رياض سعد
أستيقظتُ مرعوبًا.
كانوا يبحثون عني في الطرقات، في الأزقة الضيقة التي تحفظ خطوات الهاربين، في بيوت الجيران والأصدقاء والأقارب، كأن المدينة كلها تحوّلت إلى فمٍ كبيرٍ يلفظ أسماءنا واحدًا واحدًا.. ؛ ذهبوا إلى المعهد، ثم إلى دكاني الصغير- محلّ تجارتي البسيطة- فلم يجدوني.
لكن الصدفة السيئة، ذلك الطالع الذي لا يخطئ في اصطياد الضعفاء، جمعتني بهم عند عودتي إلى البيت، حين قررت أن أهرب إلى نوم قيلولة قصيرة، كنت متعبًا كمن يجرّ عمره على إسفلتٍ ساخن.
رأيتهم.
أبصروني.
وفي لحظةٍ واحدة انفرط الزمن من بين أصابعي.
أطلقتُ قدميّ للريح، وركضوا خلفي… ؛ ركض الوحوش المتعطشة للدماء خلف غزلان البراري المذعورة.
كانت الأرض لا تتسع لخطاي ولا لخطواتهم، والهواء نفسه بدا كأنه يختنق من الصراخ غير المسموع.
حال بيني وبينهم الشارع العام، ذلك الشريط المزدحم بالسيارات، والذي بدا لي آنذاك نعمةً سماوية، جدارًا غير مرئي أنقذني من أنياب الضباع ومخالب الغربان.
هناك… , عند الحافة الفاصلة بين الحياة والموت، بلغت الروح التراقي، وتسارعت دقات قلبي كطبول حرب، وارتفعت حرارة جسدي حتى شعرت أنني أشتعل من الداخل، وجحظت عيناي كأنهما ستنفصلان عن وجهي.
ثم… انقطعت الصورة.
استيقظت.
كان صمت الغرفة أثقل من أي صراخ.. , لا أحد غيري.. , الوالد في العمل، الأم في السوق، إخوتي في المدرسة.. , التيار الكهربائي مقطوع كالعادة، فابتلعت الظلمة زوايا البيت حتى صار كل شيء يبدو كأنه جزء من أرشيف قديم لدوائر الأمن الصدامي؛ تلك الغرف التي لا يدخلها الضوء إلا معتقلاً.
ياللهول…
حلمٌ مزعج، وواقعٌ بائس، وظلمٌ مقيم.
أهرب من سجنٍ لأقع في سجنٍ أتعس، كأن الأرض كلها ليست إلا طبقات متراكمة من الزنازين، تختلف في سعتها وضيقها، لكنها تتفق في شيء واحد: أنها لا تفتح أبوابها إلا للانكسار.
كان وطني، في ذهني، شبكةً من دوائر الأمن والمخابرات والحزب والجيش، تتداخل مع عصابات طائفية هجينة، ذات جذورٌ أجنبية غريبة، كأنها نُسجت عمدًا فوق جسدٍ أنهكته القرون.. ؛ دهاليز للتعذيب، للقتل، للتغييب، للتهميش، للإقصاء، للتعسف… , أسماء متعددة لجحيمٍ واحد.
حتى السجون لم تكن متساوية في الرعب؛ فـسجن أبو غريب، سيّئ الصيت، بدا لي جنةً باردة إذا ما قورن بجحيم سجن الرضوانية، حيث يتكثف الألم حتى يصبح هواءً يُتنفّس.
في تلك اللحظة، لم يعد الحلم حلمًا، ولا الواقع واقعًا… بل امتزجا في كتلة واحدة من الخوف.
فقررت السفر.
لم يكن قرارًا بقدر ما كان هروبًا من تأويل الحلم.. ؛ اعتبرته نبوءة، تحذيرًا متأخرًا من قدرٍ يتربص بي خلف كل زاوية.
حزمتُ حقيبتي الصغيرة، تلك التي لا تحمل من الدنيا إلا بقايا حياة، وأوراقًا، وذاكرةً مثقوبة، وبعض حاجياتٍ بسيطة لا تكفي حتى لتأجيل الفقد.
ووجهتُ وجهي نحو…
لا أعرف إلى أين تمامًا.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا: أن البقاء هنا لم يعد احتمالًا، وأن المعاناة القادمة—مهما كانت—ستكون فقط امتدادًا لأرخبيلٍ طويل من الهروب، لا بداية له ولا نهاية.