ايهاب مقبل
منذ العام 2020، يقبع الملا كريكار، واسمه الحقيقي نجم الدين فرج أحمد، 68 عامًا، في أحد السجون الإيطالية، بعدما سلّمته النرويج للسلطات الإيطالية بناءً على مذكرة توقيف أوروبية صدرت بحقه في العام 2015، في إطار تحقيقات طالت شبكة رووتي شاخ (Rawti Shax) التي وُصفت بأنها “منظمة إرهابية عابرة للحدود تتبع فكريًا لتنظيم “أنصار الإسلام”. وقدْ أدين لاحقًا في محكمة إيطالية في العام 2019، بالحكم عليه بالسجن 12 سنة، ثم أُيد الحكم من قبل محكمة النقض الإيطالية في العام 2022.
غير أن صمت حكومة إقليم كردستان العراق أمام هذا الملف المعقّد يثير تساؤلات قانونية وسياسية وأخلاقية: ألا يحق لحكومة الإقليم أن تطالب بإعادة أحد مواطنيها، مهما كانت آراؤه أو خصومته السياسية ومحاكمته على أرضه؟
أولًا: الملا كريكار مواطن كوردي أولًا وأخيرًا
ولد كريكار في العام 1956 في محافظة السليمانية، وهو مواطن عراقي – كوردي، عاش في أوروبا منذ تسعينيات القرن الماضي لاجئًا سياسيًا في النرويج، قبل أن تبدأ حكومات أوروبية بملاحقته بسبب خطابه الديني وعلاقاته بـ”شبكات إسلامية جهادية”. وعلى الرغم من أنه أصبح شخصية مثيرة للجدل، سواء في الداخل الكردي أو على الساحة الأوروبية، فإن حقيقة انتمائه إلى كردستان لا يمكن إنكارها. وهذا الانتماء يحمّـل حكومة الإقليم مسؤولية قانونية وأخلاقية في التعامل مع ملفه.
ثانيًا: رأي الملا كريكار في سجنه
منذ اعتقاله، لم يتردد الملا كريكار في التعبير عن رأيه حيال سجنه في إيطاليا، حيث وصف محاكمته واحتجازه بأنه سجن سياسي يستهدف فكره ومواقفه الدينية والسياسية، مؤكّدًا في عدة تصريحات إعلامية أن التهم الموجهة إليه لا تعكس سوى محاكمة لأفكاره ومعتقداته، لا لأفعال إرهابية فعلية. ويصر على أنه مظلوم ومطارد بسبب مواقفه المعارضة للأنظمة الغربية ولحكومات المنطقة، ويعتبر سجنه محاولة لإسكات صوت كان ينتقد السياسات المحلية والدولية.
ومع ذلك، تبقى هذه التصريحات بالنسبة للسلطات القضائية الأوروبية أدلة على دوافعه الفكرية التي تحركت وراء التنظيمات التي دُعي للانتماء إليها، مما دفع القضاء إلى إصدار حكمه بناء على تحقيقات وأدلة تراكمت على مدار سنوات.
ثالثًا: اتفاقية تسليم بين العراق وإيطاليا
في العام 1934، وقّعت كل من العراق وإيطاليا على معاهدة تسليم المتهمين والمحكوم عليهم، التي دخلت حيّز التنفيذ في العام 1936، وتُعدّ من أقدم الاتفاقيات الثنائية في هذا الشأن. ووفق هذه المعاهدة، يحق لأي من الطرفين:

المطالبة بتسليم شخص مدان أو متهم،

بشرط أن تكون الجريمة معترفًا بها في قوانين كلا الدولتين (مبدأ الجنائية المزدوجة)،

وألا يكون تسليمه ذا طابع سياسي بحت.
وفي حالة كريكار، فإن التهم التي أدين بها، ومنها الانتماء إلى “منظمة إرهابية والتخطيط لعمليات إرهابية” يعاقب عليها القانون العراقي أيضًا، سواء في قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لعام 2005، أو القوانين الكردستانية ذات الصلة. وهذا يجعل شروط المطالبة بتسليمه مستوفاة قانونًا.
رابعًا: ما الذي يمنع حكومة الإقليم من التحرك؟
للأسف، يبدو أن هناك عدة عوامل تقف حائلًا أمام تحرّك حكومة الإقليم، منها:
1. الخلاف السياسي والفكري
الملا كريكار كان صريحًا في معارضته لحكومة إقليم كردستان، ووجّه لها انتقادات لاذعة على مدى عقود، بل دعا إلى إقامة “نظام إسلامي” في كردستان بديل عن النظام العلماني القائم. لكن الخصومة السياسية لا ينبغي أن تُلغي المسؤولية القانونية، وإلا نكون قد أرسينا مبدأ الانتقائية في حماية المواطنين.
2. الخشية من الحرج الدولي
أي محاولة لاسترداده قدْ تضع حكومة كردستان في مواجهة محرجة مع دول أوروبية، خصوصًا إذا فُهم الطلب على أنه “احتضان سياسي” لشخص مدان بـ”الإرهاب”. لكن من الضروري التفريق بين المطالبة بتسليمه لمحاكمته في بلاده، وبين تبرئته فقط لكونه كوردي. الأولى عمل قانوني مشروع، والثاني موقف سياسي مرفوض.
3. الافتقار إلى آلية دبلوماسية مستقلة
حكومة الإقليم ليست دولة ذات سيادة كاملة، ولا تمتلك تمثيلًا دبلوماسيًا رسميًا في إيطاليا، مما يجعل التواصل في قضايا كهذه معقدًا، ويُفترض أن يتم عبر بغداد، التي بدورها تفتقر إلى موقف واضح من القضية.
خامسًا: مصلحة كردستان في استرداده
بعيدًا عن العواطف، فإن استرداد الملا كريكار ومحاكمته في الداخل قد يكون فرصة لـ:

تعزيز سيادة القانون في كردستان أمام المجتمع الدولي،

تفكيك الخطاب المتشدد عبر محاكمة عادلة وشفافة تُكشف فيها خيوط الشبكات الفكرية والتنظيمية،

منع استثمار اسمه دوليًا كرمز مظلوم، وهو ما قدْ يستغلّه متطرفون في أوروبا أو الشرق الأوسط لاحقًا.
بل إن إخضاعه لمحاكمة علنية ضمن إطار قانوني، يكفل له حق الدفاع ويُبيّن أدلة التهم الموجهة إليه، سيكون أقوى من أي سجن غربي قد يتحول إلى مادة دعائية في المستقبل.
في الختام:
لا أحد يُطالب بتبرئة الملا كريكار أو تبييض ماضيه، لكنه مواطن كردي – عراقي مدان من محكمة أجنبية، ويمكن، بل ويجب، أن يُطالب إقليمه باسترداده استنادًا إلى حق قانوني أصيل.
أين موقف وزارة العدل في الإقليم؟ أين دور ممثليات كردستان في أوروبا؟
وإن لم يكن استرداد المواطن حقًا تمارسه الحكومة، فمتى تمارسه إذن؟ وهل الخصومة الفكرية مبرر كافٍ للتخلي عن مواطن يُحاكم في بلد أجنبي؟
ملف الملا كريكار لا ينبغي أن يُترك للغموض السياسي، بل يجب أن يكون بداية لنقاش جديّ عن العلاقة بين الحكومة ومواطنيها… حتى أولئك الذين يختلفون معها.