رياض سعد
في خِضمِّ الأجواء القاتمة التي سادت العراقَ في عهد النظام البعثي، حيثُ أخَذَت موجةُ القمعِ الحكومي والبطشِ الصداميِّ تُلقي بظلالها الكثيفة على الوجدان الجمعيِّ، مُسبِّبةً انكفاءً اجتماعيًّا وتراجُعًا في الحراك الثقافيِّ والديني ، بَرَزَ الشهيدُ السيد محمد محمد صادق الصدر كقائدٍ دينيٍّ استثنائيٍّ، استطاع بفكرٍ ثاقبٍ ورؤيةٍ تنويريةٍ أن يُحدثَ زلزالًا في بنيةِ الوعي العراقيِّ المُحاصَر… ؛ فبينما كانت آلةُ القمعِ تعملُ على تجفيفِ منابعِ الفكرِ وقَمعِ أيِّ صوتٍ مُنَاهضٍ، انطلقَ الصدرُ بحركةٍ إصلاحيةٍ شاملةٍ، مُستلهِمًا جذورَ الهُويةِ العراقيةِ الأصيلةِ التي طَمَسَها الاستبدادُ، ومُحَطِّمًا قيودَ التجهيلِ المُمنهجِ الذي فرضَهُ النظامُ عبرَ عقودٍ.
لم يكتفِ الصدرُ بالخطابِ النظريِّ، بل حوَّلَ الفكرةَ إلى ممارسةٍ يوميةٍ عبرَ تواصُلٍ مباشرٍ مع الجماهيرِ عن طريق مكتبه الخاص – البراني – … , وصلاة الجمعة ، حيثُ مثَّلتْ خطبُه الأسبوعيةُ – خطب صلاة الجمعة – منبرًا حيًّا لتفكيكِ الأسئلةِ الوجوديةِ الملحَّةِ، بينما شكَّلتْ زياراتُه الميدانيةُ ومؤلفاتُه الفكريةُ جسرًا بين التراثِ الدينيِّ والواقعِ المعاشِ… ؛ ولم تكنْ كتبُه ومحاضراتُه مجردَ ردودٍ على تساؤلاتِ الناسِ، بل كانت مشروعًا ثقافيًّا متكاملاً يُعيدُ صياغةَ العقلِ الجمعيِّ بمنهجيةٍ تزاوجُ بين العمقِ التاريخيِّ والعقائدي والواقعيةِ الاجتماعيةِ وتحدياتها .
لقد نجحَ هذا المشروعُ التنويريُّ في كسرِ حاجزِ الخوفِ عبرَ إحياءِ قيمِ الحوارِ والمشاركة والتضامن ِ، حيثُ تحوَّلتْ المجالسُ الدينيةُ إلى حاضناتٍ فكريةٍ تُنتجُ وعيًا نقديًّا وسلوكا مسؤولا ، فيما أصبحتْ منشوراتُه أداةً لنشرِ ثقافةِ المقاومةِ السلميةِ… ؛ وهكذا، ارتفعَ منسوبُ الوعيِ تدريجيًّا، ليس على المستوى الروحيِّ فحسب، بل في الجوانبِ الاجتماعيةِ والسياسيةِ كافَّةً، ما أفرزَ تحوُّلًا جذريًّا في بنيةِ المجتمعِ، حيثُ بدأَ الفردُ العراقيُّ يستعيدُ ثقتَهُ بنفسهِ، مُدركًا أن التغييرَ يبدأُ من إعادةِ اكتشافِ الذاتِ الجماعيةِ المكبوتةِ.
في زمنِ كانت تُخَيَّمُ عليه سُحُبُ القهرِ والاستبدادِ، وتُسيطرُ عليه ثقافةُ الخوفِ والتشتُّتِ، مثَّلتْ حركةُ الشهيدِ السيد محمد محمد صادق الصدرِ انعطافةً جريئةً في تاريخِ العراقِ الحديثِ… ؛ اذ لم تكنْ هذه الحركةُ مجردَ ردَّةِ فعلٍ على القمعِ البعثيِّ فحسب، بل مشروعًا وجوديًّا أعادَ للعراقيينَ صلتَهم بهُويتِهم الأصيلةِ، واستنهضَ فيهم روحَ المقاومةِ ضدَّ محاولاتِ طمسِ التاريخِ والعقيدةِ… ؛ فبينما كان النظامُ الصداميُّ يعملُ على تفكيكِ الروابطِ الاجتماعيةِ والدينيةِ، جاءَ الصدرُ ليُعيدَ بناءَ الذاتِ الجمعيةِ عبرَ خطابٍ مُتجذِّرٍ في عمقِ التراثِ، وحاضرٍ في همومِ الناسِ اليوميةِ.
لقد تحوَّلَ الصدرُ إلى رمزٍ للتمردِ المُقدَّسِ؛ ففي مواجهةِ آلةِ القمعِ، رفضَ منطقَ الخنوعِ، وحرَّمَ إيداعَ النقودِ في المراقدِ المقدسةِ، مُدركًا أنَّ النظامَ يستغلُّها لتمويلِ جرائمِه ضدَّ الإنسانيةِ… ؛ ولم يقتصرْ خطابُه على النقدِ السياسيِّ، بل شكَّلَ ثورةً أخلاقيةً عميقةً؛ إذ دعا كلَّ شرائحِ المجتمعِ، بمن فيهم الفئاتُ المهمَّشةُ كالغجر ، إلى التحررِ من ربقةِ المعاصي والتعاونِ مع الأجهزةِ القمعيةِ… ؛ كما حوَّلَ الزياراتِ الدينيةَ إلى مظاهراتٍ صامتةٍ ضدَّ الاستبدادِ، حيثُ رفعَ شعارَ “كُلاًّ كلا لأمريكا.. كُلاًّ كلا لإسرائيل” .. كلا كلا يا شيطان ؛ في تحدٍّ صارخٍ لقوى الاحتلالِ الخارجيِّ والداخليِّ.
أمَّا على الصعيدِ التربويِّ، فقد أسَّسَ لمدرسةٍ جهاديةٍ فكريةٍ، حثَّ فيها الشبابَ على تعميقِ معرفتِهم الدينيةِ عبرَ الانخراطِ في الحوزةِ العلميةِ في النجفِ الأشرفِ، فتشكَّلَ جيلٌ مؤمنٌ بفكرِه، مُعتزٌّ بثقافتِه، لا يرهبُ الموتَ في مواجهةِ الباطلِ… ؛ وتجلَّتْ ثمارُ هذه التربيةِ في المواجهاتِ البطوليةِ ضدَّ فلولِ البعثِ والعناصر الاجرامية التابعةِ للنظامِ، حيثُ أزهقتْ حركةُ اتباع الصدرِ أرواحَ العشراتِ ان لم نقل المئات من عناصرِ القمعِ والبطش الصدامي ، واستمرَّتْ في نضالِها حتى بعدَ سقوطِ النظامِ، فكانتْ أوَّلَ القوى التي تصدَّتْ للاحتلالِ الأمريكيِّ، مُحقِّقةً انتصاراتٍ معنويةً وماديةً أربكتْ حساباتِ المحتلِّ.