كلمة امة في القرآن الكريم (جئنا من كل أمة بشهيد) (ح 74)

الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ” ﴿القصص 75﴾ ونزعنا من كل أمة شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم” أيّها المشركون الضالون. وحين تنكشف المسائل وتتجلى الأُمور لا تبقى خافية “فعلموا أن الحق الله وضل عنهم ما كانوا يفترون”. هؤلاء الشهود هم الأنبياء بقرينة الآيات الأُخرى في القرآن، إذ أن كل نبي شاهد على أمته، ونبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله الذي هو خاتم الأنبياء هو شهيد على جميع الأنبياء والأُمم، كما نقرأ ذلك في الآية (41) من سورة النساء “فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا” (النساء 41). فعلى هذا، ينعقد يوم القيامة مجلس كبير بحضور الأنبياء، ويؤتى بالمشركين المعاندين عمي القلوب، وهناك يعرفون الفاجعة العظمى للشرك، وحقانية الله، وضلال الأصنام. بجلاء. ومن الطريف أن القرآن يعبر بـ “ضل عنهم ما كانوا يفترون” أي إن تصوراتهم واعتقاداتهم في الأصنام تمحى عنهم يوم القيامة، لأنّ عرصة القيامة عرصة الحق، ولا مكان للباطل هناك، فالباطل يضل هناك ويمحى من الوجود. فإذا كان الباطل يغطي وجهه هنا (في هذا العالم) بستار من الحق ليخدع الناس أيّاماً، فهناك تنكشف الحجب ولا يبقى سوى الحق. نقرأ في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير “ونزعنا من كل أمّة شهيداً” قوله: (ومن هذه الأُمة إمامها). وهذا الكلام إشارة إلى أنّه لابدّ في كل عصر وزمان من شاهد معصوم للأُمة، والحديث آنف الذكر من قبيل بيان مصداق هذا المفهوم القرآني.

جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز من قائل “وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” ﴿النحل 92﴾ “ولا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً”. بعد قوة أي بعد ابرامه. وكل شيء ينقض بعد فتله وإبرامه فهو نكث، غزلا كان أوحبلا، وقد شبه سبحانه ناقض العهد والايمان بناقضة الغزل بعد ابرامه. وقيل: كان بمكة امرأة حمقاء تغزل صوفها في الصباح، وتنقضه في المساء، وان اللَّه شبه بها ناقض اليمين، ومهما يكن فإن الآية توكيد لقوله تعالى: “ولا تَنْقُضُوا الأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها”. “تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ”. حذف من الكلام همزة الاستفهام الانكاري، والتقدير أتتخذون الخ. والدخل هو الشيء الفاسد والمفسد، ومنه المكر والخديعة، وأربى أي أكثر، والمعنى لا تجعلوا ايمانكم وسيلة للغدر والخيانة، وذلك بأن تحلفوا للذين هم أكثر منكم وأقوى ليطمئنوا إليكم، ويثقوا بكم، وأنتم في نفس الوقت تضمرون أن تنقضوا الايمان، وتتركوا الذين حلفتم لهم متى رأيتم أقوى منهم عدة، وأكثر عددا، ويتلخص المعنى بكلمة واحدة: لا تغدروا. “إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ”. ضمير به يعود إلى أمره بالوفاء بالعهد واليمين، والمعنى ان اللَّه تعالى يكلف العباد بتكاليف ليطيع من أطاع مختارا، ويعصي من عصى مختارا، ثم يجازي اللَّه كلا بما يستحق، وتكلمنا مفصلا عن معنى الاختبار من اللَّه عند تفسير الآية 94 من سورة المائدة ج 3 ص 126 “ولَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ”. يعيد اللَّه العباد يوم القيامة ليتميز المبطل من المحق، ويكافئ كلا بما يستحق.

جاء في موقع مؤسسة تراث الشهيد الحكيم عن مفهوم الامة في السياق القرآني للدكتور محمد جعفر العارضي: الأمَّة: جماعة تجتمع على أمر ما، من دين، او مكان،او زمان. وردت لفظة (الأُمَّة) في القرآن الكريم في دلالتها الاجتماعية (56 مرة. وعلى الرغم من تعدد السياقات التي تحتوي هذه اللفظة، وكثرة تفريعاتها، ومن ثمَّ كثرة دلالاتها، الا إنَّنا نجد السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) قد أدار هذا التعدد السياقي وعالجه معالجة شاملة منتجة، فبدا ممهدا تارة، و مستنتجا تارة اخرى فتناول مفهوم (الأُمَّة) بلحاظين هما: تناوله بلحاظ دلالته على البعد الاجتماعي المجرد، بمعنى دلالته على (مجرد الجماعة) البشرية (التي تربطها رابطة الاجتماع). و من ذلك قوله تعالى: “نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (النحل 92) وورد لفظ الامة في: النساء 41، الانعام: 42، 48، الاعراف 160، 168، يونس 47، النحل 36، 63، 84، 89، المؤمنون 44، النمل 83، القصص 23، 75، العنكبوت 18، فاطر 24، غافر 5. وتناوله بلحاظ دلالته على البعد المعنوي و الفكري للجماعة البشرية.

يقول الشيخ جلال الدين الصغير: مع جملة من الآيات القرآنية التي أشارت إلى وجود شهادات سابقة لحياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما في الآية الكريمة: “فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا” (النساء 41)، وكذا في قوله تعالى: “وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ” (النحل 89) وهما يشيران وبوضوح إلى وجود شهادة لأنبياء ورسل وأوصياء الأمم واعتبار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الشاهد على هؤلاء جميعا، وحيث أن الرسول لم يكن حاضرا في حياة تلك الأمم، لهذا لا يمكن فهم هذا الآيات إلا من خلال اعتبار شهادات الأنبياء عليهم السلام في طول شهادته صلى الله عليه وآله وسلم أي هي شهادات وكلاء تتجمع لدى الوكيل الأصيل، وهذه الأخيرة أي شهادته على الأمم السابقة – والتي تلتقي مع مفهوم كونه سيد الأنبياء والمرسلين، تستلزم أن يستمر دور الشهادة إلى الأمم اللاحقة لحياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهو شاهد على جميع الأمم وهذا ما يلتقي مع مفهوم نظرية النص الإلهي التي تعتمدها الإمامية، والتي تعني استمرار دور شاهدية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من خلال شهادة الأئمة عليهم السلام على مجتمعاتهم، ومن دون ذلك فإن الحديث عن استمرارية دور الرسول في الشهادة يغدو فارغا من محتواه، وذلك لاستلزامها لمواصفات لا يمكن أن توجد عند أحد غيرهم كما سنوضح ذلك إن شاء الله تعالى.

عن كتاب كلمات الإمام الحسين للمؤلف الشيخ الشريفي: حراسة الحسنين عليا عليهم السلام: حدثنا احمد بن الحسن بن على بن فضال، عن على بن اسباط يرفعه الى امير المؤمنين قال: (دخل أمير المؤمنين الحمام فسمع صوت الحسن والحسين عليهما السلام قد علا، فقال لهما عليه السلام: ما لكما فداكما أبي وامي فقالا: اتبعك هذا الفاجر فظننا انه يريد ان يضرك، قال: عليه السلام دعاه والله ما اطلق الا له). خوف علي عليه السلام من أهوال القيامة: قال الحسين عليه السلام (ما دخلت على أبى قط الا وجدته باكيا، وقال: ان النبي صلى الله عليه وآله بكى حين وصل في قرائتهر “فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا” (النساء 41)، فانظروا الى الشاهد كيف يبكي والمشهود عليهم يضحكون، والله لولا الجهل ما ضحكت سن، فكيف يضحك من يصبح ويمسى ولا يملك لنفسه، ولا يدرى ما يحدث عليه من سلب نعمة أو نزول نقمة أو مفاجأة ميتة وأمامه يوم يجعل الولدان شيبا، يشيب الصغار، ويسكر الكبار، وتوضع ذوات الاحمال، ومقداره في عظم هوله خمسون الف سنة ف”إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون” (البقرة 156). اللهم اعنا على هوله، وارحمنا فيه وتغمدنا برحمتك التى وسعت كل شئ، ولا تؤيسنا من روحك، ولا تحل علينا غضبك واحشرنا في زمرة نبيك محمد و أهل بيته الطاهرين صلواتك عليه وعليهم أجمعين).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *