بقلم: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن
التاريخ: الأحد، 7 يونيو 2026م
ما إن يلوح هلال محرم في الأفق، حتى تشعر القلوب بنبضةٍ غائرةٍ تفتح أبواب الذكرى وتستدعي من أعماق التاريخ صدى واقعةٍ لم تكن مجرد حادثةٍ زمنيةٍ بل كانت زلزالاً أخلاقياً وروحياً غيّر مجرى الضمير الإنساني
إن استقبال شهر محرم ليس مجرد طقسٍ عابرٍ يرتبط بتبديل ألوان اللباس أو إقامة المجالس، بل هو عملية (استحضار) للوعي، وتوطين للنفس على قيمٍ تجذرت في دماء الشهادة، لتصبح معالم طريقٍ لكل من يبحث عن الحق في زمنٍ تتلاطم فيه أمواج الباطل.
إن الحزن في محرم ليس انكساراً أو ضعفاً، بل هو طاقةٌ إيجابيةٌ متوقدة؛ فهو حزنٌ واعٍ يرفض الركون إلى الذل، ويستنطق القيم التي ضحّى من أجلها الحسين عليه السلام وأهل بيته وصحبه.
حين نستقبل هذا الشهر، نحن في الحقيقة نستقبل (مدرسة) تفتح أبوابها سنوياً لتعيد صياغة الإنسان من جديد. الحزن هنا هو الوقود الذي يذيب نيران القلوب، ويجعل الإنسان أكثر قدرةً على استيعاب المظالم، وأكثر رغبةً في نصرة المظلومين، وأشد حذراً من الانزلاق في مستنقعات الغفلة التي قد تجعل المرء في معسكرٍ لا يرضاه لنفسه لو أبصر الحقيقة.
وعلى صعيد الدور المنوط بالمكلف في هذا الشهر، فإن المسؤولية تتجاوز حدود الحضور العاطفي أو التأثر العابر. إن المكلف في محرم مدعوٌّ لأن يكون (مشروعاً متجسداً) للقيم الحسينية.
الدور يبدأ من (الاستعداد النفسي) أي تطهير الذات من أدران الأنانية والتعصب، والتحلي بروحية التواضع التي نجدها في أخلاق أصحاب الحسين عليه السلام . المكلف الحقيقي هو الذي ينظر إلى محرم بوصفه محطةً لتقييم المسار الشخصي؛ هل أنا في خط الإصلاح؟ هل كلماتي وأفعالي تعكس وفائي لهذه الذكرى؟
إن الامتداد العملي لهذا الحزن يظهر في السلوك اليومي للمكلف، من خلال تعزيز روح الأخوة، وإغاثة المحتاج، والالتزام بالحق، والوقوف في وجه الظلم أياً كان مصدره. فالمكلف الذي يذرف الدمع في المجالس، مطالبٌ بأن يترجم هذا الدمع إلى مواقف صلبة في حياته الاجتماعية والمهنية. إن إحياء الشهر يتطلب أن نكون دعاةً للصدق والنزاهة، وأن نبتعد عن كل ما يسيء لجوهر هذه النهضة، فالارتباط بالحسين عليه السلام ليس ادعاءً باللسان، بل هو ترقيةٌ في السلوك، وانضباطٌ في الأخلاق، وبحثٌ دائمٌ عن الحقيقة، حتى وإن كانت مُرةً أو مكلفةً.
ختاماً، إن شهر محرم هو مرآةٌ يرى فيها المكلف نفسه على حقيقتها، فهو يواجه عبره تساؤلات الوجود: من أين أتى؟
وإلى أين يمضي؟
وما هو موقفه في صراع الحق والباطل؟
إن استقبالنا لهذا الشهر ينبغي أن يكون استقبالاً لوعيٍ جديدٍ، لا يعترف بالرتابة، بل يسعى دوماً للارتقاء. إننا لا نحيي ذكرى الحزن لنبقى أسرى الماضي، بل لنستلهم من ذلك الماضي نوراً يضيء دروبنا المستقبلية، فنخرج من هذا الشهر بقلبٍ أكثر نقاءً، وعقلٍ أكثر نضجاً، وإرادةٍ لا تعرف التردد في قول الحق أو نصرته. فليكن هذا المحرم رحلةً في أعماق الذات، نحو فهمٍ أعمق وأشمل لمعنى أن تكون إنساناً حراً ومؤمناً ملتزماً في عالمٍ يتوق إلى الحرية الحقيقية.