جمال الناصري
لا أعرف حجم البشاعة في الدنيا، كلما يحدث حادث ويوصف بالبشاعة تتوالى صور في ذاكرتي من الماضي السحيق ، فأرى حينها ان للبشاعة صور متعددة وأشكال متعددة وأوجه متعددة ولها أبطال في كل زمان ومكان ، للبشاعة جغرافيا و تاريخ و فنون وأدب وأعلام وشعراء وسياسيين ورجال دين وشياطين وابالسة ..
البشاعة عالم قائم بذاته، يقابله الجمال، مثلما للجمال ملوك وملكات ايضا للقبح ملوك وملكات، والبشاعة والقبح نقطتان تتحركان على دائرة مغلقة، كلما ازداد القبح وصل الى درجة البشاعة المطلقة ..
بغداد ومدن اخرى في عراقنا الجريح، كانت مسرحا للبشاعة ولأعمال البشاعة وللجرائم البشعة منذ عقود، كانت البشاعة بالأمس تمارس تحت الأرض وفي الغرف السرية، واليوم البشاعة ظهرت الى السطح وتتنفس الهواء بكل حرية ..
صورتنا امام العالم في غاية البشاعة الى حد تثير التقزز والأشمئزاز ابتداء من المقابر الجماعية الى الأغتيالات الى السيارات المفخخة الى تعليق الجثث في الشوارع ..
لقد عشت سنين من عمري ورأيت البشاعة في صورها الكاملة، كل مايخطر في بال الأنسان من تعذيب و اغتصاب و تحطيم الأنسان، كنت شاهدا عليه في سجون النظام البائد ..
لقد دخلت غرف التعذيب مرتين، مرة اشهر معدودة ومرة عشر سنين، كنت اتمنى ان اخرج ولو لحظة واحدة لأقص لأهلي ولأبي ما شاهدته وما مر بي من مصائب، ولكنني عندما خرجت احجمت عن الكلام ولم انطق لهم بحرف واحد ولم أسرد ما رأيته من جرائم مهولة ..
لا اعرف سر ذلك، لربما كنت لا أريد لهم ان يتألموا ويقاسمونني الماضي ..
لقد حملته تحت أضلعي لوحدي، وحدي انا يجب ان أتحمله ولا أشرك معي احدا..
لربما نقل اخبار البشاعة الى الناس أمرا غير محببا، اذ يؤثر في نفس المقابل، لذا عليك ان تستر البشاعة كيفما استطعت ..
ولربما البشاعة اكبر من ان تستطيع نقلها وسردها الى الناس من خلال الحديث، فتفقد جزء من حجمها، فهي اكبر من ان يترجمها لسان او حواس ..!!