(في تحليل السلوك التصعيدي ضد المرجعية ومؤسساتها وآثار غياب الردع القانوني) – ورقة تقدير موقف استراتيجي

محمد أبو النواعير

د. محمد أبو النواعير
دكتوراه في النظرية السياسية / المدرسة السلوكية الأمريكية المعاصرة في السياسة

تكشف التجربة السياسية والاجتماعية العراقية، منذ زمن النظام السابق وحتى ما بعد سقوطه، عن استمرار نمط سلوكي واحد في إدارة الصراع ضد الهوية الدينية والاجتماعية للمجتمع المؤمن؛ فهذا النمط لم يكن يعتمد في جوهره، على المواجهة الفكرية الرصينة أو النقد الموضوعي، بقدر ما كان يستند إلى التضليل، وتزوير الوقائع، وتأجيج الانفعالات العامة، وتحويل الرأي العام إلى أداة ضغط وتحريض وتشويه.

وقد مارست هذا السلوك اتجاهات مختلفة، وإن اختلفت عناوينها الأيديولوجية والسياسية، من شيوعية وبعثية وقومية وعلمانية ومدنية؛ إلا أنها التقت في منهج واحد، الا وهو قتل الوعي لا مناقشته، وإرباك الجمهور لا إقناعه، واستثمار الانفعال الجمعي لا بناء الموقف العقلاني.

ومن منظور تحليل السلوك، لا يمكن فهم تكرار هذه الظاهرة بوصفه مجرد حوادث منفصلة أو ردود فعل عابرة، بل ينبغي النظر إليه باعتباره سلوكًا تعلّم اصحابه من خلاله، وعبر الزمن، أن كلفته منخفضة، وأن عوائده عالية؛ فحين يعتاد الفاعل المسيء أنّ فعله لا يترتب عليه جزاء قانوني واضح، وأن الجمهور المؤمن غالبًا ما يكتفي بالدفاع الأخلاقي أو الرد الخطابي، وأن القيادات المعنية تميل إلى الصمت أو الصفح أو تجنب الاشتباك القضائي، فإن هذا السلوك يترسخ، ويتحول من حالة فردية إلى أسلوب عمل، ومن أسلوب عمل إلى مشروع استنزاف طويل المدى.

لقد أسهمت ثلاثة عوامل رئيسة في تشجيع هذا النمط: أولها غياب الردع العقابي المنظم، سواء على مستوى القيادات أو الجمهور، بحيث لم يلمس أصحاب حملات التشويه ثمنًا قانونيًا أو قضائيًا رادعا وواضحًا لما يرتكبونه من تضليل وتسقيط.

وثانيها ضعف الصوت المؤمن وقلّة فاعليته التنظيمية والإعلامية مقارنة بأدوات الخصوم، مع ميل شريحة واسعة منه إلى السلامة وتجنب الخصومة العلنية.

أما العامل الثالث، فهو قابلية البيئة الجماهيرية العراقية للتحريك الانفعالي السريع، وهي قابلية يعرفها خصوم المرجعية وخصوم المؤسسات الدينية جيدًا، ولذلك يستثمرونها عند كل ملف قابل للإثارة والتأويل والتشويه.

وفي ضوء هذا الفهم، يمكن قراءة الهجوم الأخير على مستشفى الكفيل (انموذجا)، لا بوصفه واقعة إعلامية عابرة، بل بوصفه حلقة جديدة ضمن سلسلة استهداف ممنهج لمؤسسات المرجعية الدينية وامتداداتها الخدمية والاجتماعية؛ فالهدف، في مثل هذه الحملات، لا يقف عند حدود نقد مؤسسة صحية أو مساءلة إدارية، بل يتعدى ذلك إلى محاولة إسقاط الرمزية العامة للمرجعية، وتوهين أدواتها العاملة في خدمة الناس، وخلق انطباع جماهيري مشوش بأن كل ما يرتبط بها هو قابل للتشكيك والتسقيط والاتهام؛ وهنا تكمن الخطورة الاستراتيجية، لأن الاستهداف لا يكون للمؤسسة بوصفها مؤسسة فحسب، بل لما تمثله من ثقة اجتماعية، ومرجعية أخلاقية، وامتداد خدمي داخل المجتمع.

إن استمرار الصمت القيادي أمام مثل هذه الممارسات ينتج آثارًا أعمق من الواقعة نفسها، فمن الناحية السلوكية، يقرأ الفاعل المسيء هذا الصمت بوصفه سماحًا ضمنيًا بالاستمرار، أو ضعفًا في القدرة على الرد، أو رغبة دائمة في تجاوز الإساءة دون محاسبة؛ وبذلك ينتقل من مستوى التجربة إلى مستوى الاحتراف والممارسة، لأنه يكتشف أن التشويه يحقق له حضورًا سياسيًا وإعلاميًا، ويجعله رقمًا في معادلة الصراع، ويمنحه قدرة على فرض نفسه من خلال الخصومة لا من خلال القيمة الحقيقية.

أما على مستوى الجمهور المؤمن، فإن غياب الردع القانوني يدفعه إلى حالة استنزاف مستمر، فهو يجد نفسه، في كل مرة، مضطرًا إلى الدفاع والرد والتوضيح ومواجهة الأكاذيب، عبر معارك اعلامية وكلامية طاحنة، ونقاشات جدلية يمتزج فيها التاريخ بالمنطق بالقانون بالشتائم بالتهديدات وبالاخلاق والقيم، وذلك كله بدل أن تنصرف طاقته إلى البناء الثقافي والاجتماعي والمؤسساتي. !

