التسوية السياسية(( ولادة حكومات مشلولة))

بقلم الكاتب: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن
الاثنين، 27 نيسان 2026

​تُعد لحظة اختيار رئيس الوزراء في النظم الديمقراطية الناشئة والمضطربة سياسياً هي اللحظة التي يُرسم فيها مسار الدولة للسنوات الأربع القادمة إلا أن ما يحدث في كواليس الغرف المظلمة تحت مسمى (التسوية السياسية) غالباً ما يُنتج ولادات مشوهة لسلطة تنفيذية تولد ميتة إكلينيكياً
إن إشكالية كثرة الأحزاب وتعدد الرؤى الأيديولوجية والمصلحية داخل البرلمان الواحد تجعل من عملية اختيار رئيس الوزراء لا تخضع لمعايير الكفاءة أو البرنامج الانتخابي الذي نال ثقة الجمهور، بل تتحول إلى عملية (هندسة توافقي) غايتها إرضاء الجميع، والنتيجة الحتمية هي رئيس وزراء مكبل بالالتزامات وحكومة مشلولة قبل أن تبدأ عملها.
​تبدأ الأزمة عندما تفرز الانتخابات خارطة برلمانية مشتتة لا تملك فيها كتلة واحدة الأغلبية المريحة لتشكيل الحكومة، وهنا تبرز (المحاصصة) كحل اضطراري وقاتل في آن واحد.
إن كثرة الأحزاب وتعارض أجنداتها تجعل من منصب رئيس الوزراء (جائزة ترضية) أو (حل وسط) يهدف إلى منع الاصطدام المسلح أو القطيعة السياسية فيتم البحث عن شخصية لا تملك مشروعاً صدامياً مع مراكز القوى، وهو ما يعني بالضرورة اختيار شخصية ضعيفة أو مرنة بشكل مبالغ فيه.
هذا النوع من الاختيار المبني على التسوية يسلب من رئيس الحكومة أهم أدواته وهي القدرة على اتخاذ القرار الاستراتيجي المستقل، ليتحول دوره من قائد للجهاز التنفيذي إلى (منسق) بين رغبات الأحزاب المتصارعة.
​هذا الشلل البنيوي ينعكس سريعاً على مفاصل الدولة؛ فالحكومة التي تأتي من خلال المحاصصة لا تملك فريقاً منسجماً، بل تتشكل من وزراء يمثلون أحزابهم أكثر مما يمثلون الدولة، حيث يصبح كل وزير (دولة داخل الدولة) يدين بالولاء للحزب الذي رشحه، وليس لرئيس الوزراء الذي يفقد سلطة المحاسبة أو التغيير.
إن هذه التعددية الحزبية المفرطة التي تفرض رئيس وزراء (كتسويه) تؤدي إلى غياب الرؤية الموحدة حيث يضيع البرنامج الحكومي بين صراعات النفوذ والمكاسب الفئوية ويصبح الهم الشاغل للحكومة هو البقاء في السلطة عبر استرضاء الكتل السياسية بدلاً من تقديم الخدمات ومعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المواطن.
​علاوة على ذلك فإن حكومات التسوية تفتقر إلى الشرعية الشعبية القوية فالناخب عندما ذهب لصندوق الاقتراع كان يأمل في تغيير ملموس لكنه يصدم برئيس وزراء لم يكن ضمن حساباته صعد إلى سدة الحكم نتيجة مقايضات سياسية خلف الكواليس.
هذا الانفصال بين إرادة الجمهور ونتائج التسوية يولد حالة من الاحتقان الشعبي وفقدان الثقة بالعملية السياسية برمتها وفي ظل غياب المحاسبة، تصبح هذه الحكومات مرتعاً للفساد الإداري والمالي المحمي بغطاء التوافق، حيث يخشى الجميع محاسبة الجميع لكي لا تنهار المنظومة التي أتت بهم جميعاً إلى كراسي الحكم.
​إن الاستمرار في نهج التسوية السياسية كخيار وحيد لمواجهة كثرة الأحزاب هو تكريس للعجز المؤسساتي، وتحويل للدولة إلى ساحة لتقاسم الغنائم بدلاً من بنائها ككيان مؤسسي مستقر.
إن ولادة الحكومات المشلولة هي النتيجة المنطقية لعملية قيصرية سياسية لا تلتفت لمصلحة الوطن، بل تسعى لتأمين مصالح القوى السياسية، مما يترك الدولة في حالة من الدوران في حلقة مفرغة، فاقدة للسيادة في قرارها، وعاجزة عن حماية حقوق مواطنيها الذين يظلون هم الضحية الأولى والأخيرة لهذه الصفقات.