الأمة الحية بين التعدد والوحدة: كيف تنهض الأمم وكيف تسقط؟

سلسلة الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (10)

رياض سعد

إن من أكبر الأخطاء الفكرية النظر إلى وحدة الأمة على أنها تعني التطابق الكامل بين أبنائها، أو غياب الاختلاف في الرأي والاجتهاد والتصور… ؛ فالأمم الحية لا تُعرف بغياب التعدد، بل بقدرتها على تحويل هذا التعدد إلى مصدر قوة وإبداع وتجدد… ؛  أما الأمم الميتة أو المتكلسة فهي تلك التي تفقد قدرتها على إنتاج الأفكار والقيادات والمبادرات، فتتحول إلى كتل بشرية ساكنة تعيش على أمجاد الماضي أو تستسلم لواقعها دون مقاومة.

*الأمة الحية وصناعة النخبة

إن الأمة الحية هي الأمة القادرة على إنتاج نخبتها الفكرية والسياسية والثقافية بصورة مستمرة… ؛  ففي داخلها تنشأ المدارس الفكرية المختلفة، وتتعدد الرؤى والاجتهادات، وتتنافس الجماعات الوطنية على تقديم المشاريع الأكثر قدرة على خدمة المجتمع وتحقيق مصالحه العليا.

وهذا التعدد لا يمثل خطراً على الأمة، بل هو أحد أهم مؤشرات صحتها وحيويتها… ؛  فالاختلاف في الرأي ليس مرضاً، وإنما المرض الحقيقي هو الجمود الفكري، والاستسلام، والتعصب , والعجز عن إنتاج البدائل والحلول.

فالأمم القوية عبر التاريخ لم تكن أمماً صامتة، بل كانت تعج بالمفكرين والفلاسفة والمصلحين والزعماء والتيارات المختلفة التي تتنافس على قيادة المجتمع نحو الأفضل… ,  ومن خلال هذا الحراك المستمر تتشكل النخب القادرة على تشخيص الأزمات ورسم مسارات المستقبل.

*الفرق بين الأمة الحية والأمة المريضة

الأمة الحية هي التي تمتلك وعياً بذاتها ورسالتها ومصالحها، وتملك القدرة على مراجعة أخطائها وتصحيح مسارها، وتنتج باستمرار قيادات جديدة وأفكاراً جديدة تتلاءم مع تحديات العصر.

أما الأمة المريضة فهي التي تفقد ثقتها بنفسها وتصبح أسيرة للخرافات أو العصبيات أو الولاءات الضيقة أو العابرة للحدود … ؛  وفي هذه الحالة يتراجع الولاء للمصلحة العامة لحساب المصالح الفئوية والطائفية والعشائرية والقومية الضيقة.

أما الأمة المنهزمة فهي تلك التي تفقد إرادتها التاريخية بالكامل، فتعيش على هامش الأمم الأخرى، وتستهلك أفكارها ومشاريعها دون أن تمتلك مشروعاً خاصاً بها أو رؤية مستقلة لمستقبلها.

ولهذا فإن أخطر ما يصيب الأمم ليس الفقر المادي، بل الهزيمة النفسية والعقلية التي تجعلها عاجزة عن إنتاج القيادة والرؤية والقرار.

*القيادة الواعية ودورها في توجيه الأمة

لا تنهض الأمم الكبرى بصورة عفوية، بل تحتاج دائماً إلى نخب واعية وقيادات حكيمة تمتلك القدرة على قراءة الواقع وفهم حركة التاريخ وتشخيص المخاطر والفرص.

وهذه النخبة لا تستمد شرعيتها من القوة المجردة أو من الشعارات الرنانة، بل من قدرتها على التعبير عن مصالح الأمة الحقيقية وتقديم مشروع جامع يتجاوز الانقسامات الثانوية.

فعندما تنجح القيادة الواعية في تقديم رؤية واضحة ومقنعة، فإن الأمة تلتف حولها بصورة طبيعية، لأنها ترى فيها تعبيراً عن آمالها وتطلعاتها ومصالحها العليا… ؛ وهكذا تتحول العلاقة بين الأمة وقيادتها إلى علاقة ثقة متبادلة تقوم على الإدراك المشترك للمصير الواحد.

إن جميع التحولات الكبرى في التاريخ كانت ثمرة التفاعل بين أمة تمتلك قابلية النهوض ونخبة تمتلك القدرة على التوجيه… ؛  فلا الأمة تستطيع النهوض بلا قيادة، ولا القيادة تستطيع النجاح بلا أمة واعية تتبنى مشروعها.

*خطر التشتت ورفض القيادة الحكيمة

إن الخطر الحقيقي الذي يهدد الأمم لا يكمن في وجود الجماعات أو الأحزاب أو المكونات المختلفة، فالتنوع ظاهرة طبيعية في كل مجتمع حي… ؛ وإنما يكمن الخطر في تحول هذا التنوع إلى حالة من الصراع والتناحر والتفكك.

فالأمم لا تسقط بسبب تعدد مكوناتها، بل تسقط عندما تفقد الرابط الجامع الذي يوحد تلك المكونات داخل مشروع وطني أو حضاري مشترك.

ولذلك فإن المشكلة ليست في وجود العرب والكرد أو المسلمين والمسيحيين أو القبائل والعشائر أو الأحزاب والتيارات، بل في غياب الفكرة الجامعة التي تجعل الجميع يشعرون بأنهم شركاء في مصير واحد.

وعندما تفشل الأمة في الالتفاف حول قيادة حكيمة ومشروع جامع، فإن الفراغ الناتج سرعان ما تملؤه المشاريع الجزئية والانقسامات الضيقة، فتتحول الجماعات من روافد قوة إلى مراكز تنازع وصراع.

*الأمة العراقية نموذجاً

ومن هنا تبرز أهمية فكرة الأمة العراقية بوصفها الإطار الجامع الذي يحتوي جميع مكونات المجتمع العراقي… ؛  فالعراق لم يكن عبر تاريخه أمة أحادية اللون أو اللغة أو الدين، بل كان دائماً فسيفساء حضارية غنية ومتنوعة.

لكن قوة العراق التاريخية لم تكن في هذا التنوع وحده، بل في قدرته على صهر هذا التنوع داخل هوية عراقية عليا تتجاوز الانتماءات الفرعية دون أن تلغيها.

إن الخوف على العراق لا يأتي من وجود التعدد القومي أو الديني أو المذهبي، وإنما يأتي من غياب المشروع الوطني الجامع ومن عجز النخب عن إنتاج رؤية توحد العراقيين حول مصالحهم المشتركة ومستقبلهم المشترك.

فالتنوع حين تديره الحكمة يتحول إلى مصدر غنى وقوة، أما حين يغيب الوعي الجامع فإنه يتحول إلى أداة تفكيك واستنزاف.

*خاتمة

الأمة الحية ليست الأمة الخالية من الاختلاف، بل الأمة القادرة على إدارة اختلافاتها ضمن إطار الوحدة… ؛ وهي الأمة التي تنتج نخبتها وقيادتها ومشروعها الحضاري بصورة مستمرة… ؛  أما الأمة المريضة أو المنهزمة فهي التي تفقد بوصلتها الجامعة، وتغرق في صراعاتها الداخلية، وتعجز عن الالتفاف حول قيادة رشيدة ورؤية مشتركة.

فليس الخطر في تعدد الجماعات والتيارات والمكونات، وإنما الخطر في التمزق والتشتت وفقدان المركز الجامع… ؛ ذلك أن الأمم العظيمة لا تُبنى بالتشابه المطلق، بل تُبنى بوحدة الإرادة والمصير، وبقدرة أبنائها على تحويل تنوعهم إلى قوة، وخلافاتهم إلى حوار، ومكوناتهم المختلفة إلى أمة واحدة تتحرك نحو هدف واحد ومستقبل واحد.