الخطر الصامت: كيف تستقطب التيارات المنحرفة أتباعها في الفضاء الرقمي العراقي

​بقلم: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن

​في ظل الانفتاح الرقمي المتسارع الذي يعيشه المجتمع العراقي، لم تعد ساحات التأثير مقتصرة على المنابر التقليدية بل انتقلت المعركة إلى فضاء افتراضي مفتوح، تحول فيه (الفضاء الرقمي) إلى بيئة خصبة لنمو واستقطاب التيارات المنحرفة.
إننا اليوم أمام نمط جديد من المخاطر التي لا تستخدم السلاح التقليدي، بل تعتمد (الخطر الصامت) الذي يتسلل إلى عقول الشباب عبر خوارزميات التواصل الاجتماعي، مستغلاً الفراغ الفكري والاضطرابات النفسية التي قد يعاني منها الفرد في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية الحادة.
​إن عملية الاستقطاب التي تمارسها هذه التيارات ليست عشوائية، بل هي هندسة اجتماعية دقيقة تُدار من خلف الشاشات. تبدأ هذه العملية غالباً بمرحلة (التسلل الناعم) حيث لا يظهر التيار المنحرف بوجهه القبيح أو بأفكاره المتطرفة من اللحظة الأولى، بل يبدأ بطرح أفكار تلامس احتياجات عاطفية أو طموحات شخصية لدى الشباب يستخدم القائمون على هذه التيارات خطاباً عاطفياً مكثفاً يرتكز على مفاهيم المظلومية و البحث عن الحقيقة المفقودة أو الخلاص الفردي والجماعي مما يوفر للمتلقي شعوراً بالانتماء إلى (نخبة) تمتلك وعياً يتجاوز الوعي العام السائد.
​في هذه المرحلة، يتحول الفضاء الرقمي إلى مختبر نفسي، حيث تُجمع البيانات الشخصية للمستهدفين، ويتم تحليل ميولهم وتوجهاتهم، ليُصار إلى تقديم محتوى مفصل يغذي شكوكهم في المؤسسات التقليدية والدينية والاجتماعية.
إن هذا التفكيك المتعمد للثوابت لا يهدف إلى التنوير، بل إلى خلق حالة من (الفراغ الفكري) ، ليقوم التيار لاحقاً بملء هذا الفراغ بمنظومته الخاصة، والتي غالباً ما تتسم بالانغلاق والتكفير المبطن أو الانحراف الأخلاقي والفكري الذي يغلف بغطاء القداسة.
​اللافت في التجربة العراقية، هو القدرة الفائقة لهذه التيارات على محاكاة (اللغة الشعبية) فهي لا تخاطب الشباب بلغة الأكاديميين أو رجال الدين التقليديين، بل تعتمد لغة بسيطة، مباشرة وقريبة من ذائقة الشارع الرقمي مع توظيف مكثف للرموز البصرية والموسيقى التصويرية والعبارات التي تثير الحماس والدهشة. هذا التوظيف للمؤثرات يجعل من المقاطع القصيرة والمنشورات العابرة أداة فعالة لغسل الأدمغة وتغيير القناعات بعيداً عن أي نقد فكري أو تدقيق منطقي إذ يتحول المتابع تدريجياً إلى (تابع) رقمي يدافع عن هذه الأفكار بشراسة معتقداً أنه يمارس دور المصلح أو المخلص.
​ومن أخطر أبعاد هذا الخطر الصامت هو انعزالية البيئة الرقمية التي تخلقها هذه التيارات بمجرد أن ينجذب الفرد إلى هذا العالم، يتم عزله عن محيطه الاجتماعي الحقيقي؛ فالأهل والأصدقاء والمؤسسات التعليمية يُصورون ككيانات (متخلفة) أو (معادية للحقيقة الجديدة) هذا الانفصال يسهل عملية السيطرة على الفرد، حيث يصبح مرجعه الوحيد هو (الزعيم الرقمي) أو المجموعة التي ينتمي إليها، مما يجعله فريسة سهلة لتوظيفه لاحقاً في أجندات تتجاوز مجرد تبني فكرة، لتصل إلى تهديد السلم الأهلي أو تبني سلوكيات تتنافى مع القيم والاعراف في المجتمع العراقي الأصيلة.
​إن مواجهة هذا الزحف الصامت لا تكمن في المنع والحجب بقدر ما تكمن في (التحصين المعرفي)
إننا بحاجة إلى ثورة وعي تعيد للشباب العراقي القدرة على التفكير النقدي، وتفكيك هذه الخطابات أمامهم قبل أن تنفذ إلى عقولهم. لا بد من تفعيل دور النخب الأكاديمية والباحثين والمؤسسات التربوية لتقديم بدائل فكرية رصينة قادرة على استيعاب الشباب والإجابة على تساؤلاتهم الوجودية، بدلاً من تركهم وحيدين في مواجهة خوارزميات لا ترحم ولا تبالي بمستقبل الوطن. إن الوعي بالخطر هو الخطوة الأولى لتفكيكه، وما هذه القراءة إلا محاولة لإضاءة جانب من جوانب هذه المعركة الفكرية التي نخوضها في دهاليز العالم الرقمي.