عزيز الخزرجي
عاشوراء جاءت و مرّت ألف و مئات المرات عبر السنين, من دون معرفة الناس بحقيقتها و خفاياها سواءً من الشيعة أو السنة أو غيرهم لغياب الوعي, حيث باتت كمناسبة موسمية و ذكرى دينية حزينة كبقية المناسبات و آلمواسم التي تمرّ و يتمّ أحياءها بآللطم و العزاء مع محاظرة مُعدّة سابقاً لتنتهي بعد إنتهاء الموسم, حيث يتمّ غلق الأبواب حتى عام جديد آخر .. و هكذا للأسف باتت عاشوراء مناسبة سنوية – موسمية عمرها 10 أيام فقط و لا علاقة لها بواقع الناس و حياة الفقراء عملياً, بينما جلّ أهداف تلك الثورة الكونية و قيامها كانت لأجل الفقراء و تحكيم العدالة و محو الطبقية التي أسسها الحكام الأمويون و سار على نهجهم كل حكومات العالم بنسب متفاوتة, و كما وصف ذلك الحال المرحوم ألأديب الدكتور الوائلي:
بغداد يومـك لا يزال كأمسه** *صورٌ علـى طرفي نقيض تجمع
يطغى النعيـم بجانب و بجانب .. يطغـى الشقا فمرفّه و مضيع
في القصر اغنية على شفةِ الهوى والكوخ دمعٌ في المحاجر يلذع
و من الطوى جنب البيادر صرّع .. و بجنب زقّ أبـي نؤاس صرّع
و يد تكبّل و هـي مما يُفتدى .. و يدٌ تُقبّل و هي مما يُقطـع (1)
ففي كل عاشوراء مرّت و تمرّ علينا اليوم يكتب الكُتّاب ما يشاؤون و يحاضر الوعاظ ما يحبون و تتكاثر المقالات و تكثر مواكب العزاء من كل حدب و صوب , إلّا أن الجميع و كآلعادة يخونون ثورة الحسين المظلوم منذ 1400 عام من حيث يعلمون أولا يعلمون رغم إننا بيّنا اللغز و السّر و أبعاد تلك الثورة الكونيّة في كتابنا الموسوم بـ [مأساة الحسين(ع) بين جفاء الشيعة و ظلم السنة](2) قبل نصف قرن تقريباً.
و يجب أن ننصف بعض الكُتّاب الذين كتبوا عن تلك الثورة المظلومة كآلأخ الدكتور نزار حيدر, و الشيخ الوائلي(رحمه) لبعض الحدود حيث كتب صديقنا مقالات عدّة في السنوات الأخيرة حاول فيها بيان بعض الحقائق المغيبة عنها و قد توفّق في بعضها و عرض المفاهيم الممكنة لتنوير الطريق أمام الناس خصوصا للمدعين منهم , بعد ما فشل معظم – إن لم أقل كل – وعاظ المنابر من بيان حتى عنوان تلك الثورة ناهيك عن جوهرها و أهدافها التي ضاعت أو تشوهت معظمها للأسف, لقد كتب صديقنا العزيز الدكتور نزار أول مقال لهذا العام 2025م كما كل عام منذ عشر سنوات بعنوان [الفُرصَةُ]؛
فما هي (الفرصة) التي يجب أن لا تضيع؟
حيث وصف الذين يعدمون الفرصة بكونهم أحد ثلاثة :.
فإِمَّا أَنَّهُم من الذينَ تأتيهِم الفُرصة ولكنَّهم لا يُحسِنُونَ اغتنامَها لأَيِّ سببٍ كان، أَي أَنَّهم جهلَة وأُميُّونَ في اغتنامِ الفُرص فهُم من الغافلِينَ ولذلكَ تمرُّ عليهِم رُبما من دونِ أَن يحسُّوا بها أَو يعرفُوا أَنَّها كانت فُرصتهُم.
أَو أَنَّهم قد يشعرُوا بها ولكنَّهم لا يُبادرونَ لاغتنامِها في الوقتِ المُناسبِ فيسوِّفونَ ويؤَجِّلونَ ويتكاسلُونَ ظنّاً منهُم أَنَّها إِذا كانت لهُم ومن رزقهِم فلن تذهبَ عنهُم لغيرهِم فستظلَّ تنتظِرهُم أَو أَنَّ وقتها غَير مُحدَّد فإِذا لم يغتنمُوها اليَوم فسيغتنمُونها غداً ناسينَ أَو مُتناسينَ أَنَّ {الْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} كما يصفها أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) الذي أَوصى ولدهُ الحسن السِّبط (ع) بقولهِ {بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً}.
فللفُرصةِ زمنٌ محدَّدٌ عادةً كما يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {مِنَ الْخُرْقِ الْمُعَاجَلَةُ قَبْلَ الإِمْكَانِ والأَنَاةُ بَعْدَ الْفُرْصَةِ}.
أَو أَنَّهُم مظلومُونَ يُحاربهُم الفاشِلون فتُمنعُ عنهُم الفُرصةَ رُبما بسببِ التَّمييز أَو الحقدِ والحسدِ والغيرةِ ، فإِذا جاءتهُم فُرصةٌ وأَرادوا اغتنامَها واصطيادَها وضعَ الفاسِدونَ في طريقهِم أَلفَ عقبةٍ وعقبةٍ ليمنعُونهُم منها، أَو رُبما بسببِ المُحاصصةِ والتَّمييزِ الطَّائفي وغيرِ ذلكَ.
