سبتمبر 22, 2026
LOGO

حين يتحول الدخان إلى ثقافة

محمد صالح حاتم

لم يعد الدخان مجرد ولعة، إنما اصبحت جزء من ثقافة دخلية على مجتمعنا؛وخاصة الشيشة والتي وللأسف الشديد لم تعد في بعض الأماكن مجرد جلسة عابرة بين الأصدقاء، ولا مجرد وسيلة للتدخين تُمارس في نطاق محدود؛ فقد بدأت تأخذ مكانًا في تفاصيل اجتماعية لم تكن تعرفها من قبل، حتى وصلت إلى المناسبات والأعراس.

والأكثر إثارة للانتباه أن الحديث لم يعد عن الشباب وحدهم، وإنما عن انتشار الشيشة والمعسل بين الفتيات والنساء، ووصولها إلى بعض صالات الأعراس والمناسبات النسائية، إلى درجة أن يُقال إن بعض القاعات تكتظ بالشيش والمعسل، بل ويصل الأمر في بعض الحالات إلى تضمين الدعوة نفسها ما يفيد السماح بإحضارهما.

هنا لا يعود السؤال متعلقًا بالشيشة وحدها، وإنما بالتحول الذي يحدث في نظرتنا الاجتماعية إلى التدخين.

كيف انتقلت الشيشة من ممارسة محدودة إلى مظهر حاضر في بعض المناسبات؟

وكيف أصبح وجودها في حفلات الزفاف أمرا يمكن الإعلان عنه والتعامل معه كأنه جزء من برنامج المناسبة؟

وهل ننتبه إلى الرسالة التي تصل إلى الفتيات والمراهقات عندما يرون الشيشة موضوعة أمامهن في مناسبة اجتماعية يفترض أن تكون نموذجا للاحتفاء بالحياة والأسرة؟

هذه أسئلة لا ينبغي تجاوزها.

فالشيشة ليست مجرد أداة جميلة الشكل، ولا المعسل مجرد نكهة فاكهية كما توحي بعض الأسماء والعبوات. دخان الشيشة يحتوي على مواد سامة، كما أن الفحم المستخدم في التسخين ينتج أول أكسيد الكربون ومواد أخرى ضارة، والماء الموجود في الشيشة لا يجعل الدخان آمنا.

والقضية تصبح أكثر حساسية عندما تكون الصالة مغلقة وتضم عشرات أو مئات الأشخاص.

ففي هذه الحالة لا يستنشق الدخان مستخدمو الشيشة وحدهم، وإنما يتعرض له الموجودون في المكان أيضا. وإذا كانت المناسبة تضم نساء وفتيات كثيرات، فإن السؤال يصبح: من يحمي غير المدخنات من هذا الدخان؟

ثم هناك جانب آخر لا يحظى بما يكفي من النقاش: الكلفة الاجتماعية والاقتصادية لهذه الظاهرة.

فبدل أن تذهب أموال المناسبة إلى ما يفرح الأسرة ويخدم الضيوف، قد تتحول الشيش والمعسل ومستلزماتهما إلى بند إضافي على صاحب المناسبة. وقد يصل الأمر إلى أن يتحمل أهل العروس تكلفة توفير هذه المواد لضيوفهم وخاصة الفحم .
وهكذا تتحول عادة ضارة إلى التزام اجتماعي؛ من لا يوفرها قد يُنظر إليه وكأنه قصّر، وعيب عليه، ومن يوفرها ينفق عليها حتى لا يقال إنه لم يراعِ رغبات الحاضرين.

إن أخطر ما في بعض العادات ليس انتشارها فقط، وإنما تحولها إلى أمر مألوف يصعب الاعتراض عليه.

والأمر لا يتوقف عند الشيشة التقليدية. فهناك موجة أخرى تتمثل في انتشار السجائر الإلكترونية، التي تُقدم أحيانا بصورة جذابة، وبنكهات وأشكال وتصاميم تستهدف الشباب، وتخلق انطباعا بأنها أكثر أمانا أو أنها مجرد وسيلة ترفيه.

لكن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن السجائر الإلكترونية ليست آمنة، وأن الرذاذ الناتج عنها قد يحتوي على النيكوتين ومواد كيميائية ضارة، وأن النيكوتين شديد الإدمان، مع مخاطر خاصة على الأطفال والمراهقين. كما تشير المنظمة إلى أن تسويق هذه المنتجات للشباب يعتمد بدرجة كبيرة على النكهات والأشكال الجذابة ووسائل التواصل الاجتماعي.

