العراق بين الدولة المركزية و الدولة الهلامية .. المخاطر المحدقة بالأمة العراقية

رياض سعد

ليس العراق اليوم أمام أزمة عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات إدارية أو تسويات سياسية مؤقتة، بل يقف عند مفترق تاريخي بالغ الخطورة، تتداخل فيه العوامل السياسية والاقتصادية والديموغرافية والثقافية والأمنية، بما يهدد ما تبقى من تماسك الدولة ومن القدرة على الحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة والاراضي العراقية .

إن العالم بأسره يشهد تحولات كبرى؛ فالنظام الدولي يعيد تشكيل خرائط النفوذ، والاقتصاد العالمي يتجه نحو أنماط أكثر توحشاً من الرأسمالية، فيما تتراجع السرديات الوطنية التقليدية أمام صعود منطق السوق والعولمة… ؛  غير أن خطورة هذه التحولات تتضاعف حين تصبح الدولة هشة ومنهكة بسبب الحروب  والانقسامات والصراعات الداخلية، كما هو حال العراق.

لقد برز داخل المشهد العراقي نمط جديد من النخب السياسية والاقتصادية، لا تنظر إلى العراق بوصفه وطناً ورسالة تاريخية ومجتمعاً ذا خصوصية حضارية، بل باعتباره فضاءً للاستثمار السياسي والمالي… ؛ و بعض هذه النخب ارتبطت مصالحها الاقتصادية والعائلية بالخارج، فأصبحت ثرواتها وأسرها ومستقبلها بعيداً عن البلاد، الأمر الذي أضعف شعورها بالمسؤولية الوطنية تجاه مصير العراقيين والعراق .

ومن هنا أخذت تتسرب إلى إدارة الدولة أفكار ترى أن العراق ليس أكثر من “شركة كبرى”، وأن مهمة السلطة تقتصر على إدارة الأرباح والخسائر، لا حماية المجتمع وتحقيق العدالة وصيانة السيادة.

وبذريعة الانفتاح الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات الأجنبية، تُطرح مشاريع لبيع أصول الدولة، وتقليص دورها الاجتماعي، ورفع الدعم عن الخدمات الأساسية، وتحويل المواطن من شريك في الوطن إلى مجرد مستهلك داخل سوق مفتوحة للمنتجات الاجنبية .

إن المشكلة لا تكمن في الاقتصاد الحر بحد ذاته، ولا في الاستفادة من الخبرات والاستثمارات الخارجية، فالتجارب الإنسانية متنوعة ومتعددة، وإنما تكمن في استنساخ أكثر نماذج النيوليبرالية قسوة داخل مجتمع يعاني الفقر والبطالة وضعف مؤسسات الرقابة والعدالة… ؛  فحين تُدار الدولة بمنطق الشركة التجارية، تصبح السياسة حسابات مالية مجردة، ويُختزل الإنسان إلى رقم، وتتحول المصلحة العامة إلى صفقة.

وهكذا يتراجع مفهوم الدولة بوصفها كياناً سياسياً ذا رسالة تاريخية وطنية ، لتحل محله “منظومة إدارة” هدفها التشغيل والإدارة التقنية… ؛  وتصبح الأحزاب والبرلمان والحكومة حلقات داخل بنية واحدة، تتنافس على اقتسام النفوذ والمكاسب، لا على تقديم مشاريع حضارية متمايزة.

ويتحول الصراع السياسي من صراع رؤى وأفكار إلى تفاوض على المصالح والمغانم والمكاسب والامتيازات .

وفي الجانب الاجتماعي والديموغرافي، تبرز تحديات لا تقل خطورة… ,  فالعراق، بحكم موقعه الديني والجغرافي، يستقبل سنوياً ملايين الزائرين من مختلف الجنسيات… ؛  وهذه الظاهرة تمثل مصدر قوة روحية واقتصادية وثقافية إذا أُحسن تنظيمها ضمن إطار القانون والسيادة، لكنها قد تتحول إلى مصدر قلق مشروع إذا رافقها ضعف في الرقابة، أو فساد إداري، أو تساهل في تطبيق قوانين الإقامة والجنسية، بما يفتح الباب أمام اختلالات ديموغرافية وتوترات اجتماعية مستقبلية.

كما أن الذاكرة العراقية ما تزال مثقلة بتجارب تاريخية شهدت توظيف الانتماءات القومية أو الدينية لأغراض سياسية، وما رافق ذلك من سياسات تجنيس أو استقدام أو استثمار للهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة… ؛  وقد ساهمت عقود الصراع والإرهاب والتدخلات الإقليمية في تعميق هذه المخاوف وإضعاف الثقة بين مكونات المجتمع.

أما على المستوى القومي، فإن استمرار النزعات الانفصالية أو المشاريع التي تُقدِّم الانتماءات الفرعية على حساب الانتماء العراقي الشامل، يمثل تحدياً حقيقياً لفكرة الدولة الوطنية… ؛  فالعراق لم يكن في تاريخه مجرد تجاور جغرافي لمكونات متنافرة، بل كان مشروعاً حضارياً تشكل عبر قرون من التفاعل والتراكم المشترك… ؛  وأي تغيير ديموغرافي أو سياسي يُدار بمنطق الغلبة أو الهيمنة ستكون له انعكاسات عميقة على وحدة البلاد ومستقبلها.

ولا تقل الأخطار الثقافية والأمنية شأناً عن غيرها؛ إذ تحولت الساحة العراقية، بفعل ضعف الدولة وتضارب الولاءات، إلى مساحة مفتوحة لتدخلات خارجية متعددة… ؛  فهناك نفوذ سياسي واقتصادي وإعلامي تمارسه قوى دولية وإقليمية عبر أدوات متنوعة، تشمل المنظمات المدنية، والمؤسسات الإعلامية، وشبكات المصالح، وبعض الحركات السياسية والدينية، بما يجعل القرار الوطني عرضة لضغوط متشابكة ومتعارضة.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في عامل واحد منفرد، بل في اجتماع هذه المسارات كلها: هشاشة الدولة، وتغول السوق، وضعف العدالة الاجتماعية، وتراجع الهوية الوطنية، والاختلالات الديموغرافية، واستمرار التدخلات الخارجية… ؛  فكل خط من هذه الخطوط قد يكون قابلاً للاحتواء إذا عولج مبكراً، أما اجتماعها في لحظة تاريخية واحدة فقد يدفع العراق إلى مزيد من التفكك وفقدان القدرة على إعادة إنتاج ذاته كدولة وأمة.

إن إنقاذ العراق لا يكون بإثارة الكراهية بين مكوناته، ولا بإحياء سرديات الإقصاء والثأر، بل بإعادة بناء مفهوم المواطنة، وتعزيز سيادة القانون، وحماية الثروة الوطنية، وتحقيق قدر معقول من العدالة الاجتماعية، وإخضاع ملف الجنسية والإقامة لمعايير قانونية صارمة، وتحصين القرار الوطني من الارتهان الخارجي، وإحياء هوية عراقية جامعة تتسع للجميع دون أن تتنازل عن حقها في حماية ذاتها.

فالعراق ليس شركة مساهمة تُباع أسهمها في أسواق السياسة الدولية، وليس أرضاً بلا ذاكرة ولا شعباً بلا هوية… ؛  إنه وطنٌ صنعته آلاف السنين من التاريخ، وحملته تضحيات أجيال متعاقبة. وإذا كان المستقبل محفوفاً بالمخاطر، فإن امتلاك الوعي بهذه المخاطر، ومواجهتها بعقلانية وحزم وعدالة، يبقى الشرط الأول للحفاظ على النفس الأخير للدولة العراقية، وصون ما تبقى من مشروع الأمة العراقية .