بين القَلْبِ القديم والقَلْبِ الجديد: مَسافةُ عَشرِ آيات!
بقلم: سعد احمد الكبيسي
يَحكي لنا التاريخ أنَّ عُمر بن الخطاب -أحبَّ العُمرين إلى الله- تَوجَّه يوماً إلى مَنزل أخته وهو يحمل “قلبه القديم”؛ ذلك القلب الذي لم يشرحه الله للحق بعد، غاضباً لخبر إسلامها وزوجها. هناك، وبقسوة الجاهلية، ضربهما حتى سال الدمُ على وجه أخته، وفي تلك اللحظة تحديداً، اهتزَّ شيءٌ في أعماقه، فَرَقَّ قَلبه وطَلَبَ المصحف.
أجابته أخته بوقار الإيمان: قُم فاغتسل، فهذا المصحف لا يمسُّه إلا طاهر. اغتسل عُمر، وفتح الكتاب المسطور، وبدأ يقرأ: {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى}
لم يُتمَّ عمرُ عشرَ آياتٍ حتى انهمرت دموعه، فصاح متأثراً: ويحَ قريش! أمِن هذا فرَّت؟! ثم سأل بلهفة: أين رسول الله؟
إنَّ المَسافة بين الكفر والإيمان، وبين الجفاء والخشوع، كانت مسافة عشر آياتٍ فقط! وهذا يُعلمنا أنَّ الأمر لم يتعلَّق يوماً بمجرد العقول وحججها، بل بـ القلوب وسلاستها؛ فتفقدوا قلوبكم!
لطالما كان القرآنُ محطَّ رحالِ الطالبين، ينيخون عقولهم عند آياته، ويُعملون أفهامهم في مفرداته. فهو بحرُ علمٍ لا شواطئ له،
ليبقى هو الملاذ: فأَصْلِحْ بآيات ربِّكَ خراباً أحدثته الأيام في قلبِكَ.
يحدثُ أحياناً أن تقرأ آيةً فتشعر وكأنها “تحتضنك” فهذا القرآن هو الحضن عند الغربة، والعُكاز عند الوهن، والعزاء عند الفقد، والضمّاد لجروحٍ غائرة لا يراها الناس ولا يشعرون بها، لكنَّ الله يعلمها.
ولكي يبقى هذا القلبُ متصلاً بالنور، قال النبيُّ ﷺ لأصحابه: “مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَليفعل”.
والخبيئة الصالحة واحد منها وِردٌ من القرآن: تلتزم به دائماً، لا تتباهى به ولا يدري عنه أحد.
أذكارُ الخلوات: تسابيح واستغفار تلهج بها وأنت تقود سيارتك، أو تتسوق، أو تمارس رياضة المشي، بعيداً عن أعين الناس.
فيا بَاغي الخير، اتَّخِذْ لكَ من القرآن جزءاً يومياً تَعاهدُ الله أنك لن تتركه ولو تخطَّفتكَ الطير! واتَّخِذْ من التّسبيح وِرْداً لا تفتُرُ عنه مهما زاحمتكَ الأعمالُ أو أخذتْكَ المشاغلُ. فبالقرآن تحيا القلوب، وبالخبيئة الصالحة تُضاء القبور.
وسلامتكم