رياض سعد
في مدارات زُحل، حيث الجاذبية فكرة واهية والوقت يُقاس بنعومة اهتزاز الحلقات الكونية، كان نيرا ونورا يرقصان برئتين من ضوء…
لم تكن الكلمات قد اختُرعت بعد؛ كان التفاهم بينهما يتدفق عبر نبضات شفقية تنبعث من حدقات عيونهم السائلة… ؛ كان الوجود خفيفاً، كأنهم محض أفكار في مخيلة كائن مطلق…
عند الحافة الغربية للصخور الميثانية، تجمّد تيار الضوء بينهما… ؛ أرسل نورا إشارة بصرية مشوبة بالرماد:
«عُد يا نيرا.. الآباء عبروا ثقب السديم نحو مجرة الهول… ؛ غادروا ليفتتوا عظام العدم، وتركوا كينونتنا هشة بلا غلاف مغناطيسي يحمينا… , الصخور الغربية تنضح بالعدمية، لا تذهب!»
ومضت عينا نيرا ببريق قرمزي مطمئن: «سأعود قبل أن يلتهم لقِران الأكبر قمرَ إنسيلادوس».
لكن الأقدار الكونية لا تنتظر اكتمال المدارات…
انشق سقف السماء الزُحلية عن فراغٍ أسود متخثر… ؛ و هبطت مركبة تشبه عنكبوتاً هندسياً مصبوغاً بالظلام المطلق، كأنها ثقب أسود تم تشكيله على هيئة آلة… ؛ لم يكن لها صوت، بل كانت تبث “تردداً من الرعب النقي” يجعل الذرات تتوقف عن الدوران.
قبل أن يرتد ارتعاش نيرا، امتد خرطوم هيدروليكي يتلوى كأفعى من الأبعاد الفوقية، شفط كينونته النورانية وابتلعه في جوف الآلة.
استيقظ نيرا داخل قاعة مغمورة باحمرار قاني، احمرار يشبه دماء الكائنات الميتة الارضية… هُناك، كان ينتظره المجلس المظلم: تسعة عشر كائناً شامخاً كالبروج، ملامحهم تسيح وتعيد تشكيل نفسها كشياطين منبثقة من وعي مرير…
كانت أنفاسهم تقذف غازاً ساماً يجمد الخيال، وعيونهم تطاير منها شرر هو في الحقيقة بقايا أكوان أبادوها.
كانت أيديهم امتداداً لسبع شفرات ملساء، حادة لدرجة أنها قادرة على قطع النسيج الزمكاني نفسه.
ساد صمت مطلق؛ صمت اللامبالاة الكونية التي لا تكره ولا تحب، بل تعبر فوق الضحية كأنها غير موجودة… ؛ اذ تقدم ثلاثة منهم، وبحركة هلامية رفعوا نيرا ووضعوه على سرير من “الرماد الأزلي”.
في تلك اللحظة، تجمد وعيه، وشُلّت قدرته على التلاشي.
اقترب سبعة من الكهنة المظلمين، وفتحوا أفواههم لتنطلق منها “ألسنة النار الصافية” — نيران لا تحرق الجسد، بل تذيب الروح وتكثف الأبعاد… ؛ شعر نيرا بحرارة ميتافيزيقية خارقة، حرارة سحقت أبعاده النورانية الخفيفة، وعصرت كينونته الهائلة، حتى تحول إلى خلية حية وحيدة، مشحونة بوعي كوني مضغوط.
أُلقيت الخلية داخل نيزك من حجر السجيل الأسود، وانطلقت القذيفة الكونية بسرعة تفوق الضوء نحو نقطة منسية في مجرة درب التبانة… نحو كوكب أزرق بدائي يُدعى الأرض…
انفجر النيزك فوق قارة آسيا، مدفوناً في طمي نهرين عظيمين… ؛ عبر دهور سحيقة، نامت تلك الخلية تحت وعي الأرض، حتى استيقظت قبل آلاف السنين في أصلاب السومريين.
ولد نيرا أول مرة كجسد طيني لرجل يُدعى أنكيدو، واختبر لأول مرة معنى الجوع، الخوف، وبكاء الفناء… ؛ ومنذ تلك اللحظة، رُبطت روحه الزُحلية بعجلة التناسخ والتناسل الرافديني.
* مات في الحروب الأشورية مصلوباً على الأسوار.
* بكى سقوط بابل وهو يرى ألسنة اللهب تلتهم المكتبات.
* تجرع سموم الصراعات العباسية، وجلس فوق رماد بغداد يوم قذف التتار الكتب في النهر.
استمرت روحه الهاربة من زحل تنتقل من صلبٍ إلى صلب، حتى استقرت أخيراً في جسد رجل جنوبي عراقي، يرتدي الكوفية، وتجاعيد وجهه تلخص خرائط الأنهار الجافة.
اليوم، يقف نيرا على ضفاف هورٍ جنوبي جاف، ينظر إلى السماء في الليالي التي يظهر فيها كوكب زحل كنجمة صغيرة باهتة… ؛ إنه يعيش انفصاماً وجودياً مرعباً، محاصراً بين مرارتين:
مرارة الحنين الرهيب: ذكرى خفته الأولى، حيث كان يطير بلا جسد، ويفهم نورا بلا كلمات، في كوكب آمن لم يعرف القيد أو الجاذبية.
مرارة الواقع الطيني: آلام العيش في أرض الرافدين، حيث الحروب تولد من رحم الحروب، وحيث التاريخ يكرر مجازره بدقة دائرية قاتلة… ؛ أصبح جسده البشري قفصاً، ووعيه الكوني لعنة.
يرفع نيرا عينيه المتعبتين إلى الفراغ، ويرسل نبضة وعي ؛ ليست صلاة دينية، بل نداء استغاثة فلسفي موجه إلى مهندس الكون الأعظم:
«يا منسق الأبعاد وباعث النور في السدم… , إن كان لا بد لي من الفناء، فأفنني في العدم المطلق… ؛ لا تعيدني إلى هذه الأرض الطينية، ولا تسلط عليّ عصابة التسعة عشر عفريتًا ليقذفوني في كوكب أشد بؤساً… ؛ لقد تعبت من حمل وعي زُحلي في جسد من تراب العذاب».
وينطفئ البريق في عينيه، بينما يمر قطار الوقت محملاً بغبار المعارك المستمرة.