د. فاضل حسن شريف
ويستمر العلامة الطباطبائي في سرد شرح الآية (المائدة 3) قائلا: ثم ما المراد بهذا اليوم الواقع في قوله تعالى: “الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ” (المائدة 3)؟ فهل المراد به زمان ظهور الإسلام ببعثة النبي صلى الله عليه وآله ودعوته فيكون المراد أن الله أنزل إليكم الإسلام، وأكمل لكم الدين وأتم عليكم النعمة وأيأس منكم الكفار؟ لا سبيل إلى ذلك لأن ظاهر السياق أنه كان لهم دين كان الكفار يطمعون في إبطاله أو تغييره، وكان المسلمون يخشونهم على دينهم فأيأس الله الكافرين مما طمعوا فيه وآمن المسلمين وأنه كان ناقصا فأكمله الله وأتم نعمته عليهم ولم يكن لهم قبل الإسلام دين حتى يطمع فيه الكفار أو يكمله الله ويتم نعمته عليهم. على أن لازم ما ذكر من المعنى أن يتقدم قوله: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ” (المائدة 3)، على قوله: “الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا” (المائدة 3)، حتى يستقيم الكلام في نظمه. أو أن المراد باليوم هو ما بعد فتح مكة حيث أبطل الله فيه كيد مشركي قريش وأذهب شوكتهم، وهدم فيه بنيان دينهم، وكسر أصنامهم فانقطع رجاؤهم أن يقوموا على ساق، ويضادوا الإسلام ويمانعوا نفوذ أمره وانتشار صيته. لا سبيل إلى ذلك أيضا فإن الآية تدل على إكمال الدين وإتمام النعمة ولما يكمل الدين بفتح مكة وكان في السنة الثامنة من الهجرة فكم من فريضة نزلت بعد ذلك، وكم من حلال أو حرام شرع فيما بينه وبين رحلة النبي صلى الله عليه وآله. على أن قوله: “الَّذِينَ كَفَرُوا” (المائدة 3) يعم جميع مشركي العرب ولم يكونوا جميعا آيسين من دين المسلمين، ومن الدليل عليه أن كثيرا من المعارضات والمواثيق على عدم التعرض كانت باقية بعد على اعتبارها واحترامها، وكانوا يحجون حجة الجاهلية على سنن المشركين، وكانت النساء يحججن عاريات مكشوفات العورة حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام بآيات البراءة فأبطل بقايا رسوم الجاهلية. أو أن المراد باليوم ما بعد نزول البراءة من الزمان حيث انبسط الإسلام على جزيرة العرب تقريبا، وعفت آثار الشرك، وماتت سنن الجاهلية فما كان المسلمون يرون في معاهد الدين ومناسك الحج أحدا من المشركين، وصفا لهم الأمر، وأبدلهم الله بعد خوفهم أمنا يعبدونه ولا يشركون به شيئا. لا سبيل إلى ذلك فإن مشركي العرب وإن أيسوا من دين المسلمين بعد نزول آيات البراءة وطي بساط الشرك من الجزيرة وإعفاء رسوم الجاهلية إلا أن الدين لم يكمل بعد وقد نزلت فرائض وأحكام بعد ذلك ومنها ما في هذه السورة: (سورة المائدة)، وقد اتفقوا على نزولها في آخر عهد النبي صلى الله عليه وآله، وفيها شيء كثير من أحكام الحلال والحرام والحدود والقصاص. فتحصل أنه لا سبيل إلى احتمال أن يكون المراد باليوم في الآية معناه الوسيع مما يناسب مفاد الآية بحسب بادئ النظر كزمان ظهور الدعوة الإسلامية أو ما بعد فتح مكة من الزمان، أو ما بعد نزول آيات البراءة فلا سبيل إلا أن يقال: إن المراد باليوم يوم نزول الآية نفسها، وهو يوم نزول السورة إن كان قوله: “الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا” (المائدة 3)، معترضا مرتبطا بحسب المعنى بالآية المحيطة بها، أو بعد نزول سورة المائدة في أواخر عهد النبي صلى الله عليه وآله، وذلك لمكان قوله تعالى: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ” (المائدة 3).
وردت كلمة أتممت ومشتقاتها في القرآن الكريم: فَأَتَمَّهُنَّ، وَلِأُتِمَّ، أَتِمُّوا، وَأَتِمُّوا، يُتِمَّ، وَأَتْمَمْتُ، وَلِيُتِمَّ، وَتَمَّتْ، تَمَامًا، وَأَتْمَمْنَاهَا، فَتَمَّ، فَأَتِمُّوا، وَيُتِمُّ، أَتَمَّهَا، أَتْمَمْتَ، مُتِمُّ، أَتْمِمْ. جاء في معاني القرآن الكريم: تمم تمام الشيء: انتهاؤه إلى حد لا يحتاج إلى شيء خارج عنه، والناقص: ما يحتاج إلى شيء خارج عنه. ويقال ذلك للمعدود والممسوح، تقول: عدد تام وليل تام، قال: “وتمت كلمة ربك” (الانعام 115)،”والله متم نوره” (الصف 8)،”وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه﴾” (الاعراف 142). قوله تعالى “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا” (المائدة 3) وقدم التبريكات بذكرى تنصيب امير المؤمنين عليه السلام يامامة المسلمين وخليفة الله في يوم الغدير. وقال ان من الامور الفطرية ان لا تقبل الاشياء الا اذا كانت كاملة. وكل شئ في الوجود لا يمكن ان يسير صحيحا الا اذا اكتمل. فالسيارة اذا لم تكتمل لا يصلح ركوبها، وهكذا الطائرة لا تستطيع الاقلاع الا اذا دققت واصبحت كاملة مهيئة للاقلاع. وكذلك البيت لا تستلم مفتاحه الا اذا اكتمل واصبح صالحا للمعيشة. فالكمال هي فطرة انسانية. ودائما الانسان يسعى للكمال. وللكمال درجات، واكمل الانبياء هو النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم منذ آدم عليه السلام. وبالتالي الدين لا يمكن قبوله الا اذا كان كاملا. وداود عليه السلام صاحب الزبور وهو دعاء كامل، لذلك يطلق على الصحيفة السجادية زبور آل محمد لاحتوائه على ادعية متكاملة. ان داود عليه السلام لا يملك شريعة. بعض الاديان تحوي شرائع بسيطة فشرائع ابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام لهم شرائع غير كاملة. ولكن شريعة الاسلام شريعة كاملة تحوي تعاليم ونصائح وسلوك وسياسة وغير ذلك”الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3). بقية الشرائع ليست لها القدرة على استيعاب التغير الزماني عكس الشريعة الاسلامية فهي لها القدرة على تغيرات الزمن. لذلك عليك بطاعة الله سبحانه كاملا”أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ” (البقرة 85). الشريعة تنظر لكل صغيرة وكبيرة. فهل يعقل ان الامامة لم تدخل بالشريعة؟ فالشريعة تدخل بكل التفاصيل حتى الصغيرة منها. الدين بدون قيادة ليس بدين كامل. كل احد من المسلمين يعرف الصلاة والصوم والزكاة، فكلمة اكملت في الاية الكريمة تعني اكمال منظومة الاسلام، فالاسلام نظام هداية، ولا تتم الهداية الا بالامامة “وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا” (الانبياء 73). فالامام له اهمية في الدين لا يعين الا من قبل الله وليس شورى الناس. فناس قريش لم يقبلوا بالرسول محمد صلى الله عليه واله وسلم لانه بنظرهم فقير ليس غني عظيم”وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ” (الزخرف 31). وقد مثلت الامامة مثل خيط المسبحة. وخرزات المسبحة تمثل الصلاة والصوم والعبادات المختلفة الاخرى، واذا انقطع الخيط وهو الامامة ضاعت العبادات. فالامامة قوام الدين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). فاذا كان معاوية شارب الخمر وقاتل النفس المحترمة هو امام المسلمين والذي يموت ولم يعرف انه معاوية امام المسلمين فهل يموت ميتة جاهلية؟ ام علي عليه السلام كما جاء في الحديث الشريف (عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ) والذي نزلت فيه الاية المباركة “إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا” (الاحزاب 33). فعلينا اتباع شريعة الله تعالى ورسوله الكريم. نحن مسؤولون امام الله حول معرفة من هو الامام المنصوب من قبل الله ورسوله الكريم صلى الله عليه واله وسلم.
جاء في كتاب مصباح المنهاج للسيد محمد سعيد الحكيم قدس سره: في ولاية الحاكم: أن الولاية تارة: تكون بمعنى الأولوية المطلقة الثابتة للنبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام التي هي بمعنى ولايتهم على جميع التصرفات حتى ما يتعلق بما له ولي، وهي المستفادة من مثل قوله تعالى: “النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ” (الاحزاب 6)، وقوله صلى الله عليه وآله في حديث الغدير: (إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعلي مولاه) وأخرى: تكون بمعنى السلطنة على تولي ما لا ولي له من الأمور العامة التي يحتاج فيها إلى ولي، فيتوقف القيام بها على الرجوع له، ولعله المراد بما في المرسل: (السلطان ولي من لا ولي له). أما المعنى الأول فقد يستدل على ثبوته للفقيه بما ورد في شأن العلماء، مثل ما رواه الصدوق في كتاب ثواب الأعمال بسنده الصحيح عن الصادق عليه السلام عن آبائه: عن النبي صلى الله عليه وآله في حديثه في فضل طلب العلم قال: (وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منهم أخذ بحظ وافر). وحكي روايته عن الأمالي، وبصائر الدرجات، والاختصاص بطرق مختلفة مع تفاوت في المتن يسير. والمرسل: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)، وقريب منه غيره. وجاء في موقع الحكيم عن السنة والشيعة للسيد محمد سعيد الحكيم: السؤال: علمائنا الأفاضل، أتقدم لسماحتكم بعد أن ملأت الحيرة قلبي، سؤالي بسيط، لكني أعلم أنه متشعِّب: ما الفرق بين السُّنة والشيعة ؟ ولماذا اختلفوا ؟ وما وجه الاختلاف في العقائد والعبادات ؟ حفظكم الله، وجعلكم ذخراً للأمة وسنداً لها. الجواب: الشيعة هم أتباع الإمام علي عليه السلام وآل البيت عليهم السلام من بعده، والذين يرونهم أحقّ بالخلافة، ويدينون بولايتهم، اعتماداً على مجموعة من الآيات الكريمة مثل آية التطهير: “إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً” (الاحزاب 33)، ومجموعة من النصوص النبوية، مثل حديث الغدير، حيث أن النبي صلى الله عليه وآله قال في حق الإمام علي عليه السلام: (مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللَّهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه)، في قضية مفصَّلة، حتى أن حسَّان بن ثابت قال أبياتاً منها: فقالَ له قُم يا عليّ فإنني رضيتُك من بعدي إماماً وهادياً فمن كنتُ مولاهُ فهذا وليُّهُ فكونوا له أنصار صِدقِ موالياً. وكذلك حديث الثقلين: (إني تارك فيكم خَليفتين، كتابَ الله وأهلَ بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عَليَّ الحوض) كما جاء في مسند أحمد 5/182، وحديث السفينة، وهو قوله صلى الله عليه وآله: (مَثَل أهل بيتي فيكمَ مثل سفينة نوح، من ركبها نَجا، ومن تخلَّف عنها هَلَك) كما جاء في المستدرك على الصحيحين، و: ميزان الاعتدال، وغيرهما. وحديث الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، فقد روى البخاري عن جابر بن سمرة، أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يكون بعدي اثنا عشر أميراً)، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كلُّهم من قريش) كما جاء في البخاري، كتاب الأحكام، و: مسلم 4/482. وهناك مجموعة أخرى من الآيات الكريمة والنصوص، والأدلة الأخرى التي يستشهد بها شيعة آل البيت عليهم السلام. أما السنّة فهم أتباع مدرسة الخلفاء، وقد يطلق عليهم أبناء السنة والجماعة، أما لفظة الجماعة فقد أُطلقت عليهم بعد سيطرة معاوية بن أبي سفيان على مقاليد الحكم، بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام، وصُلحه مع الإمام الحسن السبط عليه السلام، حيث اجتمعوا على أمارة معاوية، فسمّي ذاك العام بعام الجماعة. وأما لفظة السُّنَّة فقد جاءت في أعقاب الخلاف، في مسألة خلق القرآن في أيام العباسيين، حيث أطلقه أنصار أبي الحسن الأشعري على أنفسهم، ثم غلب على كل أتباع مدرسة الخلفاء. ويتفق الشيعة والسنّة بشكل عام في أصول الإسلام: التوحيد والنبوة والمَعاد، ويختلفون في موضوع الإمامة وتحديد الأئمة، أما من الناحية الفقهية فليس هناك خلاف جوهري، بل قد تتفق اجتهادات الفقهاء من الطرفين وقد تختلف، كما قد تختلف اجتهادات فقهاء المذاهب الأربعة، بل اجتهادات فقهاء المذهب الواحد كما جاء في الفقه على المذاهب الخمسة.