ومن هنا تبرز أسئلة أكبر من مجرد: «هل الشيشة مضرة؟»

لماذا تتوسع محلات بيع الشيش والمعسل بهذا الشكل؟

من يسمح بفتحها؟ وكيف تُراقب؟ وهل توجد اشتراطات واضحة لأماكن بيعها واستخدامها؟ وهل تُراعى أعمار المستهلكين؟ وكيف تُراقب المنتجات الإلكترونية ومحتوياتها؟ ومن يتحقق من المواد والسوائل التي تدخل السوق؟
ولماذا لم يتم الحد من انتشارها؛ ومضاعفة الضرائب والجمارك عليها،حتى ترتفع اسعارها،ولا يعد بمقدور البسطاء وذوي الدخل المحدود من شرائها،والهدف حماية شبابنا وصحة مجتمعنا.

كما يتطلب أن يكون هناك تحري ورقابة على الشيشة الإلكترونية، و المعسلات التي باتت تنتشر محلاتها في كل شارع وحارة، خوفاً من غزو العدو لمجتمعنا بالمنشطات والمخدرات والحشيش.

ولا يجوز اتهام أي محل أو نشاط تجاري بهذا الأمر من دون أدلة، لكن انتشار المخدرات والحشيش ومخاطر وصولها إلى الشباب يجعل من الضروري أن تكون هناك رقابة جادة على الأسواق والمنافذ التي تستهدف هذه الفئة، وأن تُفحص أي بلاغات أو مخالفات وفق القانون.

فالوقاية هنا لا تعني إغلاق الأبواب أمام النقاش، وإنما تعني أن تعرف الجهات المختصة ماذا يُباع، ولمن يُباع، وأين يُباع، وكيف يُستخدم.

كما أن السؤال موجه إلى منظمي المناسبات وأصحاب القاعات: هل من المقبول أن تتحول قاعة العرس إلى مكان مغلق تمتلئ أجواؤه بدخان الشيش والمعسل؟

وهل يجوز أن تصبح عبارة «الشيشة والمعسل مسموح بهما» جزءًا من دعوة زفاف، وكأننا نعلن عن وجبة أو فقرة ترفيهية؟

إن الحفاظ على عادات المجتمع وتقاليده لا يعني رفض كل جديد لمجرد أنه جديد، لكنه يعني أيضا ألا نسمح لعادات ضارة بأن تتسلل إلى حياتنا حتى تصبح جزءا من المناسبات ثم تتحول إلى أمر طبيعي.

والأخطر أن الاعتياد على رؤية النساء والفتيات يدخنّ الشيشة في المناسبات قد يزيل الحاجز النفسي والاجتماعي أمام التدخين، فيتحول ما كان مستهجنا إلى سلوك عادي، ثم إلى عادة، ثم إلى إدمان.

وهنا لا ينبغي أن تكون المواجهة مع الفتاة أو المرأة التي وقعت في التدخين، وإنما مع السوق الذي يزين التدخين، والمحتوى الذي يروّج له، والمناسبة التي تمنحه شرعية اجتماعية، والرقابة التي تسمح بانتشاره دون ضوابط كافية.

إن القضية أكبر من شيشة توضع على طاولة.

إنها قضية مجتمع يتساءل: أي صورة نريد أن نقدمها لأبنائنا وبناتنا عن الفرح والحياة؟

هل نريد أن يرتبط الفرح بالدخان والنكهات الصناعية والنيكوتين؟

أم نريد أن تبقى الأعراس مناسبات للحياة والبهجة وصلة الرحم، لا مناسبات لتوسيع سوق الإدمان؟

إن مواجهة الظاهرة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والإعلام والمجتمع، لكنها لا تكتمل من دون دور واضح للجهات الرقابية والجهات المختصة بمنح التراخيص ومراقبة الأسواق.

فالشيشة ليست مجرد «جلسة»، والإلكترونية ليست مجرد «بخار»، والمعسل ليس مجرد «نكهة».

وحين يصبح التدخين جزءًا من طقوس الفرح، فإن الخطر لا يعود في الدخان وحده، وإنما في أن يتحول الدخان إلى ثقافة.

#قرارك_يحميك
#الحملة_الوطنية_الثانية_عشرة_للتوعية_بمخاطر_التدخين
#صندوق_مكافحة_السرطان