المناسك في روايات أهل البيت (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد) (ح 24)

د. فاضل حسن شريف

جاء في موقع معارف الحج عن الإمام علي عليه السلام: أحمد بن محمد، عن الحسن بن عليّ، عن ربعي بن عبد الله قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان عليّ صلوات الله عليه لينقطع ركابه في طريق مكّة فيشدّه بخوصة ليهوّن الحجّ على نفسه. عن علي عليه السلام: إنَّ أبا جهل قال يوماً: أنا أقتل محمّداً، ولو شاءت بنو عبد المطّلب قتلوني به، قالوا: إنّك إن فعلت ذلك اصطنعت إلى أهل الوادي معروفاً لا تزال تذكر به. قال: إنّه لكثير السجود حول الكعبة، فإذا جاء وسجد أخذت حجراً فشدخته به. فجاء النبيّ صلى الله عليه واله، وطاف بالبيت سبعاً، ثمّ صلّى فأطال في صلاته، وسجد، وأطال في سجوده، فأخذ أبو جهل حجراً وأتاه من قبل رأسه، فلمّا أن قرب منه، أقبل عليه فحل من قبل رسول الله صلى الله عليه واله فاغراً فاه، فلمّا رآه أبو جهل فزع وارتعدت يده، وطرح الحجر فشدخ رجله، فرجع مدمياً، متغيراً لونه، يفيض عرقاً، فقال أصحابه: ما رأيناك اليوم. قال: ويحكم اعذروني فإنّه أقبل من عنده فحل فاغر فاه يكاد يبتلعني، فرميت الحجر، فشدخت رجلي.

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله سبحانه “جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (المائدة 97) لما ذكر سبحانه حرمة الحرم، عقبه بذكر البيت الحرام، والشهر الحرام، فقال: “جعل الله الكعبة البيت الحرام” (المائدة 97) أي: جعل الله حج الكعبة، أو نصب الكعبة “قياما للناس” أي: لمعائش الناس ومكاسبهم، لأنه مصدر قاموا، كأن المعنى قاموا بنصبه ذلك لهم، فاستتبت معائشهم بذلك، واستقامت أحوالهم به، لما يحصل لهم في زيارتها من التجارة، وأنواع البركة، ولهذا قال سعيد بن جبير: ” من أتى هذا البيت يريد شيئا للدنيا والآخرة، أصابه ” وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. وقال ابن عباس: ” معناه جعل الله الكعبة أمنا للناس بها يقومون أي يأمنون ولولاها لفنوا وهلكوا، وما قاموا، وكان أهل الجاهلية يأمنون به، فلو لقي الرجل قاتل أبيه وابنه في الحرم ما قتله “. وقيل إن معنى قوله “قياما للناس” (المائدة 97) أنه لو تركوه عاما واحدا لا يحجونه ما نوظروا أن يهلكوا، عن عطاء، ورواه علي بن إبراهيم عنهم عليه السلام قال: ” ما دامت الكعبة يحج الناس إليها لم يهلكوا، فإذا هدمت وتركوا الحج هلكوا ” “والشهر الحرام” يعني الأشهر الحرم الأربعة واحد فرد، وثلاثة سرد أي: متتابعة، فالفرد رجب، والسرد ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وإنما خرج مخرج الواحد، لأنه ذهب به مذهب الجنس، وهو عطف على المفعول الأول لجعل كما يقال ظننت زيدا منطلقا وعمرا. “والهدي والقلائد” (المائدة 97) مر ذكرهما في أول السورة، وإنما ذكر هذه الجملة بعد ذكر البيت، لأنها من أسباب حج البيت، فدخلت في جملته، فذكرت معه، وكان أهل الجاهلية لا يغزون في أشهر الحرم، وكانوا ينصلون فيها الأسنة، ويتفرغ الناس فيها إلى معائشهم، وكان الرجل يقلد بعيره أو نفسه قلادة من لحاء شجر الحرم، فلا يخاف، وكانوا قد توارثوه من دين إسماعيل عليه السلام، فبقوا عليه رحمة من الله لخلقه، إلى أن قام الاسلام، فحجزهم عن البغي والظلم. وقال أبو بكر الأنباري: فقد حصل في الآية طريقان أحدهما: إن الله تعالى من على المسلمين بأن جعل الكعبة صلاحا لدينهم ودنياهم، وقياما لهم. والثاني: إنه أخبر عما فعله من أمر الكعبة في الجاهلية “ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وان الله بكل شيء عليم” قد اعترض على هذا فقيل: أي تعلق لهذا بقوله “جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس” (المائدة 97)؟ والجواب عنه من وجوه أحدها: إن فيما جعله الله تعالى في البلد الحرام، والشهر الحرام، من الآيات والأعاجيب، دلالة على أنه تعالى لا يخفى عليه شيء، وذلك أنه جعل الحرم أمنا يسكن فيه كل شيء، فالظبي يأنس فيه بالسبع والذئب ما دام في الحرم، فإذا خرج من الحرم خاف، وطلبه السبع، وهرب منه الظبي حتى يرجع إلى الحرم، فإذا رجع إليه كف السبع عنه، وكذلك الطير والحمام يأنس بالإنسان، فإذا خرج من الحرم، خافه مع أمور كثيرة، وعجائب شهيرة ذكرنا بعضها في أول سورة آل عمران عند قوله “فيه آيات بينات”، فيكون ما دبره الله من ذلك دالا على أنه عالم بمصالح الخلق، وبكل شيء. وثانيها: إنه تعالى علم أن العرب يكونون أصحاب عداوات وطوائل، وأنهم يكونون حوالي الكعبة، فلما خلق السماوات والأرض، جعل الكعبة موضع أمن، وعظم حرمتها في القلوب، وبقيت تلك الحرمة إلى يومنا هذا، فلولا كونه سبحانه عالما بالأشياء قبل كونها، لما كان هذا التدبير وفقا للصلاح وثالثها: إنه تعالى لما أخبر في هذه السورة بقصة موسى وعيسى عليهما السلام، والتوراة والإنجيل، وما فيهما من الأحكام والأخبار، وذلك كله مما لم يشاهده نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أحد في عصره،

من دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة: إِلهي أَمَرْتَني فَعَصَيْتُكَ، وَنَهَيْتَني فَارْتَكَبْتُ نَهْيَكَ، فَأَصْبَحْتُ لا ذا بَراءَة لي فَاَعْتَذِرُ، وَلا ذا قُوَّة فَأَنْتَصِرُ، فَبِأَيِّ شَيءٍ أَسْتَقْبِلُكَ يا مَوْلايَ، أَبِسَمْعي، أَمْ بِبَصَري، أَمْ بِلِساني، أَمْ بِرِجْلي؟ أَلَيْسَ كُلُّها نِعَمَكَ عِندي، وَبِكُلِّها عَصَيْتُكَ! يا مَوْلاي، فَلَكَ الْحُجَّةُ وَالسَّبيلُ عَليَّ. يا مَنْ سَتَرَني مِنَ الآباءِ وَالأُمَّهاتِ أَنْ يَزجُرُوني، وَمِنَ الْعَشائِرِ وَالإِخْوانِ أَنْ يُعَيِّرُوني، وَمِنَ السَّلاطينِ أَنْ يُعاقِبُوني، وَلَوِ اطَّلَعُوا يا مَوْلايَ عَلى مَا اطَّلَعْتَ عَلَيْهِ مِنّي إِذاً ما أَنْظَرُوني، وَلَرَفَضُوني وَقَطَعُوني، فَها أَنَا ذا يا إِلهي بَيْنَ يَدَيْكَ يا سَيِّدي، خاضِعاً ذَليلاً حقيراً، لا ذُو بَراءَة فَأَعْتَذِرَ، وَلا ذُو قُوَّة فَأَنْتَصِرَُ، وَلا حُجَّة فَأَحْتَجُّ بِها، وَلا قائِلٌ لَمْ أَجْتَرِحْ، وَلَمْ أَعْمَلْ سُوءاً، وَما عَسَى الْجُحُودُ وَلَوْ جَحَدْتُ يا مَوْلايََ يَنْفَعُني، كَيْفَ وَأَنّى ذلِكَ وَجَوارِحي كُلُّها شاهِدَةٌ عَلَيَّ بِما قَدْ عَمِلْتُ، وَعَلِمْتُ يَقيناً غَيْرَ ذي شَكٍّ أَنَّكَ سائِلي عِنْ عَظائِمِ الأُمُورِ، وَأَنَّكَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذي لا يَجُورُ، وَعَدْلُكَ مُهْلِكي، وَمِنْ كُلِّ عَدْلِكَ مَهْرَبي، فَإِنْ تُعَذِّبْني يا إِلهي فَبِذُنُوبي بَعْدَ حُجَّتِكَ عَلَيَّ، وَإِنْ تَعْفُ عَنّي فَبِحِلْمِكَ وَجُودِكَ وَكَرَمِكَ.

عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله سبحانه “جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (المائدة 97) “جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ والشَّهْرَ الْحَرامَ والْهَدْيَ والْقَلائِدَ” (المائدة 97). قياما للناس، أي محلا للعبادة ومناسك الحج، والشهر الحرام جنس يشمل الأشهر الأربعة، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وقد حرم سبحانه القتال فيها وفي حرمه إلا دفاعا عن النفس أو المال، قال تعالى: “ولا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ” (البقرة 190). وقال: “الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ والْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ” (البقرة 193). والهدي ما يهدى إلى الكعبة من الأنعام، والقلائد الهدي الذي وضعت في عنقه علامة تدل على انه للكعبة، كي لا يتعرض أحد له. وعلى هذا يكون عطف القلائد على الهدي من باب عطف الخاص على العام، والقصد من ذكر الهدي مع البيت الحرام والأشهر الحرم ان الهدي يجب أن يكون آمنا هو ومن يسوقه، لأنه قاصد الحرم الشريف، بل ان اللَّه سبحانه قد أمّن الطيور والحيوانات، حرمة ما دامت في حرمه إلا الحدأة – نوع من الطير – والغراب والفأر والعقرب والكلب العقور.. وكل مؤذ في رأينا.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله سبحانه “جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (المائدة 97) بعد الكلام في الآيات السابقة على تحريم الصيد في حال الإحرام، يشير القرآن الكريم في هذه الآية إلى أهمية (مكّة) وأثرها في بناء حياة المسلمين الاجتماعية، فيقول أوّلا: “جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ” (المائدة 97). فهذا البيت المقدس رمز وحدة الناس ومركز لتجمع القلوب حوله، ومؤتمر عظيم لتوثيق الرّوابط المختلفة، فهم في ظل هذا البيت المقدس وفي مركزيته ومعنويته المستمدة من جذور تاريخية عميقة يستطيعون إصلاح الكثير ممّا يستوجب الإصلاح والترميم في حياتهم، وإقامة سعادتهم على قواعده المتينة، لذلك فقد وصف هذا البيت في سورة آل عمران (الآية 96): “إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ” (آل عمران 97). في الحقيقة إنّ المسلمين يستطيعون ـ انطلاقا من المفهوم الواسع لقوله: “قِياماً لِلنَّاسِ” ـ أن يصلحوا كل أمورهم بالركون إلى هذا البيت وفي إطار تعاليم الحج البناءة. ولما كانت هذه المناسك يجب أنّ تجري في جو آمن وخال من الحروب والمنازعات والمخاصمات، فقد أشارت الآية إلى أثر الأشهر الحرم (وهي الأشهر التي تمنع فيها الحرب مطلقا) وقالت: “وَالشَّهْرَ الْحَرامَ” (المائدة 97) كما أشارت إلى الأضاحي الفاقدة للعلامة (الهدي) والأضاحي ذات العلامة (القلائد) التي منها يطعم الناس في موسم الحج، وتؤمن جانبا من احتياجات الحاج للقيام بمناسكه، فقالت: “وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ” (المائدة 97). ولمّا كان مجموع هذه الأحكام والقوانين والتشريعات بشأن الصيد، وكذلك بشأن حرم مكّة والشهر الحرام وغير ذلك، يحكي عمق تدبير الشارع وسعة علمه. وقال الشيعة الإمامية وأبو حنيفة: لا تنعقد اليمين بالمصحف والنبي والكعبة، وما إليها، لحديث: ( من كان منكم حالفا فليحلف باللَّه أو ليذر ). وقال الشافعي ومالك وابن حنبل: تنعقد بالمصحف. وتفرّد ابن حنبل بأنها تنعقد بالنبي أيضا.