ومع تكرار هذه الحالة، تتولد خصومات داخل المجتمع، وتتسع مساحات الكراهية، وتظهر أشكال جديدة من القطيعة والتسوير الاجتماعي والاستقطاب المفاهيمي (وهو الأخطر)؛ وبمرور الوقت، لا يعود الصراع محصورًا بين حق وباطل أو صدق وتضليل، بل يتحول إلى انقسام اجتماعي ونفسي، تُستنزف فيه الفئة المؤمنة المخلصة، وتُدفع إلى مواقع دفاعية مرهقة.

وهذا الاستنزاف المتكرر يفضي، بطبيعته، إلى نتيجتين خطيرتين:

الأولى، هي تصاعد الاستقطاب العدائي، بحيث يصبح المجتمع أكثر قابلية للانقسام وأكثر استعدادًا للتخندق والانفعال.

والثانية، هي شعور قطاعات من الجمهور المؤمن بالفتور والجزع والوهن، نتيجة إحساسها بأن القادة لا يتفاعلون مع جمهورهم، ولا يضعون حدًا لمن يستهدفهم ويستهدف رموزهم ومؤسساتهم؛ وفي الحالتين، ستكون النتيجة على الامد البعيد هي واحدة:

ضعف الثقة، واتساع الإحساس بالخذلان، وتراجع المبادرة المعنوية لدى الجمهور المدافع.

إن من أخطر التداعيات الاستراتيجية لهذا المسار أنه يسمح بولادة رموز وأقطاب فاسدة تعيش على التسقيط؛ فكلما وجد المسيء أن الكذب والتضليل وإثارة الضجيج تمنحه شهرة وحضورًا وتأثيرًا، ازداد إصرارًا على تكرار الفعل؛ ومع الوقت، يتحول التسقيط إلى مهنة، والافتراء إلى وسيلة صعود، واستهداف المؤسسات الدينية والاجتماعية إلى بوابة نفوذ سياسي وإعلامي؛ وهذا يعني أن المجتمع لا يواجه إساءة منفردة، بل يواجه صناعة كاملة للرموز الساقطة، تتغذى على غياب القانون، وتكبر في ظل التردد عن تفعيل القضاء.

إن الخطر الأوسع يتمثل في أن هذه السلوكيات لا تكتفي بإرباك المؤمنين أو تشويه المؤسسات، بل تعمل على تكوين مزاج شعبي واسع قابل للانقياد وراء التضليل المبرمج وحين يتسع جمهور الانفعال، وتضعف قيمة التحقق، وتتراجع الأخلاق العامة في الحكم على الأشخاص والمؤسسات، يصبح الشارع مهيأً لتقبل أشكال قاسية من الاستبداد والدكتاتورية، لأن الجمهور الذي يعتاد الكذب والتسقيط والانفعال يمكن دفعه بسهولة إلى تأييد القوة الغاشمة متى ما قُدمت له بلباس إنقاذي أو شعاراتي أو انتقامي.

وعليه، فإن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في وجود حملات تسقيط، بل في غياب النية لتفعيل منظومة ردع قانونية تضع حدًا لها؛ فالافراط في منهج الصفح، والصمت المتكرر، والاكتفاء بالردود الأخلاقية، كلها قد تبدو في ظاهرها تعبيرًا عن ترفع أو حلم، لكنها في الحساب السلوكي والسياسي، وآليات تكوين الفعل الاجتماعي، قد تتحول إلى عامل تشجيع غير مباشر، يقود لانحرافات كبيرة، وتكسرات عميقة في المجتمع.

لذلك فإن المطلوب ليس ردًا انفعاليًا ولا خصومة عبثية، بل تفعيل القانون والقضاء بوصفهما الطريق الأصولي العادل لحماية الحقوق، وردع المفتري، ومنع تحويل الكذب إلى أداة نفوذ.

إن حماية المرجعية الدينية ومؤسساتها الخدمية لا تكون بالشعارات وحدها، ولا بمجرد الدفاع العاطفي عنها، بل بإحالة الاعتداءات المنظمة إلى مسار قانوني واضح، يميز بين النقد المشروع والتسقيط المتعمد، وبين الملاحظة الإصلاحية والتضليل التخريبي، وبين حرية التعبير وصناعة الأكاذيب بقصد الإضرار بالمجتمع ومؤسساته فالقانون هنا لا يكون أداة انتقام، بل وسيلة ضبط وحماية وتوازن، تحفظ للناس حقهم في النقد، وتحفظ للمؤسسات حقها في عدم الافتراء عليها.

لقد آن الأوان، ومن باب النصح والمسؤولية، أن يعتمد قادة المجتمع الشيعي مبدأ الردع القانوني والقضائي تجاه هذه المشاريع التخريبية، التي لا تستهدف شخصًا أو مؤسسة بعينها فحسب، بل تستهدف محاصرة الدين وأهله، قيادةً وجمهورًا، وإضعاف الثقة بالمؤسسات التي نشأت لخدمة الناس، والتأسيس لوضع اجتماعي واخلاقي وسياسي مستقبلي منحرف، منحرف بطريقة يصعب علاجها او احتوائها.

إن ترك هذا السلوك بلا حساب سيجعله يتمدد، أما إخضاعه للقانون فسيعيد ضبط المجال العام، ويمنع الساقطين من تحويل الفوضى إلى سلطة، والتضليل إلى نفوذ، والتسقيط إلى مشروع اجتماعي وسياسي.

واخيرا، يمكننا اختصار ما سبق بالقول: إن غياب الردع القانوني يحوّل الإساءة والتضليل إلى سلوك متكرر ومربح، ويستنزف الجمهور المؤمن، ويضعف الثقة بالقيادة والمؤسسات؛ أما تفعيل القضاء، بعدل ووضوح، فهو الطريق الأنجع لوقف هذا المسار وحماية المجتمع من تمدد الفوضى والانفعال والتسقيط المنظم.