وإِنَّ من أَقذرِ شِعاراتِ الفاسدينَ قَولهُم [إِمَّا أَن تكونَ الفُرصةَ لي أَو لا تكُونَ لأَحدٍ] وقولهُم [إِذا فشلتُ في توظيفِ الفُرصةِ فأَفضلُ أَن تضيعَ على أَن تذهبَ لغَيري]!.
إِنَّهُ اللُّؤمُ الذي ما بعدهُ لُؤمٌ!.
وللأَسفِ الشَّديد فإِنَّ مُجتمعَنا يعجُّ ويكتظُّ بمثلِ هذهِ النَّماذجِ والحالاتِ حتَّى أَصبحَ مصداقاً لقولِ أَمير ِالمؤمنينَ (ع) {يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُقَرَّبُ فِيه إِلَّا الْمَاحِلُ ولَا يُظَرَّفُ فِيه إِلَّا الْفَاجِرُ ولَا يُضَعَّفُ فِيه إِلَّا الْمُنْصِفُ}.
لقد تراكمَت الفُرص على قارِعةِ الطَّريقِ فتخلَّفنا على كُلِّ المُستوياتِ خاصَّةً في مجالِ التَّعليمِ الذي هو حجَرُ الزَّاوية في كُلِّ عمليَّةِ نهُوضٍ حضاريٍّ لأَيِّ مُجتمعٍ من المُجتمعاتِ.
والفرصةُ يعملُ عليها الإِنسانُ الفرد والإِنسانُ المُجتمع، إِذ لا يكفي أَن يقتنِصَ المرءُ الفُرصةَ إِذا كانَ المُجتمعُ يتفرَّجُ من دونِ أَن يُمكِّنهُ لينجحَ أَو يضعَ العِصي في عجلةِ الفُرصةِ أَو يرفعَ السُّلَّمَ بوجههِ وفي طريقهِ بالعَرضِ خاصَّةً إِذا كانت الفُرصةَ تتعلَّقُ بالشَّأنِ العامِّ وتخصُّ الأُمَّةَ والمُجتمعَ، ففي هذهِ الحالةِ سيفشل الذي يعملُ على الفُرصةِ مهما أُوتي من قوَّةٍ خارقةٍ وأَدواتٍ قويَّةٍ ويتمتَّع بصفاتٍ مُمَيَّزةٍ وعقلٍ مُدبِّرٍ وإِرادةٍ فولاذيَّةٍ .
لقد كانت عاشوراءَ فُرصةٌ للتَّغييرِ والإِصلاحِ أَضاعتها الأُمَّةَ ليسَ لأَنَّ الحُسينَ السِّبط (ع) قليلُ الحيلةِ أَو لا يعرِفُ بالأُمورِ أَبداً فهوَ إِمامٌ قامَ أَو قعدَ كما في الحديثِ الشَّريفِ عن جدِّهِ رسولُ الله (ص) وإِنَّما بسببِ تخاذُلِ المُجتمعِ وتراجُعهِ عن عهودهِ والتزاماتهِ أَمامَ الرِّسالةِ وصاحبهِ وأَمامَ عاشوراءَ وإِمامِها.
كقَولِ الحُسين السِّبط (ع) مُذكِّراً القَوم بإِلتزاماتهِم {لقد قالَ جدِّي رسولُ الله (ص) إِذَا رَأَيْتُمْ مُعَاوِيَةَ عَلَى مِنْبَرِي فَاقْتُلُوهُ فلمَّا لم تفعلُوا ابتلاكُم بإِبنهِ يزيد}.
يصفُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) هذهِ الحالةِ بقَولهِ {فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا؛ حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ وإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا؛ جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ! هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا والَّتِي! واللَّه لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّه، بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِه لَاضْطَرَبْتُمْ اضْطِرَابَ الأَرْشِيَةِ فِي الطَّوِيِّ الْبَعِيدَةِ!}.
وفي قولهِ (ع) {يَا أَشْبَاه الرِّجَالِ ولَا رِجَالَ! حُلُومُ الأَطْفَالِ وعُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ ولَمْ أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةً (واللَّه) جَرَّتْ نَدَماً وأَعْقَبَتْ سَدَماً قَاتَلَكُمُ اللَّه لَقَدْ مَلأْتُمْ قَلْبِي قَيْحاً وشَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً وجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاساً وأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيَانِ والْخِذْلَانِ حَتَّى لَقَدْ قَالَتْ قُرَيْشٌ إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعٌ ولَكِنْ لَا عِلْمَ لَه بِالْحَرْبِ.
لِلَّه أَبُوهُمْ! وهَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً وأَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنِّي؟! لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا ومَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ وهَا أَنَا ذَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ ولَكِنْ لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ!}.
فعندما تتخاذلُ الأُمَّة لأَيِّ سببٍ كانَ لا ينفعُها نبيٌّ أَو إِمامٌ أَو زعيم.
فلقد حدَّثنا القُرآن الكريم عن قصَصِ الأُممِ [المُتخاذِلةِ] لنعتبِرَ ونتعلَّمَ منها.
يقُول تعالى {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ* قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ* قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ* قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ* قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}.
إِنَّ نتيجةَ التَّخاذُلِ هوَ الفُسقُ كما تصفهُ الآيات الكريمة.
كما أَنَّ خُلفَ الوعدِ والعهدِ يورِثُ النِّفاقَ في القلبِ {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القصيدة عبر النت .. كاملة
(2) للأطلاع : https://kitabat.biz/subject.php?id=24207
و كذلك على موقع كتاب نور / صفحة الفيلسوف الكوني عزيز الخزرجي