الكاتب : فاضل حسن شريف
ان المرجعية الدينية هم أحفاد الرسل والأئمة عليهم السلام تربي أتباعها ومنهم الحشد الشعبي بشكر الله عز وجل على نعمه والقوة والاستعداد لرد كل من يعتدي على نعم الله تعالى، وهم الأكثر الناس خوفا من خالقهم رب العالمين، ويأخذون العبر من الظالمين المعتدين مثل صدام وزبانيته الذين تنعموا بثروات العراق وهزموا تاركين بلدا مدمرا نهض وينهض بسواعد أبنائه ومنهم الحشد الشعبي. جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” ﴿الروم 9﴾ ثم نبههم سبحانه دفعة أخرى فقال “أ ولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم” من الأمم “كانوا أشد منهم قوة” فهلكوا وبادوا فيعتبروا بهم لعلمهم أنهم أهلكوا بتكذيبهم “وأثاروا الأرض” أي وقلبوها وحرثوها بعمارتها عن مجاهد “وعمروها أكثر مما عمروها” أي أكثر مما عمرها هؤلاء الكفار لأنهم كانوا أكثر أموالا وأطول أعمارا وأكثر أعدادا فحفروا الأنهار وغرسوا الأشجار وبنوا الدور وشيدوا القصور ثم تركوها وصاروا إلى القبور وإلى الهلاك والثبور. “وجاءتهم رسلهم بالبينات” أي أتتهم رسلهم بالدلالات من عند الله وفي الكلام حذف تقديره فجحدوا الرسل وكذبوا بتلك الرسل فأهلكهم الله بالعذاب “فما كان الله ليظلمهم” بأن يهلكهم من غير استحقاق “ولكن كانوا أنفسهم يظلمون” بأن جحدوا رسل الله وأشركوا معه في العبادة سواه حتى استحقوا العذاب عاجلا وآجلا.
عن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله عز وجل “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ” كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ” فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” (الروم 9) “أوَ لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانَ عاقبة الذين من قبلهم” من الأمم وهي إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم “كانوا أشد منهم قوة” كعاد وثمود “وأثاروا الأرض” حرثوها وقلبوها للزرع والغرس “وعمَروها أكثر ممّا عمروها” أي كفار مكة، “وجاءَتهم رسلهم بالبينات” بالحجج الظاهرات، “فما كان الله ليظلمهم” بإهلاكهم بغير جرم “ولكن كانوا أنفسهم يظلمون” بتكذيبهم رسلهم.
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” ﴿الروم 9﴾ أي بالدلائل الواضحات. إلاّ أنّهم أهملوا ذلك، و لووا رؤوسهم، ولم يستسلموا للحق، فابتلوا بعقاب الله الأليم “وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون”. في الواقع إنّ القرآن يشير إلى أمم كانت لهم في نظر مشركي مكّة ـ عظمة ملحوظة من حيث القدرة والقوّة الجسمية والثروة المالية، وكان مصيرهم الأليم يمثل درساً من العبرة لهؤلاء المشركين. ويمكن أن تكون جملة (أثاروا الأرض) إشارة إلى حرث الأرض للزراعة والتشجير، أو حفر الأنهار، أو تأسيس العمارات على الأرض، أو جميع هذه الأمور، لأنّ جملة (أثاروا الأرض) لها مفهوم واسع يشمل جميع هذه الأُمور التي هي مقدمة للعمارة والبناء. وحيث كانت أكبر قدرة في ذلك العصر تعني التقدم في الزراعة والرقي الملحوظ من حيث البناء والعمارات، فإنّه يتّضح رفعة الأُمم السالفة وعلوهم على مشركي مكّة الذين كانت قدرتهم في هذه المجالات محدودة جدّاً. إلاّ أنّ أُولئك مع كل قدراتهم حين أنكروا آيات الله وكذبوا الأنبياء، لم يستطيعوا الفرار من مخالب العقاب، فكيف تستطيعون الفرار من عذاب الله؟ وهذا العقاب والجزاء الأليم هو نتيجة أعمالهم المهلكة أنفسهم، إذ ظلموا أنفسهم، ولا يظلم ربّك أحداً.
اء في موقع المجلس الاسلامي السوري عن فلسفة العمران الحضاري في منظور قراني للدكتور محمد محمود كالو: العُمْرَانُ في اللغة: نقيض الخراب، وما يُعَمَّرُ به البلد ويُحسَّن حالُه بوساطة الفلاحة والصناعة والتجارة وكثرة الأَهالي ونُجح الأَعمال والتمدُّن، وحَضَارَةٌ وَعُمْرَانٌ: أي حَرَكَةٌ وَأَعْمَالٌ وَتَشْيِيدٌ وَتَمَدُّنٌ، قال أحمد بن فارس: “وَمِنَ الْبَابِ عِمَارَةُ الْأَرْضِ، يُقَالُ عَمَّرَ النَّاسُ الْأَرْضَ عِمَارَةً، وَهُمْ يَعْمُرُونَهَا، وَهِيَ عَامِرَةٌ مَعْمُورَةٌ. وَقَوْلُهُمْ: عَامِرَةٌ، مَحْمُولٌ عَلَى عَمَرَتِ الْأَرْضُ، وَالْمَعْمُورَةُ مَنْ عُمِرَتْ. وَالِاسْمُ وَالْمَصْدَرُ الْعُمْرَانُ: وَاسْتَعْمَرَ اللَّهُ تَعَالَى النَّاسَ فِي الْأَرْضِ لِيُعَمِّرُوهَا.” فالعمران هو مصدر من عَمَرَ الأرض يعمُرُها عِمَارةً وعُمْرَانًا، والألف والنون في العربية تفيد المبالغة، أي عمارة جيدة وكبيرة، وحين توجد عمارة جيدة ممتازة إما لسعتها أو ضخامتها أو غير ذلك تكون عمرانًا، وكل الإنشاءات المعنوية والحسية التي يقوم بها الإنسان فيعبد بها الله تعالى ويقوم بوظيفة الخلافةكل ذلك عمران، وليس كل ما أنتجه البشر من إنشاءات مادية ومعنوية عمران إلا إذا كان على أسس القرآن، لأن العمران ضد الخراب، وأول ما قاله الراغب الأصفهاني في المفردات: “العِمَارَةُ: نقيض الخراب: يقال: عَمَرَ أرضَهُ: يَعْمُرُهَا عِمَارَةً. قال تعالى: “وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ” (التوبة 19)، يقال: عَمَّرْتُهُ فَعَمَرَ فهو مَعْمُورٌ. قال: “وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها” (الروم 9)، “وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ” (الطور 4)، وأَعْمَرْتُهُ الأرضَ واسْتَعْمَرْتُهُ: إذا فوّضت إليه العِمَارَةُ، قال: “وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها” (هود 61) والْعَمْرُ والْعُمُرُ: اسم لمدّة عمارة البدن بالحياة، فهو دون البقاء، فإذا قيل: طال عُمُرُهُ، فمعناه: عِمَارَةُ بدنِهِ بروحه، وإذا قيل: بقاؤه فليس يقتضي ذلك، فإنّ البقاء ضدّ الفناء، ولفضل البقاء على العمر وصف الله به، وقلّما وصف بالعمر، والتَّعْمِيرُ: إعطاء العمر بالفعل، أو بالقول على سبيل الدّعاء.” فكل ما فيه تدمير للبشرية بشكل من الأشكال سواء على مستوى الأفكار أو على مستوى الإنشاءات المادية لا يمكن أن يسمى عمرانًا، وكذلك إذا كان في الظاهر يفيد الإنسان، لكن لم يُقصد به ذلك، وإنما جاء عرَضًا لمقصد آخر لا يعتبر عمرانًا، كفعل الكافر إذا لم يكن له إيمان، فقد يريد الآخرة ويسعى لها سعيها لكنه ليس مؤمنًا، فلا فائدة حينئذ، قال الله تعالى: “أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ”(إبراهيم 18)، فارتباط العمران بالقرآن، ارتباط السبب بالمسبب، لأن الذي ينشئ العمران هو القرآن، إذ العُمران مرتبط بالوظيفة الأصلية لآدم عليه السلام وبنيه، التي هي الخلافة والتي حددت في عبادة الله وحده. ولفظ (العُمْرَان) لم يرد في القرآن الكريم، وإنَّما ورد فيه ما يفيد الإعمار والتَّعمير بألفاظ مثل: “وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها” (هود 61)، “وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها” (الروم 9)، أي: الأرض، “وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ” (التوبة 19)، وكلها تفيد العُمْرَان، وتعمير الإنسان لمنطقة معيَّنة بقصد العيش وعبادة الله تعالى. والعُمْرَانُ في الاصطِلاح اقترحه المفكِّر العلامة ابن خلدون في مقدّمته، للدّلالة على نمط الحياة بوجه عام، جاعِلاً إيَّاه أحد الخواصّ التي تميَّز بها الإنسان عن سائر الحيوانات، فالعُمْرَانُ عند ابن خلدون هو ما يسمى الآن (علم الاجتماع) يعني عمران الأرض باجتماع الناس بعضهم إلى بعض ووجود روابط تربطهم وقوانين تنظم حياتهم فقال: “العُمران وهو: التَّساكُن والتَّنازُل في مصر أو حلَّةٍ للأنس بالعشير، واقتِضاء الحاجات لما فيه من طباعِهِم من التعاون على المعاش”، وقدِ استلهمه ابن خلدون من قوله تعالى: “هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا” (هود 6)، والعُمران عند ابن خلدون نوعان: “ومن هذا العمران ما يكون بدويّا وهو الّذي يكون في الضّواحي وفي الجبال وفي الحلل المنتجعة في القفار وأطراف الرّمال، ومنه ما يكون حضريّا وهو الّذي بالأمصار والقرى والمدن والمدر للاعتصام بها والتّحصّن بجدرانها”.