الشخصية العراقية أساس النهضة الوطنية

سلسلة الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (11)

رياض سعد

* لا أمة قوية من دون إنسان قوي

لا يمكن الحديث عن أمة عراقية قوية أو مشروع وطني نهضوي حقيقي من دون التوقف عند العنصر الأهم في بناء الأمم والحضارات، ألا وهو الإنسان… ؛  فالأمة ليست مجرد حدود جغرافية، ولا مجرد مؤسسات ودساتير وقوانين، بل هي في جوهرها مجموع الشخصيات الإنسانية التي تشكل نسيجها الاجتماعي والثقافي والحضاري… ؛  ومن هنا فإن قوة الأمة أو ضعفها ليست سوى انعكاس لقوة أو ضعف الشخصية السائدة بين أبنائها.

فالشخصية الإنسانية ليست مجرد مظهر خارجي أو سلوك عابر، وإنما هي منظومة متكاملة من القيم والأفكار والمعتقدات والدوافع النفسية والأنماط السلوكية التي تحدد طريقة تعامل الفرد مع نفسه ومجتمعه ووطنه.

ومن تفاعل العقلية والنفسية تتشكل شخصية الإنسان، ومن الشخصية تتولد الأفعال والمواقف، ومن مجموع هذه الشخصيات تتكون الجماعة، ومن مجموع الجماعات تتشكل الأمة، ومن الأمة تقوم الدولة وتتحرك عجلة التاريخ.

ولهذا فإن الأمم العظيمة لم تُبنَ أولاً بالحجارة ولا بالثروات ولا بالجيوش، وإنما بُنيت بالإنسان الواثق بنفسه، المؤمن برسالته، المعتز بتاريخه، القادر على تحويل طاقاته إلى إنجازات واقعية في مختلف ميادين الحياة.

* الأمة العراقية والشخصية العراقية

إن الحديث عن الأمة العراقية لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن الشخصية العراقية، لأن الأمة ليست كياناً مجرداً يعيش في الفراغ، بل هي تجسيد حي لشخصية الإنسان العراقي في وعيه وسلوكه وإنتاجه وعلاقته بوطنه.

فلا يمكن بناء أمة عراقية قوية إذا كان الفرد العراقي فاقداً للثقة بنفسه، أو مشوش الهوية، أو أسيراً للعصبيات الضيقة، أو مقتنعاً بأن مستقبله مرهون بإرادات خارجية… ؛ كما لا يمكن بناء مشروع وطني متماسك إذا ظل المواطن ينظر إلى نفسه من خلال الانتماءات الثانوية قبل انتمائه إلى العراق بوصفه الإطار الجامع للجميع.

إن نهضة الأمة العراقية تبدأ من إعادة بناء الشخصية العراقية على أسس الثقة بالنفس، واحترام العقل، والإيمان بالعمل، والشعور بالمسؤولية، والاعتزاز بالإرث الحضاري الرافديني، والإيمان بأن العراق ليس مجرد دولة حديثة، بل حضارة ممتدة في أعماق التاريخ الإنساني.

* بين الأمم الواثقة والأمم المهزومة

يمكن تقسيم الأمم في عالم اليوم، من الناحية النفسية والحضارية، إلى نموذجين متمايزين:

النموذج الأول هو الأمة الواثقة بنفسها، التي تؤمن بقدراتها وتاريخها ومقوماتها الحضارية، وتعمل على تطوير ذاتها من خلال العلم والمعرفة والإنتاج والتخطيط الواقعي… ؛ وهذه الأمم لا تنكر أخطاءها ولا تقدس ماضيها بصورة عمياء، لكنها تستلهم من تاريخها عناصر القوة وتوظفها في بناء مستقبلها.

أما النموذج الثاني فهو الأمة المهزومة نفسياً، التي فقدت ثقتها بنفسها وبقدراتها، وأصبحت عاجزة عن إنتاج مشروعها الخاص… ؛  فتراها تتشبث بالخرافات والأوهام، وتغرق في الصراعات الهامشية، وتستهلك طاقاتها في النزاعات الطائفية والمذهبية والقومية والمناطقية، بينما تتراجع قدرتها على الإنتاج والإبداع وصناعة المستقبل.

إن أخطر أشكال الاحتلال ليس احتلال الأرض، بل احتلال العقل… ؛  وأخطر أنواع الهزيمة ليست الهزيمة العسكرية، بل الهزيمة النفسية التي تجعل الإنسان يشكك في ذاته وفي أمته وفي قدرته على التغيير.

* عقيدة الأمة العراقية وبناء الإنسان

إن بناء الشخصية العراقية يتطلب وجود فكرة وطنية جامعة تشكل المرجعية العليا للوعي الجمعي… ,  وهذه الفكرة تتمثل في الإيمان بالأمة العراقية بوصفها إطاراً حضارياً وتاريخياً وإنسانياً يجمع العراقيين على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم.

والمقصود بعقيدة الأمة العراقية هنا ليس العقيدة الدينية، بل الإيمان العميق بوحدة العراق , والاعتقاد بضرورة استعادة اراضيه التاريخية , ومصالحه العليا ومصيره المشترك، والإيمان بأن العراقيين، مهما اختلفت أصولهم وانتماءاتهم الفرعية، يشتركون في وطن واحد وتاريخ واحد ومستقبل واحد.

ومن هنا يجب أن تنطلق العملية التربوية والتعليمية والثقافية من ترسيخ هذا الوعي الوطني، بحيث ينشأ الفرد وهو يدرك أن انتماءه للعراق ليس انتماءً إدارياً أو قانونياً فحسب، بل انتماء حضاري وأخلاقي وتاريخي.

فالمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية مطالبة جميعها بالمساهمة في بناء مواطن يمتلك شخصية مستقلة، وعقلاً نقدياً، وروحاً وطنية، وإحساساً عميقاً بالمسؤولية تجاه وطنه ومجتمعه.

* من الفرد إلى الجماعة ومن الجماعة إلى الأمة

وحين تُبنى الشخصية العراقية السوية، تنشأ الجماعات والمؤسسات على الأساس نفسه… ؛  فتتحول الأحزاب والحركات والنخب والمنظمات الاجتماعية إلى أدوات لخدمة الأمة لا إلى أدوات لتمزيقها.

وعندما تتبنى هذه الجماعات مصالح العراق العليا، وتبني برامجها السياسية والاجتماعية والاقتصادية على أساس خدمة الإنسان العراقي، فإنها تصبح جزءاً من مشروع النهضة الوطنية… ؛ أما عندما تنفصل عن هذا الأساس وتتحول إلى أدوات للصراع والانقسام، فإنها تسهم في إضعاف الأمة وإرباك مسيرتها.

ولهذا فإن معيار نجاح أي مشروع سياسي أو ثقافي أو اجتماعي يجب أن يكون مدى إسهامه في تعزيز وحدة الأمة العراقية، وبناء شخصية عراقية قوية، قادرة على تجاوز الانقسامات الثانوية والعمل من أجل المصلحة الوطنية العليا.

* خاتمة

إن الأمة العراقية لن تنهض بالشعارات وحدها، ولا بالقوانين وحدها، ولا بالمشاريع الاقتصادية وحدها، ما لم يسبق ذلك بناء الإنسان العراقي نفسه… ؛  فالأمة القوية هي انعكاس لشخصيات قوية وواثقة ومنتجة، والأمة الضعيفة هي انعكاس لشخصيات مهزومة وممزقة وفاقدة للبوصلة.

ولهذا فإن معركة العراق الحقيقية ليست معركة حدود أو موارد فحسب، بل هي معركة وعي وهوية وشخصية… ؛  فإذا نجح العراقيون في بناء شخصية وطنية متماسكة تؤمن بالعراق وبقدراته وبمستقبله، فإن نهضة الأمة العراقية ستغدو أمراً ممكناً… ؛ أما إذا بقيت الشخصية العراقية أسيرة الانقسامات والهويات المتنازعة ومشاعر العجز والدونية، فإن أي مشروع نهضوي سيظل ناقصاً وعاجزاً عن تحقيق أهدافه.

فلا أمة قوية بلا إنسان قوي، ولا حضارة بلا شخصية واثقة، ولا مستقبل للعراق إلا من خلال نهضة الشخصية العراقية بوصفها الأساس الذي تقوم عليه الأمة والدولة والمجتمع.