة… ؛ إذ سرعان ما يجد نفسه تحت مظلة نفوذ خارجي جديد، في دورة لا تنتهي من الاستبدال دون التغيير الحقيقي… ؛ فغياب مشروع وطني جامع، قادر على توحيد أبناء الأمة العراقية حول رؤية مشتركة، يجعل الباب مفتوحًا أمام التدخلات الخارجية، ويُبقي بعض العراقيين في حالة استقواء بالآخر على أخيهم في الوطن .
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط ضياع الهوية الوطنية وتغييب الوعي العراقي ، بل تحول هذا الضياع إلى سلوك عملي: أن يستعين العراقي بالعدو الخارجي ليغلب خصمه الداخلي، أو أن يرى في الخارج ملاذًا بديلًا عن وطنه… ؛ عند هذه النقطة، لا تكون الأزمة سياسية فحسب، بل وجودية تمس معنى الانتماء ذاته .
إن خلاص العراق لن يأتي من سقوط حاكم اجنبي أو تغير نظام لدولة مجاورة ، بل من صحوة داخلية تعيد الاعتبار للهوية العراقية الجامعة، التي تستوعب التنوع دون أن تذوب فيه، وتحتضن الخصوصيات دون أن تنحاز لواحدة على حساب الأخرى… ؛ هوية تعيد تعريف “العراقي” ليس بما يختلف به عن أخيه، بل بما يشترك به معه: أرض واحدة، دم واحد، ومصير واحد… ؛ فإلى متى نظل أسرى الولاءات الخارجية، وعبيداً لصراعات لا تخدم إلا من يكرهون هذا الوطن؟
*الخاتمة: المواطنة والهوية الوطنية أولا و أخيرا
إن الطريق إلى إنقاذ العراق لا يمر عبر طهران أو واشنطن أو أنقرة أو الرياض أو دبي أو عمان أو القاهرة … الخ ، بل يمر أولاً وأخيراً عبر وعي العراقي نفسه… ؛ إنه وعي يجعله يدرك أن هويته الوطنية هي المدخل الوحيد لكرامته، وأن التنوع المذهبي والقومي ليس نقمة بل ثراء، شريطة أن يبقى تحت سقف “العراق أولاً”… ؛ إن استطلاعات الرأي الأخيرة تدق ناقوس الخطر، حيث أظهرت أن 53% من العراقيين يضعون هوياتهم الفرعية فوق هويتهم الوطنية، وأن تراجع الشعور بالانتماء الوطني يرتبط بشكل وثيق بتصاعد الخطاب الطائفي والقومي في وسائل الإعلام التي تعمل في معظمها على أسس طائفية وعرقية .
إن استعادة الهوية الوطنية العراقية ليست ترفاً فكرياً، بل هي مسألة حياة أو موت لأمة أنهكتها الحروب والصراعات… ؛ والتاريخ يعلمنا أن الأمم والشعوب والجماعات التي تبيع وطنها لمن يهتف لها من الخارج، ينتهي بها الأمر مجرد أثر بعد عين، أو كما قال الشاعر: “ومن يهن يسهل الهوان عليه”.
إن استعادة العراق لعافيته لا يمكن أن تتم عبر تغيير الحكومات المحلية أو الأنظمة الخارجية فقط، بل عبر إعادة بناء الوعي الوطني، وترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه رابطة عليا تتقدم على كل الانتماءات الفرعية… ؛ و دون ذلك، سيبقى العراق يدور في حلقة مفرغة، تتبدل فيها الوجوه والأنظمة، بينما تظل الأزمة في جوهرها على حالها .
فهل آن لأبناء الرافدين أن يدركوا أن الجرح واحد، والمصير واحد، والوطن -بكل مكوناته- يستحق أن نكون له أوفياء قبل أن نكون أوفياء لمذاهبنا وأيديولوجياتنا؟
هذا هو السؤال الذي سيبقى معلقاً على جدران الزمن العراقي، في انتظار إجابة لا تأتي من الخارج، بل من أعماق الروح العراقية التي لم تمت بعد … .