راعي الظلمات في مزرعة الاحزان الكونية

رياض سعد

في الأزمنة التي لم تكن فيها المجرات سوى أفكارٍ تتقلب في نوم الكون، كانت هناك مدينة ضوئية معلقة فوق غيوم نبتون، لا تعرف الموت ولا الزمن ولا الحنين.

هناك وُلد كائن اسمه أوريل.

لم يكن جسداً كما نفهم الأجساد، بل وعياً صافياً يتخذ هيئة الضوء حين يشاء وهيئة الموسيقى حين يفكر.

وكان يجهل شيئاً واحداً فقط:

الألم.

في الجهة الأخرى من الكون كانت تعيش سلالة تدعى جامعو الظلال.

لم يكونوا أشراراً بالمعنى الأخلاقي، بل كانوا مخلوقات طفيلية لا تستطيع العيش إلا على الطاقة الناتجة من الخوف والذل والكراهية واليأس.

وكانت الأرض بالنسبة لهم حقلاً هائلاً للطاقة.

لكنهم احتاجوا إلى شيء نادر:

روحاً سماوية نقية تُغمس في الجحيم البشري.

فكلما ازداد نقاء الروح ازداد إنتاجها للطاقة السلبية عندما تتعذب.

ولهذا اختطفوا أوريل.

استيقظ داخل قفص من مادة سوداء لا تشبه أي عنصر معروف.

قال أحدهم:

هل يدرك ما سيحدث؟

أجاب آخر:

لا. إنه لم يختبر الألم قط.

ضحك الثالث:

إذن سيكون محصولنا وفيراً.

هبط النيزك الذي يحمل أوريل في قلب إفريقيا.

كان ذلك في زمن سلاسل الحديد وأسواق البشر.

استيقظ هذه المرة داخل جسد طفل أسود البشرة.

جائع.

مرتعب.

عطشان.

محاصر بالجلد والعظم والدم.

ولأول مرة فهم معنى أن يكون للوعي حدود.

رأى القرى تحترق.

رأى الأطفال يُفصلون عن أمهاتهم.

رأى الرجال يُربطون بالحبال كما تُربط الحيوانات.

رأى البشر يبيعون البشر.

وكان في كل ليلة يشعر بشيء غريب:

كأن السماء بعيدة جداً.

بعيدة إلى درجة الألم.

حين بلغ السادسة عشرة اقتيد إلى الساحل.

سلسلة حديدية حول عنقه.

ومئات الأسرى من حوله.

وقف أمام البحر.

لم يكن يعرف اسمه.

لكنه شعر أن المحيط كله يبكي.

داخل السفينة المظلمة بدأت سنوات الجحيم.

الجوع.

الأوبئة.

الرعب.

الجثث.

العتمة.

رائحة الموت.

وكان جامعو الظلال يحومون حول السفينة غير مرئيين، يجمعون ما يتساقط من أرواح البشر كالفلاح الذي يجمع محصوله.

وصل إلى أمريكا.

بيع في مزاد.

ثم بيع مرة أخرى.

ثم مرة ثالثة.

وصار اسمه يتغير كلما تغير مالكه.

حتى نسي اسمه الأول.

حتى نسي أنه جاء من النجوم.

حتى نسي أنه كان نوراً.

لكن شيئاً واحداً لم يختف.

كلما نظر إلى السماء ليلاً كان يشعر بأن هناك أحداً ينتظره.

في مكان بعيد جداً.

خلف زحل.

خلف أورانوس.

عند الحواف الزرقاء لنبتون.

مرت القرون الضوئية وانصرمت الازمنة السرمدية .

وأوريل لا يموت.

كان يتقدم في العمر ثم يتراجع.

يمرض ثم يتعافى.

كأن قوة مجهولة تمنعه من الرحيل.

وكان جامعو الظلال سعداء.

لقد صار منجماً لا ينضب للطاقة.

وفي القرن العشرين أدركوا أن جسده بدأ ينهار أخيراً.

اقترب موعد الموت.

وكانوا لا يريدون خسارة مشروعهم الأعظم.

لذلك قرروا أمراً لم يحدث من قبل.

رفعوه سراً إلى أعلى هرم السلطة العلمية.

دفعوا المصادفات.

حرّكوا الاحتمالات.

فتحوا الأبواب المغلقة.

حتى وجد أوريل نفسه بعد سنوات يعمل في وكالة ناسا.

لم يفهم كيف وصل.

لم يفهم كيف أصبح رائد فضاء.

لكنه كان يشعر أن قوة خفية تقوده.

وفي إحدى الرحلات البعيدة، عندما تجاوزت المركبة حدود المدارات المألوفة، حدث ما لم يتوقعه أحد.

بدأت ذاكرته تستيقظ.

رأى المدينة الزرقاء.

رأى بحار نبتون.

رأى ذاته القديمة.

رأى لحظة اختطافه.

ورأى جامعي الظلال.

كلهم.

فهم الحقيقة فجأة.

لم يُرسل إلى الأرض عقوبة.

ولم يكن عبداً بالصدفة.

لقد كان بطارية كونية.

آلة لإنتاج الحزن.

مزرعة متنقلة للطاقة السلبية.

اقتربت المركبة أكثر.

ومع كل مليون كيلومتر كان جزء من وعيه السماوي يعود.

بينما كانت أجساد جامعي الظلال في أبعادهم البعيدة تبدأ بالاضمحلال.

لقد انقطع عنهم المورد.

عندما وصل إلى تخوم نبتون، لم يعد يرى الأرض.

كانت مجرد نقطة غبار في الظلام.

عندها سأل السؤال الذي ظل يطارده آلاف السنين:

“إذا كان الألم وقوداً للشر، فلماذا وُجد أصلاً؟”

ولم يجبه أحد.

لكن شيئاً أعظم من الجواب مرّ داخله.

أدرك أن الألم لم يخلق من أجل جامعي الظلال.

بل لأن الوعي نفسه لا يستطيع معرفة حقيقته من دون أن يختبر النقص.

وأن المنفى هو الثمن الذي تدفعه الروح كي تعرف قيمة الجوهر.

وحين وصل إلى المكان الذي جاء منه أول مرة، لم يجد المدينة.

لم يجد أهله.

لم يجد أحداً.

كانت آلاف السنين قد مرت هناك أيضاً.

اختفى كل شيء.

حتى الذكرى.

عندها ابتسم أوريل ابتسامة كونية للمرة الأولى منذ قرون.

وفهم الحقيقة الأخيرة:

لم يكن الوطن نبتون.

ولم تكن الأرض سجناً.

ولم يكن العبيد وحدهم أسرى.

كان الكون كله منفىً عظيماً يبحث فيه الوعي عن بيتٍ لن يجده أبداً.

ثم انطفأت أجهزة المركبة.

واختفى أوريل في الضوء.

بينما بقي السؤال معلقاً في ظلمة الكون:

هل النجاة هي العودة إلى الوطن…

أم التحرر من الحاجة إليه؟