يوسف السعيدي
يتحدّث كثيرٌ منّا، تارة بإعجاب وتارة أخرى بتفاخر، عن تواضع وزهد المسؤولين والقيادات في بعض الدول الإسلامية وغير الإسلامية، ولا سيّما النموذج الإيراني، حيث يعيش القادة والرؤساء هناك نمط حياةٍ بسيط لا يختلف كثيرًا عن سائر المواطنين.
إنّ هذه السلوكيات الأخلاقية والروحية ليست غريبة عنّا نحن المسلمين، فقد ألفناها في سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ومدرسة الإمام علي (عليه السلام)، التي كثيرًا ما نُشيد بها، ونقرأ عنها، وننقلها في أحاديثنا. كما تجسّدت هذه القيم عمليًا في حياة علمائنا الأعلام ومراجعنا الكرام، الذين شكّلوا امتدادًا حيًّا لزهد الأوائل وورعهم.
ويُرجع بعض الباحثين هذه الظواهر إلى أثر التنشئة الاجتماعية، وصياغتها عبر كتب ومؤلفات المفكّرين بمختلف اتجاهاتهم. ومهما كان مصدر هذا الوعي، سواء أكان دينيًا أم أخلاقيًا أم اجتماعيًا أم فكريًا، فهو يمثل أسسًا راسخة لا يختلف عليها أي إنسان سويّ يحمل في قلبه معنىً صادقًا للإنسانية.
أتساءل هنا، وتساؤلي الآتي نابع من قراءة بسيطة، فيه ا الشأن : هل لا يزال العقل العربي الإسلامي عقلًا تعبديًّا، أم هو عقل غُيّب فيه القرآن وغُيبت التعددية(تعدديه الاخر ) ؟ بصيغة أخرى: أين هي العقلانية العربية الإسلامية؟
ففي علم الاجتماع، يعزو بعض المفكرين هذه الظواهر إلى سبب واحد؛ فمثلًا يفسرها ماركس بالجانب الاقتصادي، أما فرويد فيعزوها إلى العامل الجنسي، وآخرون مثل العالم هربرت ماركيوز عزاها إلى عدة عوامل.
بقراءة أخرى: هل أصبح العقل العربي عقلًا شعاراتيًا فقط، جعله يغوص في ليل الانحطاط الطويل؟
هذه المقدمة الثقيلة على البعض قد تدفعني إلى ان أصيغ أسئلتي، بلغة بسيطة يفهمها أي متلقٍّ محترم، وهي:
هل من يتحدث بإعجاب عن هذه القيم التي يحملها بعض القادة، يستطيع أن يعكسها على نفسه؟ وهل يستطيع أو يملك الشجاعة أن يتقبل هذه الظاهرة بصدق وأمانة؟
على سبيل المثال، رأيت بأم عيني أناسًا حاولوا عيش هذا التواضع، لكن جزاءهم كان الانتقاص والسخرية والتنمر والهجوم، وكأن التواضع يُعد نقصًا لا فضيلة. وأورد منها بالعامية:
(فلان ماكّون نفسه، فلان ضيعها من إيده، فلان ترك العمل وما حصل شي لا لله ولا لغيره، فلان ضعيف ما عرف أصول اللعبة)، ويُهاجم بشدة بأن تواضعه أو تقشفه مفتعل، ويُسبّ لأنه – على رأيهم – لم يعطِ المنصب حقه! وغيرها الكثير الكثير!!!!
إذ إن الشارع العراقي لا يطيق مسؤولًا متواضعًا ويعيش شغف العيش. فهناك من يندد ويلعن بالفاسدين صباحًا، ويحتفي بهم مساءً في أي مجلس يكونوا حاضرين، وكأنهم أولياء الله الصالحين، ويستقبلونهم بالأحضان:
(فلان شاغول، يعرف من أين تؤكل الكتف).
نلعن حياة الترف والبذخ علنًا، ونقدسها في الخفاء، ونتقرب ونفتخر بقربنا من أصحاب المال والجاه والمنصب.
هذه الازدواجية التي نراها تارة بالوعي وتارة أخرى بصناعة الوهم والانحراف، لها معانٍ عميقة في علم الاجتماع السياسي وعلم النفس السياسي او في السوسيولوجيا . إن هذه الظاهرة ليست جديدة، فقد أشار إليها عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي، الذي وصف الشخصية العراقية بأنها تعاني من ازدواجية في القيم والسلوك، نتيجة للصراع بين قيم البداوة والحضارة، والتأثيرات الاجتماعية والنفسية المتراكمة عبر التاريخ.
لذلك، فإن تفكيك هذه الظاهرة وتحديد مآلاتها أمرٌ هام، ونحن بحاجة ماسّة جدًا لتشخيص هذا الخلل في الوعي الجمعي، الذي يعكس حالة من الازدواجية القيمية وأزمة ثقافية أكثر مما هي سياسية.
إذا الخلل عميق، فنحن أمام ظاهرة وثقافة تمجد المظاهر، وتلعن الفساد جهرًا، وتعانقه سرًّا، وتدين حياة الترف، وتلهث وراء فتاتها. ازدواجية قاتلة تتحدث عن الزهد، وتتفاخر، وتفتتن بالمظاهر والبهرجة.
وأخيرًا، نحن بحاجة إلى مراجعة وعي اجتماعي وإصلاح منظومة القيم بعمق، لا ظاهريًا، إذ إن الإصلاح يبدأ من القيم، لا من الوجوه، واحترام الكفاءة، لا الثروة، والأخلاق، لا المظهر.
نحتاج إلى جيل يقدّر النزاهة، لا السيارات الفارهة، جيل يرى المسؤول خادمًا لا سلطانًا. فالخلل ليس في المسؤول فقط، بل في الذين من حوله.