جديد

الإبعاد الخفية لمعضلة فكي كماشة رئيس الوزراء العراقي: بين الغام طهران بالذهاب وخارطة طريق واشنطن بالإياب؟

صباح البغدادي

تتجه بوصلة الإعلامين العراقي والإقليمي وبالأخص الإيراني منتصف تموز المقبل صوب العاصمة الأمريكية واشنطن، في زيارة لا تحمل فقط أبعاداً بروتوكولية اعتيادية لرئيس الوزراء السيد ” علي الزيدي”، بل تتزامن كذلك رمزياً مع اليوبيل الثمانين للرئيس دونالد ترامب. هذه الرمزية الزمنية تضع رئيس الحكومة “الزيدي” أمام استحقاق تقديم “هدية” من نوع خاص تكون لها صدى داخل اورقة البيت الأبيض ؛ هي ليست مادية بالضرورة ــ وأن كانت ــ بل تتمثل في تقديم أوراق اعتماد سياسية والموافقة الضمنية على الشروط والخطوط الحمراء التي رسمتها الإدارة الأمريكية سابقا. ولكن قد نعتبرها بوصف اقرب للدقة بأنها قمة ستكون بمجملها لصياغة “خارطة الطريق” التي ستحدد ملامح ونفوذ الحكومة العراقية للسنوات الأربع القادمة، وتضعها أمام اختبار حقيقي لكيفية موازنة علاقاتها بين واشنطن وطهران مرورآ بالاقليمها العربي وبالأخص الخليجي ؟ فهذه الزيارة المرتقبة ليست مجرد جولة دبلوماسية، بل , ونحن على يقين تام بأنها أصبحت في نظر الحرس الثوري الإيراني والفصائل الولائية العقائدية العابرة للحدود بمثابة تهديد وجودي مباشر. وتدرك هذه القوى أن حصول حكومة “الزيدي” على دعم مطلق وضوء أخضر من إدارة الرئيس ترامب سيعني تدشين مرحلة “تفكيك النفوذ الموازي” وإن الشروط الأمريكية المطروحة—من إنهاء السلاح العابر للحدود إلى تجفيف منابع اقتصاد الظل الإيراني—تُمثّل في جوهرها تجريداً تدريجياً لهذه الفصائل من أسلحتها السياسية والمالية والعسكرية، مما يفسر حالة الاستنفار والقلق الشديد التي تسود أروقة القرار في طهران وبغداد على حد سواء حاليآ.ولم يعد العراق بالنسبة لإيران مجرد نفوذ سياسي فقط او حتى حديقة خلفية، بل هو الرئة الاقتصادية الكبرى للالتفاف على العقوبات الدولية. وتجفيف “اقتصاد الظل” يعني حرفياً خنق الموازنة الموازية للحرس الثوري، مما يجعل معركة طهران ضد خارطة طريق واشنطن معركة “بقاء مالي” لا تقبل المساومة عليها؟.

أمام هذا السيناريو، تبدو خيارات قوى الإطار التنسيقي والفصائل ذات التمثيل البرلماني ضيقة ومعقدة للغاية. لان مجرد أن يتم الترويج لفكرة اللجوء إلى الخيار التقليدي بإسقاط حكومة “الزيدي” تحت قبة البرلمان ستتحول إلى مغامرة غير محسوبة العواقب وتأتي بنتائج عكسية تماماً. واشنطن، التي ترسم خارطة طريق لعدة سنوات قادمة، لن تقف متفرجة؛ بل ستكون العقوبات الخزانة الأمريكية بالمرصاد فوراً لكل جهة أو شخصية سياسية وبرلمانية تحاول تقويض الحكومة أو عرقلة مسارها أو حتى وضع العصي في عجلة خارطة الطريق المرتقبة ؟ وهذا ما سوف يتجاوز الردع الأمريكي لمجرد حماية شخص رئيس الوزراء إلى فرض “فيتو” حاسم ومسبق ضد أي بديل حكومي تحاول الفصائل العقائدية الولائية طرحه أو فرضه إذا فكرت بأسقاط حكومة الزيدي . لان أي محاولة لرفض الالتزامات الدولية لبغداد أو التمرد على التفاهمات مع واشنطن، ستضع النظام السياسي العراقي برمته في مواجهة حزمة عقوبات مالية ومصرفية خانقة، مما يجعل تكلفة إسقاط الحكومة بالنسبة لقادة الإطار التنسيقي أعلى بكثير من تكلفة التعايش مع شروطها الصعبة التي سوف تخضع لها مجبرة ومكرهة وبصورة اقل ما يقال عنها بانها قسرية.

