الجهاد في القرآن الكريم (ح 12) (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم)‎

الكاتب : فاضل حسن شريف

جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قال الله تعالى عن جهاد “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” ﴿المائدة 54﴾ “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ”. الارتداد هو الكفر بعد الإسلام. وذكرنا المرتد وتقسيمه إلى مرتد عن ملة وفطرة، وحكم كل منهما عند تفسير الآية 217 من سورة البقرة ج 1 ص 325. والنهي عن الارتداد بعد النهي عن موالاة أعداء الدين يشعر بأن هذه الموالاة قد تؤدي إلى الارتداد عن الإسلام. وفي الحديث: (لو ان راعيا رعى إلى جنب الحمى لم يثبت غنمه أن يقع في وسطه). وقال أهل السير والتاريخ: ان ثلاثة ارتدوا، وادعوا النبوة على عهد رسول اللَّه ( صلى الله عليه وآله ) بعد أن آمنوا به. الأول الأسود العنسي، تنبأ في اليمن، وأخرج عمال رسول اللَّه ( صلى الله عليه وآله ) منها، ولكنه قتل قبل وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بيوم واحد. الثاني مسيلمة الكذاب ادعى النبوة، وكتب إلى محمد ( صلى الله عليه وآله ): ( من مسيلمة رسول اللَّه إلى محمد رسول اللَّه، أما بعد فإني شريك معك في الأمر، والأرض بيننا مناصفة ). وقتل في عهد أبي بكر. الثالث طلحة بن خويلد، ادعى النبوة، ثم عاد وأسلم. أما سجاح فقد ادعت النبوة في خلافة أبي بكر، وتزوجها مسيلمة. وقال أبو العلاء المعري في هذا الزواج: أمست سجاح ووالاها مسيلمة  *  كذابة في بني الدنيا وكذاب. وتسأل: ان بعض الشيوخ لا تتوافر فيهم شروط المجتهد الذي عناه الإمام ( عليه السلام ) بقوله: ( صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا لهواه، مطيعا لأمر مولاه ) ومع ذلك يدعي النيابة عن المعصوم في الفتيا والقضاء، وان الراد عليه راد على اللَّه، فهل حكم هذا، تماما، كحكم مسيلمة الكذاب، لأن كلا منهما يفتري على اللَّه كذبا؟. الجواب: يكون بحكم مسيلمة الكذاب بشرطين: الأول أن يدعي النيابة عن المعصوم، وهو يعلم بأنه مفتر كذاب، وانه ليس أهلا لهذه الدعوى. الشرط الثاني: أن لا يرى الاجتهاد والعدالة من الشروط الأساسية للنيابة عن المعصوم. مع علمه بأنهما واجبان بحكم البديهة الدينية. وهذا الفرض بعيد جدا فإن من يدعي النيابة عن المعصوم يرى نفسه من أهل العدالة والاجتهاد، حتى ولو لم يكن مطيعا لمولاه، ومخالفا لهواه.