نقرأ في فرائد السمطين في الباب 58 أن عليا عليه السّلام استشهد بحديث الغدير أمام جمع من الناس في المسجد على عهد عثمان، و في الكوفة أيضا استند إلى هذا الحديث لتفنيد رأي الذين أنكروا خلافته بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مباشرة. يقول صاحب كتاب الغدير: إنّ أربعة من الصحابة و أربعة عشر من التابعين قد رووا هذا الحديث حسب ما نقلته مصادر أهل السنة المعروفة. أنّ عمرو بن العاص في رسالة له إلى معاوية أراد أن يثبت لمعاوية فيها أنّه على علم تام بالحقائق الخاصّة بمكانة كل من علي عليه السّلام و معاوية بالنسبة للخلافة، فاستشهد صراحة بحديث الغدير، و قد نقله الخطيب الخوارزمي الحنفي في كتابه المناقب صفحة 124. روي أنّ رجلا خرج يوم صفين عن عسكر الشام و عليه سلاح و فوقه مصحف و هو يقرأ: “عَمَّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ” (النبأ 1-2) فخرج له علي عليه السّلام، فقال له: (أتعرف النبأ العظيم الذي هم فيه يختلفون)؟ قال: لا. فقال له عليه السّلام: (أنا و اللّه النبأ العظيم الذي فيه اختلفتم و على ولايته تنازعتم، و عن ولايتي رجعتم بعد ما قبلتم، و ببغيكم هلكتم بعد ما بسيفي نجوتم، و يوم الغدير قد علمتم، و يوم القيامة تعلمون ما علمتم).
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: أمّا الشبهات التي أوردها القسم الثّاني من العلماء، فمنها ما يجدر بالبحث، و سوف نتناولها فيما يلي: 1- هل معنى المولى هو الأولى بالتصرف؟ إنّ أهم اعتراض يورد على حادثة الغدير هو أنّ من معاني مولى الصديق و النصير و المحب، و من الممكن أن تكون الكلمة هنا بهذا المعنى أيضا. ليس رد هذا الاعتراض بصعب، لأنّ كل ناظر منصف يدرك أن تذكير الناس بمحبّة علي عليه السّلام لا يقتضي كل تلك المقدمات، لا إلقاء خطبة في تلك الصحراء القاحلة و تحت ذلك الحر المحرق، و إيقاف تلك الجموع و انتزاع الاعترافات المتوالية منهم. إنّ حب المسلم لأخيه المسلم من المفاهيم الإسلامية الواضحة التي تقررت منذ بداية الدعوة. ثمّ إنّ هذا الأمر لم يكن من الأمور التي لم يبلغها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى ذلك الوقت، بل ثبّته و أعلنه مرارا. كما إنّه لم يكن من الأمور التي تثير قلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تخوفه حتى يطمئنه اللّه تعالى بشأنه. و لا كان أمرا على هذا القدر من الأهمية بحيث تتخذ الآية هذا الأسلوب الشديد في مخاطبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: “وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ” (المائدة 67). كل هذه تدل على أنّ الأمر كان أكثر من مجرّد محبّة عادية تلك المحبّة التي كانت من أوليات الأخوة الإسلامية منذ بزوغ فجر الدعوة الإسلامية. ثمّ، إذا كان القصد هو تبيان مثل هذه المحبة العادية، فلما ذا يعمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى استخلاص الاعترافات من الحاضرين قبل بيان قصده، فيسألهم: (أ لست أولى بكم من أنفسكم)؟ وردت هذه العبارة في روايات كثيرة. أ يتناسب هذا مع بيان محبّة عادية؟ ثمّ إنّ المحبّة العادية لا تستدعي من الناس، و حتى من عمر نفسه، أن يهنئ عليا عليه السّلام بقوله: (أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة). هذا القسم من الحديث يعرف بحديث (التهنئة) و قد أورده كثير من كبار علماء الحديث و التّفسير و التّأريخ من أهل السنة، عن طريق عدد من الصحابة، مثل: ابن عباس، و أبي هريرة، و البراء بن عازب، و زيد بن أرقم. و قد نقل العلّامة الأميني رحمه اللّه هذا الحديث في المجلد الأوّل من كتابه الغدير عن ستين عالما من علماء أهل السنة. حبّ المسلم واجب، و عليّ كسائر المسلمين، و يجب حبّه، و ليس في ذلك شيء جديد يستوجب التهنئة في ذلك اليوم و في آخر سنة من حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. ثمّ إنّ هناك ارتباطا بين حديث (الثقلين) و عبارات وداع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و موالاة علي عليه السّلام، و إلّا فإنّ حبّ علي عليه السّلام حبّا عاديا لا يستدعي أن يجعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في مصافّ القرآن أ فلا يرى المنصف المحايد في التعبير الوارد في حديث الثقلين أنّ المسألة تتعلق بالقيادة، لأنّ القرآن هو القائد الأوّل للمسلمين بعد رحيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أهل البيت عليهم السّلام هو القائد الثّاني؟ (حديث الثقلين) من الأحاديث المتواترة التي وردت في كتب أهل السنة عن جمع من الصحابة، منهم: أبو سعيد الخدري، و زيد بن أرقم، و زيد بن ثابت، و أبو هريرة، و حذيفة بن أسيد، و جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و عبد اللّه بن حنطب، و عبد بن حميد، و جبير بن مطعم و ضمرة الأسلمي، و أبو ذر الغفاري، و أبو رافع، و أم سلمة، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.