العراق أولًا… حين يكون حب الوطن واجبًا أخلاقيًا ووعيًا حضاريًا

رياض سعد

**تمهيد

ليس غريبًا أن يتغنى العراقي بعراقه، أو أن يرفع صوته فخرًا بأرضه وتاريخه ورموزه؛ فالعراق ليس رقعة جغرافية عابرة في سجل الأمم، بل أحد المهاد الأولى التي تشكلت فوقها التجربة الإنسانية… ؛  هنا نشأت أولى المدن الكبرى، وتفتحت بذور الكتابة، وتكوّنت الشرائع الأولى، وانطلقت الأساطير والحكايات المؤسسة لوعي الإنسان القديم… ؛ وعلى ضفاف دجلة والفرات، تعاقبت حضارات تركت بصمتها في الفكر والدين والفلسفة والعمران، حتى غدا اسم العراق جزءًا من الذاكرة الحضارية للبشرية جمعاء.

نعم , ليس في التغني بالعراق أو الإشادة بتاريخه وحضارته ما يدعو إلى الاستغراب أو الاستنكار؛ فالعراق العظيم هو إحدى أقدم البقاع التي شهدت نشوء الحضارة الإنسانية، وعلى أرضه قامت حضارات بلاد الرافدين .

**معركة الوعي في استعادة الهوية العراقية

في عالمٍ تتصارع فيه الإرادات وتتسابق الأمم لحفظ كياناتها ورسم حدود خارطتها الثقافية والسياسية، يظل الوطن هو النواة الصلبة التي تدور حولها كينونة الإنسان الطبيعي.

والعراق العظيم، هذا الكيان الممتد في عمق التاريخ والضارب بجذوره في مهد الحضارات الأولى، ليس مجرد جغرافيا عابرة، بل هو عقيدة وانتماء وفلسفة وجود انطلقت منها أولى القوانين، والديانات، والأساطير، والفلسفات الإنسانية كما اسلفنا .

ومن هذا المنطلق، يتغنى أحرار العالم وكُتابه الأنقياء بحقيقة هذا البلد، إذ لا يغفل عن حق العراق ومجده التليد إلا جاهل غيبته السذاجة، أو حاقد أعمته الضغائن، أو “منكوس” انقلبت لديه الفطرة الإنسانية السليمة.

** الفطرة البشرية وتأصيل المبدأ الوطني

إن حب الوطن وتقديم مصالحه العليا على ما سواها ليس ترفاً فكرياً أو شعاراً شوفينياً، بل هو غريزة إنسانية أصيلة وفطرة بشرية مجبولة على الوفاء للأرض التي نشأ المرء في ظلها وعاش أجداده تحت سمائها.

لذلك ؛ من حق العراقي أن يفخر ببلده وأن يعتز بماضيه وحاضره ورموزه الوطنية، كما يفعل الإيراني بإيران، والمصري بمصر، وغيرهما من شعوب الأرض التي تنظر إلى أوطانها بوصفها امتدادًا للهوية والذاكرة والانتماء… ؛ فحب الوطن ليس انحرافًا فكريًا، ولا دعوة إلى كراهية الآخرين، بل تعبير طبيعي عن الانتماء السليم والوفاء للأرض التي احتضنت الآباء والأجداد، وشكلت وجدان الإنسان وهويته… ؛ و شعور إنساني فطري ينشأ مع الإنسان منذ طفولته، ويتجذر في وجدانه لأنه الأرض التي ولد عليها، وتشكلت فيها لغته وذاكرته وثقافته.

ولا يشذ عن هذه السيرة العقلائية والمبادئ النفسية والاجتماعية المستقرة إلا إنسان مشوه الهوية، أو منكوس هجين , أو خائن رخيص، أو عميل مرتزق، أو تابع ذليل تخلّى عن سيادته العقلية ليقتات على فتات الثقافات الخارجية والأيدولوجيات العابرة للحدود ، متناسياً أن الاعتزاز بالذات الوطنية هو خط الدفاع الأول عن بقاء المجتمعات والدول.

نعم , إن الميل إلى الوطن والاشادة به ,  فطرة إنسانية، وحب الأرض التي نشأ عليها المرء جزء من تكوينه النفسي والاجتماعي… ؛  أما حين يتحول احتقار الوطن إلى موقف دائم، وتصبح الإساءة إلى رموزه نوعًا من “التحضر” الزائف، والتبرؤ من هويته علامة على “التنوير”، فهنا لا يعود الأمر مجرد اختلاف في الرأي، بل يصبح ظاهرة تستحق التأمل والنقد والمساءلة.

** يقظة الأمة العراقية وصحوة الضمير الوطني

بفضل الغيارى والأحرار من أبناء الأمة العراقية، ارتفعت مستويات الوعي الوطني والحضاري، فقد شهد العراق في السنوات الأخيرة تناميًا ملحوظًا في الشعور الوطني والاهتمام بكل ما هو عراقي؛ من التاريخ واللغة والتراث والأطعمة والفنون والرموز الثقافية… , كما ازداد وعي المواطنين بأهمية الحفاظ على الهوية الوطنية في مواجهة مختلف أشكال الغزو الثقافي والتهجين والتدجين الذي يستهدف العراق والاغلبية والامة العراقية   أو محاولات تذويب الخصوصية العراقية تحت مسميات وشعارات متعددة… ؛ فالواعين من الأمة العراقية كشفوا هذه المخططات الشيطانية، وأدركوا أنها كجلد الأفعى: ناعمة الملمس، ولكن السم الزعاف يكمن في باطنها. 

فالهوية الوطنية ليست مجرد شعار عاطفي، بل هي منظومة من القيم والذاكرة المشتركة والانتماء والمصير الواحد.

** سايكولوجية “الخط المنكوس”: تجليات التبعية والإنكار

*كشف أساليب العملاء والمنكوسين

وكعادة أتباع الخط المنكوس، وأبناء الفئة الهجينة، وعملاء الأعداء، والذيول الاخساء والتابعين الأذلاء، ما إن يسمعوا كلمة “عراقي أصيل”، أو شخصية عراقية، أو أكلة عراقية، أو إنجازًا أو اختراعًا عراقيًا، حتى يجن جنونهم، ويقلبوا ظهر المجن، ويكشروا عن أنيابهم، ويُظهروا نواياهم الحقيقية، فما أخفى امرؤ شيئًا إلا ظهر في فلتات لسانه وسحنات وجهه… ؛ اذ شنوا حملات شعواء لا هوادة فيها، ظاهرها الإصلاح والإنسانية، وباطنها التخريب والعدوان والإساءة، وتغييب الوعي العراقي، ومحاربة الأصليين من أبناء الأمة.

نعم , قد أدرك الواعون أن بعض الخطابات والبرامج واللقاءات والشعارات التي تبدو في ظاهرها إنسانية وإصلاحية وسياسية وثقافية  قد تحمل في باطنها نزعة عدائية تجاه مفهوم الانتماء الوطني نفسه والامة العراقية ؛ فهي، كجلد الأفعى الناعم، تخفي تحت ملمسها اللين سمومًا تستهدف اقتلاع الإنسان من جذوره وإفقاده شعوره بالانتماء والمسؤولية تجاه وطنه كما اسلفنا .

وعليه شنت الجيوش الالكترونية والذباب الالكتروني والمنصات والمواقع الهجينة والمنكوسة حملات اعلامية تستهدف الاغلبية والامة العراقية ومصالح الوطن والمواطن … ؛ و برزت أصوات تتعامل مع كل ما هو عراقي بنوع من السخرية أو التقليل من شأنه؛ فإذا ذُكرت شخصية عراقية أو منجز علمي أو تراث محلي أو شعار وطني، انطلقت حملات التشكيك والاستهزاء وكأن الاعتزاز بالوطن أمر يستوجب التهكم… ؛  وغالبًا ما تتخفى هذه المواقف خلف شعارات تبدو إنسانية أو دينية أو قومية أو مذهبية أو إصلاحية في ظاهرها، تهدف  إلى إضعاف الشعور بالانتماء وتهميش الهوية الوطنية كما اسلفنا .

** نماذج من الانحطاط الفكري

بينما كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، إذا بي أرى دكتورة – لا أدري ما اختصاصها، ولا كيف حصلت على شهادتها، ولا حقيقة أصولها – تحمل الجنسية العراقية، وتتحدث بأسلوب أقرب إلى السخرية منه إلى الموضوعية… ؛  تناولت ما تداوله العراقيون الأحرار، وأعني مقولة “العراق أولاً”، وعلقت على من يرفعون هذا الشعار الوطني النبيل بأسلوب تهكمي قائلة: “هل رأيتم أحدًا خرج من بيته وهو يصرخ بين الجيران: بيتي أولاً؟! طبعًا لا، فلا يفعل ذلك إلا أحمق أو إنسان بسيط أو من يريد استهداف الجيران بالسوء”.

إن هذا القياس الفاسد والسطحي يعكس جهلاً مطبقاً بالعلوم السياسية والاجتماعية… ؛  فنحن في الحالات الطبيعية والمستقرة نعتبر تقديم مصلحة الوطن من البديهيات والمسلمات التي لا تحتاج صراخاً أو تصريحا ؛ أما في الحالات الاستثنائية، وعندما يتعرض الوطن لتحديات وجودية، وحملات تهجين وتدجين ممنهجة، وتفشٍ لسرطان العمالة والخيانة، يصبح الصراخ بأعلى الصوت بحب الوطن ورفع شعار “العراق أولاً” واجباً وطنياً مقدساً تفرضه الضرورة والدفاع عن الذات.

نعم , عندما تتعرض الهوية الوطنية للتشويه، أو تتكاثر الولاءات العابرة للحدود، أو تتراجع الأولويات الوطنية أمام المصالح الخارجية، فإن التأكيد على شعار «العراق أولًا» يصبح فعلًا توعويًا يهدف إلى إعادة ترتيب الأولويات، لا إلى معاداة الشعوب الأخرى أو الانتقاص منها.

كيف لا يقول العراقي الأصيل “العراق أولاً” وهو يشاهد الخونة والمرتزقة يقدمون مصالح الدول الخارجية على مصالح الوطن والمواطن؟!

وكيف لا يسبح المواطن الأصيل بحمد العراق آناء الليل وأطراف النهار، وهو يرى المنبطحين والمنكوسين يقدسون كل شيء خارجي، ويفضلون كل ما له علاقة بالخارج، ويبغضون كل ما يمت للعراق والأغلبية العراقية بصلة؟!

كيف لا يصدح العراقي الأصيل بهذا الشعار وهو يرى المرتزقة يقدمون مصالح عواصم إقليمية ودولية على حساب خبز المواطن وأمن الوطن؟!

كيف لا يقول العراقي: «العراق أولًا» وهو يرى وطنه يواجه تحديات سياسية واقتصادية وثقافية تستوجب توحيد الجهود من أجل حماية مصالح المواطن والدولة؟

وكيف لا يعتز ببلده وهو يشاهد أممًا عديدة تمجد تاريخها ورموزها وتقدم مصالحها الوطنية بوصفها أولوية عليا؟

**رد الاشكال وتفكيك الاعتراض

قد يعترض معترض كما اعترضت الدكتورة في اليوتيوب … ؛  قائلاً : إن هذه بديهية لا تحتاج لتذكير، ولكن عندما تتشوه فطرة الإنسان ويصبح الحق في نظره باطلاً والباطل حقاً، يصبح التذكير بالبديهيات واجباً لإعادة المنحرفين فكرياً إلى جادة الصواب.

كتاب القرآن الكريم نفسه يقرر حقائق تبدو بديهية، كما جاء في الآية القرآنية : ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾… ؛  فالبديهيات قد تحتاج أحيانًا إلى التذكير عندما تختلط المفاهيم وتضطرب المعايير… ؛  وكذلك الحال مع قيمة حب الوطن؛ فهي قيمة فطرية وأخلاقية، لكن التأكيد عليها يصبح ضرورة عندما تتعرض للتشكيك أو التهميش أو التهجين .

** تفكيك دعوات التمييع وطروحات “الدولة الهجينة”

وفي سياق متصل، يبرز نموذج آخر من أصحاب المنصات الرقمية الذين يتهكمون على مفاهيم “الأصالة العراقية” و”العراقي الأصيل”، بدعوى أن العالم قد تجاوز هذه المفاهيم نحو “مواطنة مجردة وانسانية وقانونية ورؤى كونية … الخ “.

والحقيقة السياسية والفلسفية تؤكد أن هؤلاء المرجفين مرتبطون بنيوياً بوجهات إقليمية وخارجية تتشدد هي نفسها في قوانين جنسيتها، وتحارب التغريب والتهجين والغزو الثقافي ، وتحافظ على نقاء قيمها الحضارية وثقافتها المحلية، لكنها عندما تلتفت نحو العراق، تسخر أبواقها لقلب الموازين.

إن الهدف الحقيقي والخطير وراء هذه الطروحات هو تفتيت الهوية الوطنية، وشرعنة تجنيس الغرباء والدخلاء، واستبدال النسيج الوطني العراقي بهويات أجنبية هجينة؛ تلبيةً لغايات وأجندات تدميرية تخدم الخارج بالدرجة الأولى.

إن المواطنة القانونية لا تعني إلغاء الهوية الوطنية أو الاصالة العراقية أو الاستخفاف بالتراث والرموز الجامعة، بل تعني المساواة في الحقوق والواجبات داخل إطار الانتماء إلى وطن واحد… ؛  فالعراق لا يقوم إلا بأبنائه جميعًا، ولا ينهض إلا حين يكون الانتماء إليه مقدمًا على كل ولاء آخر، وحين يُنظر إلى مصالح المواطن العراقي بوصفها الغاية الأولى لأي مشروع سياسي أو ثقافي أو اجتماعي.

إن الأمم التي تنسى تاريخها أو تستصغر رموزها أو تتعامل مع هويتها بوصفها عبئًا، تفقد شيئًا فشيئًا مناعتها الحضارية وقدرتها على التماسك… ؛ أما الأمم التي تعتز بجذورها وتحافظ على شخصيتها التاريخية، فإنها تمتلك قوة معنوية هائلة تمكنها من مواجهة التحديات وصناعة مستقبلها.

إن تقديم الوطن والمواطن على المصالح الخارجية لا يعني الانغلاق أو رفض التعاون مع الآخرين، بل يعني أن يكون معيار المواقف والسياسات هو مصلحة العراق أولًا، وأن تكون العلاقات الخارجية وسيلة لخدمة المواطن لا بديلًا عن الانتماء الوطني… ؛  فالدول المحترمة تبني علاقاتها الدولية وهي أكثر تمسكًا بهويتها وقيمها وثقافتها المحلية، ولا ترى تعارضًا بين الانفتاح على العالم والاعتزاز بالذات الوطنية.

** الانحطاط بلغ ذروته

حتى وصل الانحطاط بأحد الخطباء ليعلن بملء صوته أن العراق لا يعني له شيئًا!!

وهؤلاء وأضرابهم من المنكوسين والخونة والعملاء يتقاضون أموالًا عراقية، ويعيشون في العراق، ويسافرون إلى الخارج بجواز عراقي، ومع ذلك يفضلون أسيادهم الغرباء على أبناء بلادهم الأصليين، ويفدون الدول الخارجية، بل لديهم استعداد لحرق العراق من أجل إرضاء الجهات الخارجية… ؛ ولن تجد لسنة المنكوسين والمشبوهين والحمقى تبديلًا.

والعجيب أن هؤلاء المنكوسين يخرجون علينا في مناسبات معينة وهم يعطون دروسًا في الوطنية!

ولكن أي وطنية؟ وطنيتهم المقلوبة المنكوسة، التي لا تمت بصلة للوطن والمواطن.

إنها “الوطنية المقلوبة” التي يبشر بها هؤلاء في مواسم محددة؛ دروس مشوهة لا تمت للواقع بصلة.

لكن الرهان الحقيقي سيبقى دائماً وأبداً على وعي الأمة العراقية، وعلى أصالة أبنائها الأحرار الذين أدركوا المؤامرة، وقرروا أن تكون البوصلة واحدة لا شريك لها: العراق، أولاً ودائماً.

**الخاتمة

إن شعار «العراق أولًا» ليس مجرد عبارة تُرفع في المناسبات، بل هو دعوة إلى ترسيخ الانتماء الوطني، وحماية الهوية العراقية، وتقديم مصالح الوطن والمواطن، وصيانة الإرث الحضاري الذي صنعته أجيال متعاقبة على أرض الرافدين.

فحب العراق ليس تهمة، والاعتزاز به ليس تعصبًا، بل هو تعبير عن الوفاء لأرضٍ كانت ولا تزال واحدةً من أهم مراكز الحضارة الإنسانية، ووطنًا يستحق من أبنائه أن يحفظوا تاريخه ويصونوا وحدته ويعملوا من أجل مستقبله.

إن الوطنية ليست كراهية للآخر، وليست دعوة للعدوان على الشعوب، كما أنها ليست انغلاقًا مرضيًا أو رفضًا للتفاعل الحضاري. الوطنية السليمة تعني أن يكون الولاء الأول للوطن، وأن تكون مصلحة المواطن معيارًا في المواقف والسياسات، وأن يُنظر إلى الخارج بعين الاحترام المتبادل لا بعين التبعية والاستلاب.

ولذلك، فإن الدعوة إلى دولة المواطنة القانونية لا تتناقض مع الاعتزاز بالهوية العراقية، بل تقوم عليها… ؛  فلا مواطنة بلا وطن، ولا وطن بلا ذاكرة مشتركة ورموز جامعة وشعور بالانتماء والمسؤولية.

غير أن الإشكال يظهر حين يُستعمل خطاب “المواطنة القانونية” لتجريد المجتمع من خصوصيته التاريخية والثقافية، أو لتحويل الهوية الوطنية إلى عبء ينبغي التخلص منه، في الوقت الذي تتمسك فيه أمم أخرى بلغاتها وثقافاتها وحدودها وقيمها، بل وتشدد في قوانين الجنسية والهجرة حفاظًا على تماسكها الاجتماعي.

إن حب العراق وتقديم مصالحه ليس شعارًا عابرًا، بل هو فطرة وواجب، ودفاع عن هوية وهبها الله لهذه الأرض المباركة… ؛ ومن ينكر فضل العراق أو يحارب أصالته، فهو إما جاهل بحقيقة التاريخ، أو حاقد على عظمة هذا البلد، أو منكوس الفطرة هجين الانتماء… ؛ وسيبقى العراق عظيمًا بأبنائه الأحرار، الذين يرفعون رأسه عاليًا رغم أنف كل خائن وعميل.