ويستطرد الشيخ مغنية في تفسيره للآية المباركة المائدة 54: وليس من شك ان هذا يفترق عن مسيلمة الكذاب، من حيث الارتداد، ولكنه يلتقي معه من حيث الكذب والغرور.. وبديهة ان العلم والغرور ضدان لا يجتمعان، تماما كالكذب والعدالة، لأن الغرور يبعد صاحبه عن واقعه، ويفصله عن نفسه، وينتقل به إلى عالم الأوهام والأحلام، ومن كان هذا شأنه فلا يهتدي إلى صواب. “فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ”. اختلف المفسرون فيمن هو المقصود بلفظ القوم. ونقل الرازي في ذلك ستة أقوال. واللَّه سبحانه لم يعينهم بأسمائهم، بل أشار إليهم بأوصافهم، وعلى هذا فكل من تنطبق عليه الأوصاف الخمسة المذكورة في الآية فهو المقصود، وهي: 1 – يحبهم ويحبونه، وحب اللَّه لعبده أن يرفع من شأنه غدا، وينعم عليه بالجنان والرضوان، أما حب العبد للَّه فإنه لا ينفك أبدا عن حبه لعباد اللَّه، تماما كما لا ينفك حب الحق عن حب العاملين به، وكراهية الباطل عن كراهية أهله. 2 – أذلة على المؤمنين، لأن التواضع للمؤمن المخلص تقديس وتكريم للإيمان والإخلاص، لا للأفراد والأشخاص، قال تعالى يخاطب نبيه العظيم: “واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ” (الشعراء 215). وبديهة انهم لم يستحقوا هذه الكرامة إلا بالإيمان والإخلاص للَّه ولرسوله. 3 – أعزة على الكافرين، لأن الاستعلاء عليهم استعلاء للعقيدة والمبدأ، ونظير هذه الآية قوله تعالى: “أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ” (الفتح 29). وترشدنا هذه الآية، وآية “واخْفِضْ جَناحَكَ” إلى حقيقتين: الأولى كل من يتذلل للأغنياء والأقوياء الطغاة، ويتعاظم على الفقراء المؤمنين فإنه ليس من الدين في شيء، وان قام الليل، وصام النهار. الحقيقة الثانية ان قيم الأخلاق في الإسلام ليست مطلوبة لذاتها، وان اللَّه سبحانه قد أمر بها من أجل الإنسان، ولم يأمر الإنسان بها من أجلها.. ومن هنا كان التواضع للمتكبرين ضعة، وللمتواضعين رفعة. قال الإمام علي عليه السلام: ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لما عند اللَّه، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالا على اللَّه. 4 – يجاهدون في سبيل اللَّه، وكل عمل يسد حاجة، أو يدفع ظلامة فهو جهاد في سبيل اللَّه. وفي الحديث: (إن النبي صلى الله عليه وآله كان جالسا مع بعض أصحابه، فنظروا إلى شاب ذي جلد وقوة، فقالوا: ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل اللَّه. فقال: إن كان يسعى على نفسه ليكفها عن المسألة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل اللَّه، وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين أو ذرية ضعاف ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل اللَّه، وإن كان يسعى تفاخرا وتكاثرا فهو في سبيل الشيطان. 5 – لا يخافون لومة لائم، لا يظهر الإيمان على حقيقته إلا عند المحنة، فهي المحك الصحيح لإيمان المؤمن.. ينكر المنكر إرضاء لربه وضميره، أما ما يصيبه من وراء ذلك فيهون ويزدري. هذا هو شعار المخلصين: لا يخافون في الحق لومة لائم. أو كما قال نبي الرحمة: (إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي). ولا مصدر لهذه المشاكل التي يعانيها عالم اليوم من حرب فيتنام إلى حرب الشرق الأوسط، ومن الحكومة العنصرية في روديسيا وجنوب إفريقيا إلى مشكلة الملونين في الولايات المتحدة، لا مصدر لهذه المآسي وما إليها إلا سكوت من سكت عن الحق في الصحف والإذاعات والأمم المتحدة ومجلس الأمن خوفا من ملوك الذهب الأسود وحماتهم المأجورين. وبالتالي، فإن قوله تعالى: “ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ” يرسم صورة حية للمتدين، وللأهداف التي يجب أن ينطلق إليها، ويضحي من أجلها.. بقي هذا السؤال البسيط: هل يسوغ بعد هذا للقائل أن يقول: إن الدين مغيبات، وصلاة أموات. “ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ”. وقد رأينا بالحس والوجدان ان اللَّه سبحانه لا يشاء أن يمنح فضله إلا لمن سار وفق الأسباب والسنن التي أقام بها جلت حكمته نظام الكون بأسره.. ولو أراد منا أن نمشي بلا رجلين، ونعمل بلا يدين، ونبصر بلا عينين لكان في غنى عن خلق شيء منها: “وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً” (الفرقان 2).

ويستمر الشيخ محمد جواد مغنية في تفسيره المبين للآية المائدة 54 قائلا: مشكلة الأخلاق: قال ( نيتشه ) فيلسوف الإنسان الأعلى: لا واقع لقيم الأخلاق، فالحرية والعدالة والمساواة مجرد ألفاظ صنعها الضعفاء ليحدّوا بها من سيطرة الأقوياء. وقال ماركس فيلسوف الثورة ضد الإنسان الأعلى: العكس هو الصحيح، فالزهد والصبر والوداعة ألفاظ صنعها الأقوياء ليسيطروا بها على الضعفاء. ومعنى هذا عند الاثنين ان ألفاظ القيم لا مصدر لها إلا الهوى والمصلحة الذاتية، وما دام الهوى لا يتفق مع الإنسانية والمثل العليا فتكون ألفاظ القيم دجلا ونفاقا. ونحن نؤمن بأن مصدر القيم هي المصلحة، ولكنها المصلحة المنبثقة من طبيعة الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو طبقة من الطبقات، وفئة من الفئات، وليس من شك أن هذه المصلحة تتفق مع الإنسانية والمثل العليا، بل هي هي، ولذا سميت قيما إنسانية، لا طبقية. وعليه يكون لها واقع ثابت بثبوت الإنسان نفسه. ولا ينفي هذا استغلال من يستغلها، وتحريف من يحرّفها حسب أهوائه ومصلحته، وإلا لم يصح تقسيم الناس إلى محق ومبطل يحرّف الكلم عن مواضعه، وإلى مخلص ومنافق يتستر بشعار الصالحين. هذا، إلى أنه ليس في تاريخ الإنسان مجتمع واحد قال للفرد: افعل ما شئت، فإنك غير مسؤول عن شيء قتلت أو سرقت. أجل، هناك مذاهب شتى لتحديد القيم الأخلاقية لا يتسع المقام لذكرها. والذي يهمنا أن نحددها كما هي في نظر الإسلام، وقد انطلقت أقلام الغيورين تحدد القيم الإسلامية بأنها تهدف إلى تكوين الفرد الصالح في المجتمع الصالح. وهذا التحديد يحتاج إلى تحديد، لأن القارئ لا يفهم منه شيئا واضحا يلتزمه عند التطبيق والممارسة، وتجنبا لهذا المحذور نمهد أولا بذكر بعض الأمثلة، ثم نستخرج من دلالتها التحديد الواضح الذي يمكن ممارسته في الحياة اليومية. أمر الإسلام بالصدق والوفاء والبذل والتواضع والصبر والعفو، وما إلى ذلك، ولكن قيد وجوبها بحد لا يصح تجاوزه بحال، وهو أن لا يؤدي الالتزام بها إلى عكس الغرض المطلوب منها، فالصدق واجب، ما دام في مصلحة الإنسان، فإذا تولد منه ضرر كإخبار العدو بالأسرار العسكرية، أو نقل الكلام بقصد الفتنة كان محرما، والكذب محرم إلا في حرب عدو الدين والوطن، وفي الصلح بين اثنين، وفي صيانة نفس بريئة، ومال محرم، والوفاء باليمين واجب، ما دام الحالف لا يجد خيرا من يمينه، وإلا تركها لحديث: (إذا وجدت خيرا من يمينك فدعها). وبذل المال في سبيل اللَّه حسن إلا إذا احتاج إليه صاحبه، والصبر راجح إلا على الظلم والعوز، والعفو فضيلة إلا إذا كان سببا للفوضى ونشر الجرائم. وبهذا يتبين ان قيم الأخلاق في الإسلام تقاس بمدى ما تحققه للإنسان من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة، ومعنى هذا إنها وجدت من أجل الإنسان، ولم يوجد هو من أجلها، كي يجب عليه التعبد بها على كل حال. فالقيم الأخلاقية – إذن – هي التي تحصر تصرفات الإنسان في إطار مصلحته ومصلحة الجماعة، أو عدم الإضرار به أو بغيره على الأقل. وتسأل: ما هو الضابط لتمييز النافع من الضار؟. ونجيب باختصار ان الضابط هو الإحساس والشعور العام بأن هذا ضار، وذاك نافع، ومتى انتهى الأمر إلى هذا الإحساس والشعور ينقطع الكلام، ولا يبقى مجال للسؤال والجواب لأن الشعور العام هو البديهة بالذات.

جاء في ميزان الحكمة للشيخ محمد الريشهري: أنواع الجهاد الكتاب “يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير” (التحريم 9). “ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين” (العنكبوت 6). “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين” (العنكبوت 69). “فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا” (الفرقان 52). – الإمام الحسين عليه السلام: الجهاد على أربعة أوجه: فجهادان فرض، وجهاد سنة لا يقام إلا مع فرض، وجهاد سنة، فأما أحد الفرضين فجهاد الرجل نفسه. – رسول الله صلى الله عليه وآله: أفضل الجهاد من أصبح لا يهم بظلم أحد. – الإمام علي عليه السلام: جهاد المرأة حسن التبعل. (انظر) مستدرك الوسائل: 11 / 25 / 12342، وسائل الشيعة: 11 / 16 / 1.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *