ولَّى زمَنُ القِمَمِ التَّاريخيَّةِ

نزار حيدر

نـــــــــــــــــــــــــــــزار حيدر لـ [العالَم الجَديد]؛

                           ولَّى زمَنُ القِمَمِ التَّاريخيَّةِ

   ١/ من حقِّ العراق أَن يهوِّل من طبيعةِ القمَّةِ العربيَّةِ التي ستُعقد في بغداد، فتلكَ هي طببعة الأَشياء، إِذ أَن كُلَّ عاصمةٍ عربيَّةٍ تستضيف القمَّة تُحاول أَن توظِّفها سياسيّاً وإِعلاميّاً لخدمةِ أَجنداتها الخاصَّة على الصَّعيدَين الدَّاخلي والخارجي، فما بالكَ إِذا كانت بغداد تقف الآن على أَعتابِ إِنتخاباتٍ نيابيَّةٍ نهايةِ هذا العام والتي سيخوضُها رئيس الحكومة على رأسِ تحالفٍ إِنتخابيٍّ؟!.

   ٢/ وبرأيي فإِنَّ زمن القِمم العربيَّة [التاريخيَّة] قد ولَّى من غيرِ رجعةٍ، رُبَّما كانت آخرها قمَّة الخرطوم [١٩٦٧] التي فشلَت فشلاً ذريعاً في الإِلتزامِ بأَيٍّ من اللَّاءات الثلاث التي رفعَتها وقتها والتي لم يمرُّ عليها سِوى أَعوام قليلةٍ لينفرطَ عقدَها وتنقلب اللَّاءات على نفسِها.

   فها هي النُّظُم العربيَّة تلتحِق بركبِ التَّطبيع مع [إِسرائيل] الواحِدة بعدَ الأُخرى، آخرها سوريا [الجَديدة] التي أَعلنَ رئيسَها من باريس بأَنَّ بلادهِ تُجري مُفاوضات غَير مُباشرة مع [تل أَبيب] لخفضِ التَّصعيد!.

   إِلى جانبِ ذلك فإِنَّ الدُّول أَعضاء الجامعة العربيَّة إِستعاضُوا منذُ زمنٍ طويلٍ عن القِممِ الجماعيَّةِ بأُخرى ثُنائيَّة وثُلاثيَّة وما أَشبه، فباتَت تبني إِستراتيجيَّاتِها وتحالُفاتِها ومصالحِها ومشاريعِها وإِقتصاديَّاتِها وسياساتِها على هذا الأَساس والذي رأَت فيهِ أَقصر الطُّرُق وأَسرعها وأَأمنها لتحقيقِ الغاياتِ المرجوَّةِ.

   ٣/ لا ينتظر أَحدٌ من قمَّة بغداد أَن تأتي بأَيِّ شيءٍ جديدٍ، لأَسبابٍ عدَّةٍ؛

   أ/ إِختلاف الأَولويَّات عندَ النُّظم العربيَّة، فما هيَ أَولويَّة عندَ دُول الخليج مثلاً ليسَ أَولويَّة عندَ الدُّول الإِفريقيَّة! وما هو أَولويَّة عندَ العراق ليسَ أَولويَّة عندَ سوريا، وهكذا.

   لم تعُد عندُهم قضيَّةٌ مركزيَّةٌ يتحلَّقُونَ حَولها ولذلكَ ستجتمِع أَبدان الزُّعماء في بغداد وتظَل أَهواءهُم وقلوبهُم شتَّى مُعلَّقة عندَ أَولويَّاتهِم.

   ب/ العراق في وضعهِ السِّياسي والأَمني والإِقتصادي الحالي ليسَ بإِمكانهِ أَن يملأَ فراغاً في الجامعةِ العربيَّةِ، فلا هو يتمتَّع بالغِنى كالرِّياض والدَّوحة والإِمارات ليُبادلهُم الإِهتمامات والمشاريع الإِقتصاديَّة الإِستراتيجيَّة العِملاقة، ولا هوَ يتمتَّع بالثُّقل السِّياسي الفريد والمُميَّز كالقاهرةِ والرِّياض ليُشاركها دوراً سياسيّاً وديبلوماسيّاً يوازي ما تفعلهُ العاصِمتان العربيَّتان، ولا هوَ يتمتَّع بالإِستقرار الأَمني الذي يؤَهِّلهُ لحلِّ المشاكلِ والمخاطرِ الأَمنيَّة التي تُعاني منها عدد من دُول الجامِعة العربيَّة مثل ليبيا وسوريا والسُّودان واليَمن وغيرِها.

   ٤/ الأَمرُ المُهم بالنِّسبةِ للعراق هو أَنَّ القمَّة تنعقد في بغداد، فهذا بحدِّ ذاتهِ إِنجازٌ وإِن كانت القمَّة لا تتجاوز الخِطابات الناريَّة والشِّعارات العملاقة التي رُبما سيمنحَها الشَّارع العربي بعضاً من وقتهِ للإِستماعِ إِليها إِذا لم يُشغِلهُ عنها ما هوَ أَهمٌّ في نظرهِ كأَن تتزامن القمَّة مع دوريٍّ ما لكُرةِ القدمِ مثلاً.

   أَمَّا طبيعة الحضُور ومُستواه وحجمهُ ونَوعهُ فذلكَ كذلكَ أَمرٌ لا يُعتَدُّ بهِ عادةً فالقِممُ العربيَّة تتفاوت في كُلِّ مرَّةٍ بطبيعةِ الحضُور ومُستواه السِّياسي، وهي لم تشهد حضوراً على أَعلى المُستويات من كُلِّ الدُّول الأَعضاء إِلَّا ما ندَر، وهذا يحصل عادةً في القِمم التي تحتضِنها الرِّياض أَو القاهرة لأَسبابٍ سياسيَّةٍ و [ماليَّةٍ] و [شخصيَّةٍ] معروفةٍ.

   ولا أَظنُّ أَنَّ بغداد تمتلِك شيئاً من ذلكَ باستثناءِ [الحُنطةِ] التي لا تُسيلُ إِلَّا لُعابَ الجِياع والفُقراء!.

   ٢٠٢٥/٥/١٠

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *