مظفر النواب لا يُنسى..!

رياض الفرطوسي

مرت قبل يومين الذكرى السنوية لرحيل الشاعر العراقي مظفر النواب، لكنها لم تمر كبقية التواريخ. كان أيار هذه المرة أكثر وجعاً، وكأن الريح تنقل صوته من المنافي إلى أروقة القلب، فتشعل في الذاكرة نداءً لا يخبو. مات مظفر في 20 مايو 2022 في مستشفى الشارقة، لكن صوته، كعادته، لم يدخل غرفة العناية المركزة. بقي حرًّا، يركض بين المقابر والقصائد، يوقظنا من وهم التعايش مع العفن.

ما الذي يمكن أن تقوله الثقافة عن شاعرٍ حين يموت؟
أحياناً لا تموت الأجساد، بل يُغتال المعنى. ومظفر، الذي كان للقصيدة جسدها وللوطن صوتها، تعرّض بعد وفاته لاغتيال رمزيّ أبشع من النفي، حين حاول بعضهم دفنه مرتين: مرّة في جسده، وأخرى في ذاكرة الناس.

لقد كتب إيمانويل كانط (فيلسوف ألماني، 1724–1804) أن الثقافة “مجموعة من الغايات الكبرى التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية انطلاقاً من طبيعته العقلانية”، فهل من غاية أسمى من أن يقف الشعر في وجه الديكتاتور؟ أن يرفع راية الحب والعدل والتمرّد في زمن تكميم الأفواه؟ بهذا المعنى، مثّل مظفر النواب ذروة ارتقاء الثقافة نحو الحرية. لكن ويا للخيبة، ما أسهل أن تنقلب الثقافة إلى سلاح أعمى في يد الطائفيين والناقمين ومرضى القلوب.

ففي لحظة كان ينبغي أن تكون وقفة إجلال، أدار بعض الكتّاب والمثقفين ظهورهم للمبادئ، وراحوا يمارسون تصفية حسابات رخيصة. اتهموه بالطائفية، بالسخرية من الرموز، بالانتهازية والتنقل بين حضن وآخر. لكن الحقيقة أن هذه التهم ليست سوى قنابل دخان أطلقها العاجزون عن مواجهته حيّاً، فحاولوا الانتقام منه ميتاً.

لم يدركوا أن مظفر لم يكن رجل طائفة، بل رجل قضية. لم يكتب ليغازل الموروث أو يلعنه، بل ليكسر القيد أينما وُجد. كتب عن الطغاة الذين سرقوا الرغيف من أفواه الجياع، وعن الخونة الذين باعوا فلسطين، وعن الدم المسفوح على الأرصفة باسم الوطن. من يختزل كل هذا في شتيمة أو عبارة مقتطعة لا يريد الحقيقة، بل يهوى السقوط في وحل الضغائن.

هل يحق لمن احترف التذلل للحاكم أن يتهم مظفر بالتناقض؟
هل يحق لمن صافح البعثيين بالأمس أن يعيّر شاعراً بالمنفى؟
وهل من شرف أعظم من أن تُرعب كلماتك الطغاة وهم أحياء؟

إن مظفر النواب، شأنه شأن أدونيس حين قال “نعم، أنا شيعي”، لم يكن أسير الهويات الضيقة، بل وسّع مفهوم الهوية حتى احتوى علي بن أبي طالب وشكسبير، مسلم بن عقيل وتروتسكي، عمر بن الخطاب ونيتشه، لأن الشعر عنده كان وطناً، لا خندقاً.

ففي هذا الوطن المفترض، لم يكن هناك مكان للطائفيين، بل للفقراء. للمنفيين الذين عادوا في قوارب القصيدة، للمثقفين الذين لم تلوثهم ألاحزاب، وللعشاق الذين رأوا في “الريل وحمد” أكثر من قصة حب: رأوا فيها نهجاً شعرياً جديداً يكسر صمت الريف ويمنح الفصحى قلباً نابضاً من الطين والماء والحنين.

حين سمع سعدي يوسف (شاعر عراقي، 1934–2021) تلك القصيدة، قال: “قصيدة الريل وحمد زهرة نادرة في بستان الشعر العربي، وإنني أضع جبين شعري على طريقها”.

فهل بعد هذا يأتي من يريد إقصاء مظفر من ذاكرة الشعر؟

إن ما جرى بعد وفاته ليس جدلًا ثقافياً، بل فضيحة أخلاقية. فمن يزوّر سيرة شاعرٍ في لحظة وفاته، يزوّر التاريخ. ومن يسخر من دمعة نزلت من عين مظفر حين نطق “بغداد”، لا يعرف كيف يبكي.

ورغم ذلك، يبقى السؤال الجوهري: هل تستطيع الثقافة أن تتجاوز هذه النتوءات الطائفية والحساسيات المريضة؟
نعم، حين يكون المثقف عضوياً، لا دمية. حين ينتمي إلى الإنسان، لا إلى قبيلته. حين يقرأ الواقع بعين المحبة، لا بعين الحقد. حين يعلي قيمة الإنسان فوق الطائفة، وفوق المذهب، وفوق العائلة والعشيرة.

الحديث عن مظفر ليس حديثاً عن شاعر فقط، بل عن العراق الذي كان يحمله مظفر في صوته، في قافيته، في غضبه، وفي حزنه. العراق الذي كان ينام في خيمته ويستيقظ في سطوره. مظفر الذي قضى عمره منفياً، لكنه لم ينفِ يوماً صوته عن الناس. لم يُهادن، لم يُساوم، لم يُقايض. كان صريحاً حتى في قسوته، محباً حتى في شتيمته، عراقياً حتى وهو في أقصى المنافي.

فمن يستهدف مظفر بعد وفاته لا يستهدف شخصاً، بل يستهدف فكرة، ومبدأ، وذاكرة وطنية طويلة ومشرّفة. وفي الذكرى الثالثة لرحيله، نكتب لا لنبكيه، بل لنقول:
مظفر النواب لا يُنسى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *