د. فاضل حسن شريف
ورد ذكر هاتين المرحلتين مقترنتين في الآية الكريمة: “وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا” (ال عمران 46) ويشير هذا الاقتران في التفسير إلى الكمال الإلهي وعظمة المعجزة؛ إذ إن تحدث الإنسان في المهد وهو رضيع يُعد خرقاً لقوانين الطبيعة، وتحدثه في الكهل يدل على الحكمة، مما ينفي أي صفة ألوهية عنه ويؤكد بشريته.
قوله تعالى “وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ” (ال عمران 46) المهد هو مضجع الرضيع او فراش الوليد. والكلام يعني اللفظ الذي ينتقل من الناطق الى السامع اي ان عيسى هو الناطق والسامعين هم الناس. وقد أنطقه الله بعد ساعات من ولادته. واية كلام الطفل في المهد هو تبرئة مريم عليها السلام من الاتهام. والكهل عند الكبر بعد الطفولة وهذا يعني انه بشر كبقية الأنبياء والبشر. ويرى مفسرون أن الكهولة تبدأ بالمتوسط بعد 40 سنة وقد تكون قبل هذا العمر. والكهل ما اجتمعت قوته وكمل شبابه. وقيل أنه سيكلم الناس بعد نزوله الى الارض. ومرحلة الشيخوخة تأتي بعد مرحلة الكهولة ثم بعدها أرذل العمر. ومن الصالحين أي الذين صلحت سريرتهم وعلانيتهم والصلاح من الرتب العالية. ورد أن كنيسة في بيت لحم “كنيسة المهد” مكان ولادة عيسى عليه الصلاة والسلام. عن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: “وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ” (آل عمران 46) “ويكلِّم الناس في المهد” أي طفلا قبل وقت الكلام “وكهلا ومن الصالحين”.
جاء في تفسير غريب القرآن لفخر الدين الطريحي النجفي: (مهد) “مهاد” (الاعراف 40) فراش، و “يمهدون” (الروم 44) يوطئون لأنفسهم منازلهم كما لنفسه يوطئ من مهد فراشه وسواه لئلا يصيبه ما ينغص عليه مرقده ومثله: “فنعم الماهدون” (الذاريات 48) أي نحن. قوله تعالى “يكلم الناس في المهد وكهلا” (ال عمران 46) أي يكلمهم صبيا في المهد آية ويكلمهم كهلا بالوحي والرسالة، وقوله “بكلمة من الله” (ال عمران 39) هو عيسى عليه السلام سمي بذلك لأنه وجد بأمره تعالى من دون أب فشابه البدعيات، ومثله “كلمته أتاها” (النساء 170) قيل له كلمة الله لأنه وجد في قوله: كن وروح منه لقوله تعالى “فنفخنا فيه من روحنا” (التحريم 12). (كهل) الكهل الذي انتهى شبابه قال تعالى: “يكلم الناس في المهد وكهلا” (ال عمران 46) أي ويكلمهم كهلا بالرسالة والوحي.
جاء في صفحة فجر اللغة العربية عن الطباق: الطباق الحقيقي: الطباق الحقيقي هو الطباق الذي يجمع بين لفظين حقيقيين في المعنى ويأتي بأقسام هي: الطِّباق بين اسميْن: مثل قولنا: عند الفلاح ثماني بقرات سِمان وأخرى عِجاف، فهنا كلمتا (سِمان-عِجاف) متقابلتين في المعنى، وهما اسمان. الطِّباق بين فعليْن: مثل قولنا: إنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يُحيي ويُميت، فالفعلان (يحيي-يميت) هما فعلان متضادان في المعنى. الطِّباق بين مختلفيْن: مثل قوله تعالى: “فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (الأعراف 118) فهنا المختلفان هما: الحق (وهو اسم)، وبَطَلَ (وهو فعل)، فجاء الطباق بين اسم وفعل مختلفين. إيهام المُطابقة: إنّ إيهام المطابقة هو مصطلح يشير إلى التقابُل في اللفظ، وعدم التقابُل في المعنى، ومثاله قول الشاعر: ضَحِكَ الصُّبْحُ فَأَبْكَى مُقْلَتِي * حِينَ وَلَّى نَافِرًا عَنْ مَضْجَعِي. فالضحك هنا ليس مضادًا للبكاء، فمعناه يشير إلى كثرة ضوء الصباح لكنّه من ناحية اللفظ يوهِم بالمطابقة. أثر الطباق في النصوص القرآنيّة والأدبيّة: إنّ الجمع بين لفظيْن متقابليْن في المعنى ومتضاديْن يضفي ألقًا على المعاني، وجمالاً وسحرًا على أسلوب النصّ أو السياق الذي يأتي به ويؤثّر في نفس المتلقّي أيّما تأثير، لذا نجد البلاغة تتمثل في الكثير من مواضع آيات القرآن الكريم المحتوية على الطباق المُدهش الذي يعدّ جزءًا من إعجاز القرآن الكريم الذي لا يستطيع أحد الإتيان بمثله، كما نجد أيضًا العرب منذ القديم قد اهتموا بهذا الفنّ الأدبيّ فاستخدموه في قصائدهم ومختلف أعمالهم كالروايات والقصص وما إلى ذلك ليضيفوا عذوبةً وبهاءً على أفكارهم وصورهم الفنيّة.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: إحدى فضائل و معاجز عيسى عليه السّلام و هي تكلّمه في المهد”وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا وَ مِنَ الصَّالِحِينَ” (ال عمران 46). فقد جاء في سورة مريم أنّه لدفع التهمة عن أمّه تكلّم في المهد كلاما فصيحا أعرب فيه عن عبودّيته للّه، و عن كونه نبيّا. و لمّا لم يكن من الممكن أن يولد نبيّ في رحم غير طاهرة، فإنّه يؤكد بهذا الإعجاز طهارة أمّه.”الْمَهْدِ” هو كلّ مكان يعدّ لنوم المولود حديثا، سواء أ كان متحرّكا أم ثابتا و الظاهر من آيات سورة مريم أنه عليه السّلام تكلّم منذ بداية تولده ممّا يستحيل على كلّ طفل أن يقوم به في هذا العمر عادة، و بهذا كان كلامه في المهد معجزة كبيرة. و لكن الكلام في مرحلة الكهولة. امر عادي. و لعلّ ذكره في الآية أعلاه مقارنا للحديث في المهد إشارة أن كلامه في المهد مثل كلامه في الكهولة و الكمال لم يجانب الصواب و الحقّ و الحكم. الكهولة هي متوسط العمر، و قيل إنّها الفترة ما بين السنة الرابعة و الثلاثين حتّى الحادية و الخمسين، و ما قبلها شاب و ما بعدها شيخ.
جاء في موقع لغتي عن شرح التضاد في اللغة العربية للكاتبة إسراء خليل: ما هو التضاد؟ التضاد مأخوذ من الضد، وقد عرف بتعريفات عدة، هي: إطلاق اللفظ على المعنى وضده. الكلمات التي توقعها العرب على معنيين مختلفين بلفظ واحد، نحو “قُرء” الذي يطلق على الحيض والطهر، و”جلل” تطلق على العظيم والهين. اللفظ الدال على معنيين متقابلين. تسمية الشيء باسم ضده. والجدير بالذكر بأن التضاد له تعريف محدث وتعريف قديم، أما التعريف القديم عموماً فيشير إلى أنه استعمال اللفظ الواحد في معنيين متضادين، أما التعريف المحدث فهو وجود لفظين يختلفان في اللفظ ويتضادان في المعنى، نحو: قصير وطويل، وجميل وقبيح. أنواع التضاد: أشار الدارسون إلى أنّ للتضاد أنواعاً عدة ذكرها في الآتي: التضاد غير المتدرج أو الحاد: على نحو (ميت – حي)، و(متزوج – أعزب). التضاد المتدرج: على نحو (الجو حار – الجو بار). التضاد العكس: نحو (باع – اشترى). التضاد الاتجاهي: ومثاله العلاقة بين (أعلى – أسفل)، و(يصل- يغادر). التضاد التقابلي: نحو (الشمال بالنسبة للجنوب) و(الشرق بالنسبة للغرب).
جاء في الاء الرحمن في تفسير القران للمؤلف محمد جواد البلاغي: قوله تعالى “وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ” (ال عمران 46) “وَيُكَلِّمُ النَّاسَ” بالأمور الإلهية وما ينفعهم حال كونه “فِي الْمَهْدِ” وجملة يكلم حالية معطوفة على «وجيها» كجملة ومن المقربين، ومن كلامه في المهد ما ذكر من أول الآية الحادية والثلاثين الى آخر الرابعة والثلاثين من سورة مريم المكية ويكلم الناس بالأمور الإلهية وتبليغ الرسالة حال كونه “كَهْلًا” وفي ذلك بشرى لمريم بأنه عليه السلام يبلغ زمان الكهولة واشارة الى انه لا يبقى بين الناس الى زمان الشيخوخة. والمعروف انه عليه السلام أرسل الى الناس وهو ابن ثلاثين ورفع الى السماء بعد ثلاث سنين “وَمِنَ الصَّالِحِينَ”.