بينما يحزم “الزيدي” حقائبه صوب واشنطن، لا يبدو أن طهران ستكتفي بموقف المتفرج؛ إذ سوف يبدأ الإعلام الإيراني الموجه والمقرب من الحرس الثوري (مثل وكالتي “تسنيم” و”فارس”) بصياغة ووضع روايات استباقية مفخخة تهدف إلى محاصرة رئيس الوزراء العراقي سياسياً قبل وصوله إلى البيت الأبيض. وسيجد رئيس الوزراء نفسه في منطقة رمادية ضيقة؛ فالانصياع التام لواشنطن يعني صداماً داخلياً حتمياً مع الفصائل، والرضوخ لضغط طهران يعني انتحاراً اقتصادياً وسياسياً للعراق تحت مقصلة العقوبات وفيتو الفيدرالي الأمريكي.وقد تتلخص هذه الألغام في ثلاثة مسارات رئيسية:

  • لغم “التبعية وتصفية القضية”: يركز الإعلام الإيراني على تصوير أي موافقة عراقية على الشروط الأمريكية بشأن السلاح أو المال كـ”صك استسلام” أو “خيانة للمحور”، محاولاً شحن الشارع الولائي في العراق لإنتاج موجه رفض شعبي وسياسي تسبق الزيارة.
  • لغم التلويح بـ”الفوضى الأمنية”: بعيداً عن الغرف الدبلوماسية، يبعث الحرس الثوري برسائل ميدانية مبطنة عبر وكلائه، مفادها أن تفكيك المنظومة المالية لاقتصاد الظل أو المساس بهيكلية الحشد الشعبي سيعني “تصفير الاستقرار الأمني” واستهداف المصالح النفطية والغربية داخل العراق، لتبدو حكومة الزيدي عاجزة عن ضبط الأمن إن تخلت عن الفصائل.
  • لغم “الاتفاق الإيراني-الأمريكي المعاكس”: تحاول طهران توظيف أجواء التهدئة الدبلوماسية الأخيرة ومذكرات التفاهم التي تم التوصل إليها مع إدارة ترامب مؤخراً لإقناع الأطراف العراقية بأن واشنطن قد تبيع بغداد في أي لحظة، وبالتالي فإن الرهان على الغطاء الأمريكي المطلق هو “رهان خاسر” على المدى الطويل.

اما ألغام طريق الذهاب والتطويق الإعلامي والميداني ومن خلال تحرك طهران عبر الحرس الثوري وأذرعها الإعلامية والسياسية في العراق لزرع الألغام في طريق الذهاب بهدف تجريد رئيس الوزراء من أوراق المناورة قبل جلوسه مع إدارة ترامب والذي سوف يسعى الإعلام الإيراني والموالين له داخل العراق إلى تصوير أي موافقة عراقية على الشروط الأمريكية كـ”صك استسلام” للبيت الأبيض، بالتزامن مع تلويح ميداني مبطن من الحرس الثوري بأن المساس باقتصاد الظل أو السلاح العابر للحدود سيعني “تصفير الاستقرار الأمني” واستهداف المصالح النفطية في العراق، لإظهار الحكومة عاجزة قبل وصولها لواشنطن.

وفي المقابل، لن تمنح واشنطن صكوك غفران سياسية أو اقتصادية مجانية، بل ستضع أمام رئيس الوزراء خارطة طريق مشروطة وجدولاً زمنياً صارماً وقد يمتد لأقل من سنة واحدة وتحت الاختبار والمراقبة اللصيقة من قبل مبعوث الرئيس نرامب توم باراك:

ما قد تطلبه الإدارة الأمريكية بوضوح
1. احتكار الدولة للسلاح (الأولوية الأمنية الأولى):
واشنطن ستطالب بجدول زمني واضح وملموس لدمج أو نزع سلاح الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة، خاصة تلك المرتبطة بإيران. الهدف: الانتهاء من هذا الملف بحلول سبتمبر 2026، موعد انسحاب التحالف الدولي من مهمته ضد داعش. سيشمل ذلك وقف الدعم المالي الحكومي (رواتب، عقود) للمجموعات غير المتكاملة، وفرض سيطرة حقيقية على الحشد الشعبي اقتصادياً وعسكرياً.
2. إغلاق المنافذ الاقتصادية للنفوذ الإيراني:
تنظيف مزاد العملة (الدولار) بشكل جذري لمنع الالتفاف على العقوبات الأمريكية.
البحث الجاد عن بدائل للغاز والكهرباء الإيرانيين من دول الخليج (السعودية، قطر، الإمارات).
مكافحة الفساد في المؤسسات الحكومية بطريقة تطال الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالفصائل، مع رقابة أمريكية غير مباشرة على التدفقات المالية.
3. إصلاحات اقتصادية واستثمارية مقابل الدعم الكامل:
الدعم الأمريكي (استثمارات، تسهيلات مالية، حماية سياسية) لن يكون مجانياً. مقابل تقدم حقيقي في النقاط أعلاه، قد تقدم واشنطن:
تسهيلات في الوصول إلى الأسواق الأمريكية والدولية.
دعم لمشاريع البنية التحتية والطاقة.
ضمانات أمنية طويلة الأمد (تدريب، معلومات استخباراتية، تعاون أمني).
4. إعادة توازن السياسة الخارجية العراقية:
الإدارة الأمريكية تسعى لأن يكون العراق شريكاً موثوقاً وليس ساحة نفوذ لإيران. هذا يعني تقليص الدور الإقليمي للفصائل في “محور المقاومة”، وتعزيز العلاقات مع دول الخليج والأردن، مع الحفاظ على علاقات دبلوماسية طبيعية مع طهران دون تبعية استراتيجية.

إنهاء سيادة السلاح الموازي: وضع سقف زمني لإنهاء ظاهرة الفصائل العابرة للحدود وتحجيم مؤسسة الحشد الشعبي وإخضاعها بالكامل للقرار العسكري الرسمي.
شلل طريق الإياب (تفخيخ خارطة الطريق): يكمن التحدي الحقيقي في اليوم التالي للزيارة؛ فعندما يعود “الزيدي” حاملاً خارطة طريق مدعومة أميركياً لتفكيك النفوذ الموازي، سيصطدم بـ”ألغام برلمانية وقانونية” جاهزة ومعدة مسبقاً من قوى الإطار التنسيقي والفصائل. الهدف الإيراني هنا هو جعل خارطة الطريق “حبراً على ورق” عبر افتعال أزمات سياسية متلاحقة تشل حركة الحكومة وتمنعها من تنفيذ التزاماتها تجاه واشنطن، دون الحاجة لإسقاطها علناً تجنباً للعقوبات الأمريكية الفورية.

تفكيك اقتصاد الظل: إلزام بغداد بقطع الشرايين المالية السرية التي تتنفس منها طهران للالتفاف على العقوبات الدولية.

وتكمن المعضلة الخفية لرئيس الوزراء في كيفية تحويل “الدعم الأمريكي المطلق” إلى مصدّات داخلية تحميه من لغم الشلل أو الاغتيال السياسي فور عودته:

يدرك “الزيدي” أن خارطة الطريق هي طوق النجاة الاقتصادي للعراق، لكنه يعلم أيضاً أن التطبيق الحرفي الفوري لها قد يفجر الجبهة الداخلية. البُعد الخفي الحقيقي في مناورته بواشنطن سيكون محاولة كسب “مرونة زمنية” من إدارة ترامب لتنفيذ الشروط خطوة بخطوة، لتفادي الارتطام المباشر بألغام الحرس الثوري في بغداد

الزيدي في زيارته الخارجية الأولى واختيار واشنطن بدلا من طهران وبحجة الظروف التي تمر بها وهذا ما انقذه من خلال طوق ما تمر به طهران حاليا وانشغالها في بنود الاتفاق الأمريكي إلى ، إلا أن الأمر تجاوز هذه النقطة الآن. ومع ذلك، على الوفد الذي سيختاره الزيدي أن يتحلى بأقصى درجات الحذر عند اختيار أعضائه، وأن يبتعد قدر الإمكان عن الشخصيات والمسؤولين المرتبطين بالفصائل الولائية العقائدية العابرة للحدود، لأن وجودهم قد يسبب له حرجاً كبيراً أمام الجانب الأمريكي. وكما يتوجب على الزيدي أخذ الحيطة والحذر الشديدين، إذ من المرجح أن تنتقل جميع محاضر الاجتماعات التي سيجريها في واشنطن — وحتى المحادثات الجانبية البعيدة عن الأعلام والصحافة — إلى طهران بسرعة. وهذا سيسمح للجانب الإيراني بوضع خطة استباقية لمواجهة «خارطة الطريق» التي قد يعود بها الزيدي إلى بغداد، والتي سيروج لها على أنها التزامات أمريكية واجبة التنفيذ لإرضاء واشنطن.
وعلى الرغم من الاحتفاء الذي أبداه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الوزراء علي الزيدي ودعوته الرسمية إلى واشنطن، إلا أن إدارته لا تزال تلوح بـ«سلاح العقوبات» وترهن الإفراج عن عائدات الدولار من إيرادات النفط العراقي بمدى استجابة بغداد لشروط قاسية. وتتصدر هذه الشروط مطالب واضحة: حصر السلاح بيد الدولة، فك الارتباط الاستراتيجي بإيران، ومنع الفصائل المسلحة العقائدية من الحصول على أي تمثيل سياسي.
كما توجد نقطة مهمة ربما أغفلها الإعلام الحكومي حتى الآن، لكنها تبدو ضرورية ومرجحة أن تُطرح في هذه الزيارة (ولو بعيداً عن أعين الصحافة والإعلام): ضرورة فصل رجال الدين التابعين للحشد الشعبي وقياداتهم عن الهيكلية الاقتصادية للدولة.

إن رئيس الوزراء العراقي وبتوجه إلى واشنطن وهو يحمل ملفات لا تقبل السير في المنطقة الرمادية. فإما الانخراط الكامل في خارطة الطريق الأمريكية لتأمين الغطاء السياسي والاقتصادي لولاية مستقرة أمدها اربع سنوات أو اكثر بقليل ، أو مواجهة ارتدادات الداخل المقيد بقرارات الفيدرالي وعقوبات الخزانة. والأيام التي تلي قمة تموز لن تكون كما قبلها، والعراق مقبل على إعادة هيكلة قسرية لنفوذ السلاح والمال، حيث باتت خيارات الفصائل محصورة بين الانحناء للعاصفة أو الانتحار السياسي.وعلى حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي أن تدرك جيداً أن المعركة الحقيقية لن تكون فقط في أروقة واشنطن أو طهران، بل ستُحاك في الظلام داخل العراق نفسه. هناك جهات متعددة تعمل بصمت على إسقاط الحكومة، ليس بالضرورة عبر انقلاب سياسي، بل بإسقاطها في نظر الشارع العراقي من خلال تأليب الرأي العام، وتفجير الأزمات الاقتصادية والخدمية، واستغلال المواسم الدينية والطائفية.