تشريح “وثيقة الاستسلام” الأمريكية: السيادة اللبنانية في مقصلة نيسان 2026
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
# في مشهدٍ يُعيد صياغة “الغدر الدبلوماسي” بأبشع صوره
أطلّ بيان وزارة الخارجية الأمريكية في 16 نيسان/أبريل 2026 ليُعلن عن وقفٍ للأعمال العدائية لمدة عشرة أيام. لكنّ القراءة المتفحصة لهذا البيان، ومقارنته بالواقع الميداني والقرارات الحكومية اللبنانية الأخيرة، تكشف أننا لسنا أمام مشروع سلام، بل أمام صك انتدابٍ جديد يشرعن استباحة لبنان ويقوّض أسس دستوره وميثاقه الوطني.
#إزدواجية المعايير: المحتل “حمامة سلام” والمقاوم “مارق”
يقلب البيان الأمريكي الحقائق التاريخية والقانونية رأساً على عقب. فبينما يصف المقاومة اللبنانية بـ “الجماعات المسلحة المارقة”، يتناسى أن هذه المقاومة هي نتاجٌ شرعي للاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1982،
ومن أخطر ما في البيان هو إعتبار المقاومة والتي هي نتيجة للإحتلال منذ العام 1982، فهي التي حررت لبنان في العام 2000؛وحافظت على سيادة لبنان والدفاع عن شعبه من خلال تطبيق القاعدة الذهبية [جيش+شعب+ مقاومة]، واجبرت العدو على الإلتزام بالقرار 1701 لمدة تقارب ال 18 سنة، حين عجز مجلس الأمن عن تطبيق ذلك القرار، منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، وعدم إلتزام إسرائيل بوقف الأعمال العدائية، منذ 27 تشرين الثاني/ نوفمبر وحتى اليوم.
#البيان يمنح إسرائيل “حقاً متأصلاً في الدفاع عن النفس”
ينسف جوهر وقف إطلاق النار، حيث يتيح لها ضرب أي هدف لبناني تحت ذريعة “الهجمات الوشيكة”، وهو مصطلح مطاط إستخدمته إس.رائيل تاريخياً لتبرير آلاف المجازر.
وفي المقابل، يغفل البيان تماماً المشروع التوسعي لنتنياهو وسعي الاحتلال لقضم 800 كلم² من جنوب لبنان لتحويلها إلى منطقة عازلة، مما يعد عدواناً صارخاً على وحدة الأراضي التي يدعي البيان حمايتها.
#بطلان القرارات الحكومية: الدستور اللبناني في مواجهة “الإملاءات”
إنّ إستناد البيان الأمريكي إلى قرارات الحكومة اللبنانية الصادرة في 5 و7 آب 2025 و2 آذار 2026، والتي قضت بحصر السلاح بيد الدولة وإعتبار المقاومة “جماعة خارجة عن القانون”،في ظل وجود الإحت.لال يضع الحكومة في قفص الاتهام الوطني.
#قانونياً ودستورياً، تعتبر هذه القرارات باطلة بطلاناً مطلقاً للأسباب التالية:
1- مخالفة وثيقة الوفاق الوطني (الطائف): تنص الفقرة “ثالثاً” من وثيقة الطائف على أن حصر السلاح بيد الدولة، هو مسار يبدأ بعد زوال الاحتلال الإسرائيلي وبسط السيادة، وليس قبل ذلك.
2- مبدأ سمو الدستور
القرارات الحكومية لا تملك قوة إلغاء الحقوق الدستورية والوطنية في الدفاع عن الأرض. المقاومة في لبنان ليست مجرد تنظيم، بل هي تجسيد لحق الشعب في تقرير مصيره ومواجهة الاحتلال، وهو حق تضمنه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
3- إنتهاك القوانين الدولية
تُشرعن اتفاقيات لاهاي واتفاقيات جنيف لعام 1949 (البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977) حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي. إن وصف المقاومة بـ “المارقة” هو اعتداء صارخ على القانون الدولي الذي يميّز بوضوح بين “الإرهاب” وبين “الكفاح المسلح لتحرير الأرض”.
4- دس السم في العسل: شرعنة الإنتهاكات وتفتيت المجتمع
إنَّ أخطر ما ورد في “وثيقة نيسان”، هو السعي الصريح لدفع الدولة اللبنانية نحو “صدام داخلي” مع المقاومة. يطلب البيان من الحكومة اتخاذ “خطوات ذات مغزى” لمنع أنشطة المقاومة، وهو أمر يهدف إلى إحداث فتنة أهلية تحت غطاء “الدعم الدولي”.
بينما كان الحبر الأمريكي يجف، كانت دبابات الاحتلال في 19 نيسان/أبريل تمارس هوايتها في خرق الاتفاق؛ تفجير منازل في البياضة والناقورة، وإحراق بيوت في القنطرة، وهدم واسع في بنت جبيل. والأدهى من ذلك، الصمت المخزي للسلطة تجاه التدنيس الممنهج للرموز الدينية، كما حدث في بلدة دبل المسيحية ويارون، حيث لم يحرك “حماة السيادة” المزعومون ساكناً تجاه تحطيم تمثال السيد المسيح عليه السلام؛ في محاولة صهيونية لتمزيق النسيج الطائفي اللبناني.
وفي الخلاصة:
إنَّ شرعية البندقية فوق زيف الدبلوماسية.
إنَّ بيان الخارجية الأمريكية ليس إلا “غلافاً دبلوماسياً” لجرائم الحرب الإسم.رائي.لية.
فكيف لبيان يدعي “السلام” أن يتجاهل آلاف الغارات التي دمرت المساجد والجسور والبنى التحتية؟
إنها جرائم حرب لا تسقط بالتقادم، مهما حاول “الوسيط” الأمريكي تجميل وجه الق.اتل.
إن السيادة اللبنانية لا تُستجدى من دهاليز واشنطن، بل تُنتزع بصمود الشعب وتمسك الجيش بعقيدته الوطنية وحماية المقاومة لثغور الوطن.
إنَّ القرارات الحكومية التي تُجرم الدفاع عن النفس هي قرارات “ميتة” قانونياً، لأنها وُلدت من رحم الإملاءات الخارجية وتصادمت مع إرادة شعب يرفض الذل.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
21 نيسان/ أبريل 2026