كتابات عن غدير خم وتنصيب الامام علي عليه السلام (ح 6)

د. فاضل حسن شريف

قال الله جل جلاله “وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهارُ” (الأعراف 43). روى الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي) قال: حدثني أبو بكر بن أبي الحسين الحافظ (بإسناده المذكور) عن عبد الله بن مليل، عن علي في قوله تعالى: “وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ” (الأعراف 43) (قال: نزلت فينا). “وَقالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ” (الأعراف 43). نقل العلاّمة القبيسي، عن الإمام أبي جعفر، محمد بن جرير (الطبري) شيخ المفسّرين والمؤرخين عند أهل السُّنة حديثاً مسنداً إلى زيد بن أرقم، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال في خطبته يوم الغدير: (معاشر النّاس: قولوا ما قلت لكم وسلّموا على عليٍ بإمرة المؤمنين، وقولوا: “الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ” (الأعراف 43). فإن الله يعلم كل صوت، ويعلم خائنة كلّ نفس).

جاء في صفحة فوائد من مؤلفات السراجي: عيد الغدير: هو يوم الثامن عشـر من ذي الحجه يوم جمع فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحجاج الذي كانوا آيبين من الحج واستوقفهم ليلقي عليهم خطاباً وذلك عندما كان راجعاً من حجة الوداع في السنة العاشـرة للهجرة عند مفترق الطرق وأمر بأن ينادى في الناس الذين قد ابتعدوا بأن يعودوا وجعلوا له منبراً من أقتاب الإبل لكي يصعد عليه ليلقي هذا الخطاب الديني والتاريخي والجماهيري الهام. سمي الغدير بهذا الإسم لأن هذا الخطاب كان في مكان يسمى بغدير خمّ وهو في منطقة الجُحفة ميقات أهل الشام يبعد عن الجُحفة نحو ثلاثة أميال وقد سمع خطاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عدداً غفيراً من الصحابة في ذلك اليوم حيث قال لهم: (أليس الله عز وجل يقول: “النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ” (الأحزاب 6) قالوا: بلى يا رسول الله فأخذ بيد علي عليه السلام فرفعها حتى رؤي بياض إبطيهما فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وآل من والاه وعاد من عاداه وانصـر من نصـره واخذل من خذله) فأتاه الناس يهنئونه فقالوا: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة، ولهذا يحتفل المسلمون سيما الشيعة (أي الذين يحبون الإمام عليه بن أبي طالب عليه السلام ويوالونه) بهذا اليوم وقد يسميه البعض بيوم الولاية. ورواية الغدير رواها الكثير من المحدثين الشيعة والسنة وقد وصلت إلى حد الإجماع على ثبوته والتواتر على نقله ووقوعه.

جاء في كتاب رحاب العقيدة للسيد محمد سعيد الحكيم قدس سره: نزول آية إكمال الدين في واقعة الغدير: نزول قوله تعالى: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً” (المائدة 3) في غدير خمّ بعد التبليغ بولاية أمير المؤمنين عليه السلام. وقد ذهب إلى ذلك الشيعة الإمامية ورووه هم وغيرهم عن أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم. وروي أيضاً عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وزيد بن أرقم، ومجاهد. وقد أطال الشيخ الأميني في ذكر من تعرض لذلك من محدثي السنة ومفسريهم. ومن ذلك ما حكاه عن أبي نعيم الأصفهاني في كتابه (ما نزل من القرآن في علي) من أنه روى بسنده عن أبي سعيد الخدري: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا الناس إلى عليّ في غدير خم، أمر بما تحت الشجرة من الشوك فقمّ، وذلك يوم الخميس. فدعا علياً فأخذ بضبعيه، فرفعهما حتى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله، ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3). فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، وبالولاية لعلي عليه السلام من بعدي، ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. فقال حسان: ائذن لي يا رسول لله أن أقول في علي أبياتاً تسمعهن. فقال: قل على بركة الله. فقام حسان فقال: يا معشر مشيخة قريش أتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية). ويأتي حديث أبي هريرة أيضاً في ذلك عند الكلام في صوم يوم الغدير. لكن قال ابن كثير: (وقد روى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم حين قال لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه. ثم رواه عن أبي هريرة، وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، يعني مرجعه عليه السلام من حجة الوداع. ولا يصح لا هذا ولا هذ، بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية أنها أنزلت يوم عرفة. روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأول ملوك الإسلام معاوية ابن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وسمرة بن جندب رضي الله عنه. وقال السيوطي: (وأخرج ابن مردويه وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري قال: لما نصب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً يوم غدير خم، فنادى له بالولاية هبط جبرئيل عليه بهذه الآية: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3). وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: لما كان يوم غدير خم، وهو يوم ثماني عشر من ذي الحجة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه، فأنزل الله: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3)). وقد عقب الشيخ الأميني عليه السلام على ما ذكراه، وردّ عليهم. وحاول إثبات صحة الحديث على مقاييس جمهور السنة. كما أنه يأتي عند الكلام في صوم يوم الغدير من الخطيب البغدادي ما قد يظهر منه الميل لقوة حديث أبي هريرة. ولا يسعنا التعرض لذلك، لأنا لسنا بصدد الاحتجاج، بل بصدد الاستعراض للمهمّ مما يذكر في المقام، من أجل بيان أن السنة قد ذكروا واقعة الغدير ورووه.

جاء في موقع سماحة آية الله السيد علي الحسيني الميلاني حفظه الله: قوله سبحانه “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ” (المائدة 67). قال الزمخشري: «ليلة الغدير معظمة عند الشيعة، محياة فيهم بالتهجد وهي التي خطب فيها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بغدير خم على أقتاب الجمال، وقال في خطبته: من كنت مولاه فعلي مولاه). وروى السيوطي بإسناده عن أبي سعيد الخدري، قال: نزلت هذه الآية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم غدير خمّ في علي بن أبي طالب). وروى الحاكم الحسكاني باسناده عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: «لما اسري بي الى السماء سمعت تحت العرش انّ علياً راية الهدى، وحبيب من يؤمن بي، بلّغ يا محمّد قال: فلمّا نزل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم اسرّ ذلك، فأنزل الله عزّوجلّ: “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ” (المائدة 67) في علي بن أبي طالب، “وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ” (المائدة 67). وروى باسناده عن ابن عباس في قوله عزّوجل: “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ” (المائدة 67) الآية، قال: نزلت في علي، أمر رسول الله أن يبلّغ فيه، فاخذ رسول الله بيد علي، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه).

وعن الامامة يقول الدكتور حسين الحاج حسن في كتابه: الذي دفعني إلى الحديث عن الإمامة هو سؤال بعض الأساتذة الزملاء في الجامعة اللبنانية، كلية الآداب قوله: لما ذا الشيعة يعظمون دور الإمامة أكثر مما تستحق؟ و ما هو دور الإمام بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم؟ قبل الجواب على هذا السؤال أرى من الغريب جدا ما يدعيه غير الشيعة من أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم رحل من هذه الدنيا و لم يوص إلى أحد من بعده ليقوم مقامه، و يتحمّل مسئولية تنفيذ الدعوة الإسلامية، فترك الأمة بلا إمام يدير شئونها، و يجمع شملها، و يوضح السنن، و يقوّم الاعوجاج، و يقيم الحدود، و يرشد الضالين عن الخط الإسلامي الصحيح؟ و ما هو ثابت عند المؤرخين و كتاب السنن أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان يستخلف على المدينة إذا أراد سفرا، و لا يرسل جيشا في مهمة حتى يعيّن له قائدا، و ربّما عين لبعض جيوشه أكثر من قائد. و من المؤسف انه عند ما يريدون تنزيه شخص أو جماعة يخلقون أفضل المبررات في نظرهم، و يعتذرون عنهم بأحسن الأعذار. من ذلك ابتدع معاوية فرقة القصاصين الذين يشيدون بمآثره، و يعيبون على عليّ و أنصاره. ثم اخترع فرقة المرجئة الذين يرجئون معايب و نقائص الخليفة إلى يوم الحساب، و يعفى من محاسبة الجماعة له إن ظلم أو أخطأ. كما نسب إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إلى اللّه سبحانه و تعالى ما لم ينزل به سلطان. كل ذلك من أجل تصحيح عمل قام به السلف، أو من أجل مصالح دنيوية ضيّقة، و قد نسوا أو تناسوا قول اللّه تعالى: “أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‌ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‌” (يونس 35). و لو أنصف الناس الإمام علي أمير المؤمنين عليه السّلام لاكتفوا بنص الغدير وحده دون غيره من النصوص الكثيرة، فقد شهد بيعة يوم الغدير جل المسلمين، و شاهدوا المراسيم التي اجراها الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ذلك اليوم التاريخي و من العجيب كيف نسيت الأمة بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذلك اليوم، هذا و العهد قريب، و الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعد لم يدفن و الشهود الكثر حضور. و لا أريد أن أخوض في هذا الحديث المؤلم الذي دب الاختلاف بين المسلمين و فرّقهم فرقا و شيعا. و لا يخفى على كل ذي بصر ان الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام وحده المنصوص عليه بالخلافة من قبل الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و كذلك أولاده عليهم الصلاة و السلام‌. و قد التزم الأئمة عليهم السّلام في نص بعضهم على بعض، السابق منهم على اللاحق، و الوالد على ولده، إقامة للحجة، و إعذارا للأمة. و هنا أحد النصوص الكثيرة في حق الامام موسى الكاظم عليه السّلام من قبل أبيه الصادق عليه السّلام: قال محمد بن الوليد: سمعت علي بن جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد عليهما السّلام يقول لجماعة من خاصته و أصحابه: استوصوا يا بني موسى خيرا، فانه أفضل ولدي، و من أخلفه من بعدي، و هو القائم مقامي، و الحجّة للّه تعالى على كافة خلقه من بعدي.