فيزيولوجيا الرؤية: كيف تحوّلت العين إلى منفذٍ لاستنزاف الروح؟

رياض سعد

في المدن الحديثة لم يعد الإنسان متعبًا من العمل فقط، بل من النظر.

نحن لا نعيش داخل الطبيعة كما عاش أسلافنا، بل داخل عاصفة بصرية لا تهدأ؛ شاشات، وجوه، إعلانات، إشعارات، أضواء، كاميرات، ونظرات بشرية متقاطعة تلتهم الجهاز العصبي بصمت.

ولهذا لم يعد الإرهاق النفسي اليوم وليد الفكر وحده، بل وليد الحضور.

العلم يخبرنا أن القسم الأعظم من النشاط العصبي في الدماغ مرتبط بالرؤية.

لكن الفلسفة تذهب أبعد من ذلك: الإنسان لا يرى العالم فقط، بل يُستهلك به.

العين ليست عضوًا بريئًا.

إنها أخطر منافذ الروح على العالم الخارجي.

كل صورة تدخل إلينا لا تمر مرورًا عابرًا، بل تترك خدشًا صغيرًا في الوعي، حتى وإن لم نشعر بذلك.

ولهذا فإن المدن الحديثة لم تعد أماكن للسكن، بل ساحات استنزاف إدراكي دائم.

إن الإنسان القديم كان يخاف الوحوش، أما الإنسان المعاصر فيخاف النظرات.

لقد تحوّل الحضور الاجتماعي إلى نوع من المحاكمات الصامتة.

كل مكان مزدحم هو امتحان عصبي خفي؛ الدماغ يراقب الوجوه، يحلل النوايا، يقارن المكانة، يقرأ تعابير العيون، ويعيد تشكيل السلوك وفقًا للآخرين.

حتى الصمت داخل المقاهي لم يعد صمتًا، بل مراقبة متبادلة بين غرباء متعبين.

ولهذا يشعر كثير من الناس بإرهاق غامض بعد اللقاءات الاجتماعية، رغم أنهم لم يبذلوا جهدًا جسديًا حقيقيًا.

إنهم ببساطة استُنزفوا بصريًا.

نحن لا ندرك أن العين تستهلكنا أكثر مما نستهلكها.

فالدماغ لا يتعامل مع الصورة بوصفها “شكلًا”، بل باعتبارها احتمالًا:

هل هذا الشخص خطر؟

هل أنا مقبول؟

هل أبدو ضعيفًا؟

هل تمت ملاحظتي؟

هل تم تجاهلي؟

ومن هنا تبدأ المأساة الوجودية للإنسان الحديث: لقد أصبح يرى نفسه من خلال عيون الآخرين أكثر مما يراها من داخله.

وسائل التواصل الاجتماعي عمّقت هذه الكارثة النفسية.

فالإنسان لم يعد يعيش حياته، بل يراقب صورته وهو يعيشها.

لقد انقسم الكائن البشري إلى شخصين: شخص يعيش، وآخر يراقب كيف يبدو أثناء العيش.

إنها مرحلة غير مسبوقة من الاغتراب العصبي.

حتى الوحدة لم تعد عزلة حقيقية، لأن الهاتف يحمل العالم كله إلى العين، والعين تحمل العالم كله إلى الدماغ، والدماغ لا ينسى.

ربما لهذا السبب أصبح القلق مرض العصر.

ليس لأن البشر يفكرون كثيرًا فقط، بل لأنهم يتعرضون لكمية مرعبة من الحضور البصري المستمر.

الإنسان اليوم يعيش تحت طوفان من الصور يفوق قدرة جهازه العصبي الذي صُمّم أصلًا لحقول هادئة، لا لمدن إلكترونية تلمع أربعًا وعشرين ساعة.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: كلما ازدادت قدرتنا على الرؤية، ازداد فقداننا للسكينة.

لقد صار الإنسان كائنًا مرئيًا أكثر من كونه كائنًا حيًا.

وجوده بات مرهونًا بأن يُرى، لا بأن يشعر.

ولهذا لم تعد العزلة خوفًا من الوحدة، بل محاولة يائسة لحماية الدماغ من فائض العالم.

إن العين ليست نافذة على الواقع كما يقول الشعراء، بل ثقبٌ يدخل منه العالم كله إلى أعصابنا.