بلاد الرافدين علوية.. ولو كره المنكوسون

رياض سعد

في ذلك الصباح الخانق من صيف عام 2014، كانت أمُّ علي تقف في مطبخها الصغير تُعدُّ الشاي… ؛  كان هاتفها المحمول يرقد فوق سطح (الكاونتر) كما اعتاد دائمًا؛ فهي امرأة لا تُكثر من استعمال الهاتف، ولا تتصل إلا بأهلها، وبناتها الست، وابنها اليتيم الوحيد علي.

فجأة تناهت إلى مسامعها الأخبار: سقوط الموصل، وتوالي انهيار المدن الشمالية والغربية كأحجار الدومينو في عاصفة الغدر والخيانة ، وصور الجنود الهاربين، والأمهات الباكيات، والوجوه المذعورة.

تملّكها رعبٌ هسيتري … , هرعت بقلبٍ واجف نحو جهاز الهاتف المحمول، ذاك القابع بإهمال فوق منضدة المطبخ … ؛ ضغطت بأصابع مرتعشة على رقم علي، والدموع تحجب الرؤية عن عينيها… ؛  جاء صوت الرنين طويلًا ومؤرقًا، كأنه دهرٌ كامل، قبل أن يُفتح الخط:

 * أم علي (بصوت مخنوق بالدموع والوجل): “يُمّه علي.. شلونك؟ جاوبني اروحلك فدوة !”

لم يأتِها صوت علي العذب، بل اخترق مسامعها صوتٌ خشنٌ متحشرج، يشبه فحيح الأفاعي في وادٍ قاحل، يلوك الكلمات لوكًا حاقدًا كأنها معجونة بالدم التكفيري والغلّ الطائفي:

 * الذَبّاح (ببرود مرعب): “أنتِ أم علي؟”

 * أم علي (وقد تجمّد الدم في عروقها): “نعم، أنا أم علي.. أين ولدي؟ أرجوك!”

 * الذَبّاح (بنشوة سادية): “ها هو أمامي، مطأطئ الرأس في أسرِنا.. , وها أنا ذا أستعد لذبحه، لكي يتأدب أمثالكِ، وتتوبي من تسمية أولادكِ باسم (علي)!”

انفجرت الأم بالبكاء، وتلاشت المسافات الجغرافية بين بغداد وتكريت، لتصبح مجرد نصلٍ يقترب من رقبة وحيدها:

 * أم علي: “دخيلك.. اتركه، لا تذبحه بالله عليك! ما ذنبه؟”

 * الذَبّاح (مستجوبًا بحقدٍ سياسي وطائفي أعمى): “جاؤوا إلى تكريت ومناطقنا.. ما الذي يفعلونه هنا؟”

 * أم علي: “جاؤوا للدفاع عن الوطن.. لحمايتكم وحمايتنا!”

 * الذَبّاح (مقاطعًا بصراخ همجي): “إذن سأذبحه الآن.. وإياكِ أن تسمي أولادًا باسم علي مجددًا!”

في تلك اللحظة الفارقة بين الموت والحياة، وفي ذروة الانكسار النفسي، تملّكت الأمَّ روحُ التحدي والمقاومة، فصرخت بوجه القاتل بلسانٍ عراقيٍّ فصيح الفجيعة:

 * أم علي: “ابني فدوة لاسم (علي).. وراح أبقى أسمي كل طفل يجينه باسم علي!”

انقطع الاتصال.

في تلك البقعة من تكريت، امتدت يد الغدر الهمجية، وأمسكت بشعر الفتى الغرير، وجذبت رأسه إلى الخلف بقسوة… ؛  وُضعت السكين على رقبته البيضاء التي لم يلمسها أحد , وحُزّ الوريد.. وسال الدم الطاهر ليروي أرضًا خذلها السياسيون وباعها الخونة والمهجنون والمنكوسون .

في تلك اللحظة، هبطت ملائكة بلاد الرافدين العلوية ترفرف حول الجسد المسجى، تصدح بنشيدها السريالي العتيق، نشيد الأرض التي ترفض المحتل والتكفيري: “هذه الأرض علوية.. علوية.. علوية”… ؛ ثم عرجت روح علي الطاهرة إلى الملأ الأعلى، حيث استُقبلت بحفاوة تليق بالشهداء الأبرار الذين قُتلوا بلا ذنب سوى أن هويتهم عراقية علوية عريقة  .

ثم نزلت ملائكة الثأر الأبدي، وطوّقوا القتلة والذبّاحة بأسوار من نار، ثم قالوا لهم – وهم لا يسمعون، وفي غَيِّهم وإجرامهم يعمهون -:”أين تفرّون من الموت؟ فهو ملاقيكم ولو بعد حين.”

ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أم علي  أن البيت كله أصبح فارغًا، وأن الجدران أوسع من قدرتها على الاحتمال.

جلست على الأرض.

وضعت الهاتف في حجرها.

وظلت تردد:

«علي… علي… يا وليدي , يا روحي , يا سباح كلبي , يمه علاوي وينك , الله وكبر يمه …»

 صار الحزن ضيفا ثقيلا في منزلها ؛ لكن الانكسار تحول إلى عقيدة بقاء اجتماعي وسياسي… ؛  ولأن “علي” كان ابنها الوحيد وسندها في الحياة، قررت الأم أن تفي بوعدها وتنفذ وعيدها للقتلة والذباحة التكارتة ومن ساندهم من الاجانب والغرباء .

جمعت بناتها الست، وأوصتهنّ وصيةً ترقى لمرتبة الفرض: إذا رزق الله إحداكن ولدًا، فسمِّينه عليًّا… , كلّ مولود جديد يولد ، يجب أن يحمل اسم علي … ؛ ليس لأنني أريد استعادة ابني… ؛ فالأبناء لا يعودون… ؛ ولكن لأن الظلم لا ينبغي أن ينتصر على الذاكرة، ولأن الأسماء التي تُحارب بسبب ما ترمز إليه تصبح أمانةً في أعناق الأحياء…

بكت كثيرًا.

ثم جفَّت دموعها.

ولم تعد تبكي.

صارت تنظر إلى صورته المعلقة على الجدار وتقول:

«كانوا يظنون أن الاسم يموت بموت صاحبه… وما علموا أن بعض الأسماء تتحول إلى ذاكرة، وبعض الذكريات تتحول إلى وطن… لاسيما علي … دخيلك يا ابو الحسن »

مرَّت الأيام ثقيلة كأنها أعوام… ؛ ومضت السنين ، وحملت البنات الست، وأنجبنَ ستة أولاد..

نعم , رُزقت كل واحدة من بناتها بولد.

وكانت المفاجأة أن الأول سُمِّي عليًّا.

والثاني عليًّا.

والثالث عليًّا.

والرابع عليًّا.

والخامس عليًّا.

والسادس عليًّا.

وفي أحد الأعياد، جلست أم علي في وسط أحفادها الستة.

ستة أطفال يركضون في فناء البيت.

وحين نادت:

– يا علي…

التفتوا جميعًا إليها دفعةً واحدة.

ابتسمت لأول مرة منذ سنوات.

وأدركت أن القتلة يستطيعون أن يسلبوا الأرواح، وأن يصنعوا المآسي، لكنهم يعجزون عن قتل الذاكرة، ويعجزون أكثر عن اقتلاع المعاني السامية  التي تسكن قلوب الناس .

رفعت رأسها إلى السماء وهمست:

«لقد صار لي ستةُ أبناءٍ من اسمك يا علي… أما أنت، فقد صرتَ اسمًا أكبر من شخصٍ واحد… صرتَ حكاية وطنٍ لا ينسى أبناءه.»

لقد أرادت الأم وثكالى سبايكر أن يثبتن للقتلة ومنطقهم الإقصائي الطائفي، أن رصاص الغدر قد يقتل جسدًا، لكنه يعجز عن محو الهوية، ولأن قدر هذه الأرض أن تبقى علوية.. ولو كره المُهَجَّنون والمنكوسون.

قدر هذه الارض أن تبقى نابضة بالحق ولو كره الظالمون …