بمناسبة تطوير الشعبة الخامسة في الكاظمية (لا ينال عهدي الظالمين) (ح 9)

الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
كان مكان الشعبة الخامسة أحد أقسى الأماكن للتعذيب في العالم زمن الظالم صدام فهو وزمرته المجرمة لا عهد لهم مع رب العباد رب الرحمة الله جل جلاله، جاء في تفسير الميسر: قوله تعالى عن الظالمين “وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ” ﴿البقرة 124﴾ لا حرف نفي، ينال فعل، عَهْدِي: عَهْدِ اسم، ى ضمير. الظَّالِمِينَ: ال اداة تعريف، ظَّالِمِينَ اسم. فَأَتَمَّهُنَّ: فَ حرف عطف، أَتَمَّ فعل، هُنَّ ضمير، فَأتَمَهُنَّ: قام بهن على أتم وجه، واذكر-أيها النبي- حين اختبر الله إبراهيم بما شرع له من تكاليف، فأدَّاها وقام بها خير قيام. قال الله له: إني جاعلك قدوة للناس. قال إبراهيم: ربِّ اجعل بعض نسلي أئمة فضلا منك، فأجابه الله سبحانه أنه لا تحصل للظالمين الإمامةُ في الدين.

جاء في موقع ايشان عن تحويل الشعبة الخامسة إلى مدن استراحة للزائرين ومتحف لأدوات صدام التعذيبية: أكد رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، اليوم الأربعاء، خلال إطلاق الأعمال بجسر الكريعات، أن حملة إعمار الكاظمية المقدسة تشمل جميع القطاعات. وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء في بيان، إن “رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، أطلق الأعمال التنفيذية لمشروع جسر الكريعات على نهر دجلة، ضمن حملة إعمار مدينة الكاظمية المقدسة، الذي يعد أول مشاريع تطوير منطقة (الشعبة الخامسة)، التي تستهدف فتح المنطقة العسكرية المغلقة منذ عقود، وتخصيص أراضيها لإقامة مرافق خدمية ومراكز ثقافية ودينية ومدن استراحة متعددة للزائرين”. وأعلن رئيس مجلس الوزراء، أن “منطقة (الشعبة الخامسة)، بمساحة 400 دونم، ضمن الفرص الاستثمارية أمام جميع الشركات”، مؤكداً أنها “ستعلن بشكل شفاف وواضح، وأنها لن تحتوي على أي مشروع سكني، إضافة إلى تميز موقعها الاستراتيجي، والقريب من ضريح الإمامين الكاظمين (عليهما السلام)، حيث سيشيد فيها متحف بمساحة 12500 م2، ليكون شاهداً على الحقبة الدكتاتورية المظلمة، وممارسة أبشع الانتهاكات، والمتحف بمثابة ضمانة لعدم تكرار المآسي، حيث سيطلع المواطنون على بشاعة تلك الحقبة”.

جاء في کتاب الإمام زين العابدين، علي بن الحسين صفحة من دوره الثقافي و جهاده السياسي للشيخ محمد مهدي الآصفي: قال الله تعالى: “وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ” (البقرة 124) فاستجاب الله تعالى لدعاء عبده وخليله إبراهيم، ولكن الله تعالى ذكّره بأن عهده في الإمامة وقيادة الأمّة، لا ينال الظالمين‌ “قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‌” (البقرة 124)، ولن يكون الظالمون أهلًا لاستلام موقع الإمامة والقيادة في المجتمع الإسلاميّ. الأمّة، وهي الكيان الحضاريّ المبارك الذي جعله الله أمّة وسطاً، وأمّة شاهدة على الناس، وحاملة للتوحيد، وقيّمة على البشريّة “وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً” (البقرة 143).

جاء في صفحة الشعبة الخامسة: وثائق سرية تكشف الوجه الإجرامي للنظام البعثي بعد اغتيال السيد الصدر ونجليه رضوان الله عليهم. هذه الوثائق التي تعود إلى عام 1999، والصادرة عن وزارة الداخلية في نظام صدام المقبور، تكشف تفاصيل دامغة عن جريمة أخرى من جرائم النظام الدموي بعد اغتيال المرجع الكبير السيد محمد محمد صادق الصدر ونجليه مصطفى ومؤمل (رضوان الله عليهم). ماذا حصل؟ في الأيام التي تلت جريمة الاغتيال، اندلعت شرارة انتفاضة شعبية غاضبة في مدينة الصدر (التي كان النظام يسميها زورًا “مدينة صدام”). الوثائق ترصد بدقة تحركات الناس الذين تجمّعوا قرب جامع المحسن، حيث خرج الآلاف يهتفون ضد النظام القمعي. النظام تعامل مع هذا التجمهر السلمي بوحشية مفرطة، فأرسل قوات خاصة وأجهزة أمنية، ومعهم الأسلحة الثقيلة، لتفريق المتظاهرين العزّل. استخدموا الأسلحة الرشاشة، والقنابل، والقصف العشوائي من سيارات (الجهاد) وهي سيارات تابعة للأمن الخاص. شمل القمع اعتقال العشرات من المواطنين وتسليمهم للجهات الأمنية لتعذيبهم والتحقيق معهم. قُتل في هذه الأحداث 17 مواطنًا بريئًا، وأصيب 43 شخصًا آخرون من المدنيين، إضافة إلى إصابة بعض عناصر الشرطة والحرس. الوثائق تصف أيضًا كيف تمّت مطاردة المتظاهرين في الأزقة والشوارع، وكيف طُلب من “الجهات الأمنية” تصفية واعتقال كل من يُشتبه بمشاركته. لماذا هذه الوثائق مهمة؟ هذه الصفحات ليست مجرد تقارير إدارية، بل إدانة واضحة لطبيعة النظام الصدامي القمعي: تكشف بوضوح كيف كان النظام يتعامل مع أي صوت معارض، ولو كان احتجاجًا سلميًا في مسجد. يظهر فيها إصرار النظام على التصفية الجسدية بدل الاحتواء أو الحوار. حتى ضباط الشرطة أنفسهم تعرضوا للإصابة لأنهم لم يكونوا بنفس درجة وحشية الأجهزة القمعية الأخرى. جريمة اغتيال السيد الصدر ونجليه لم تكن نهاية المطاف، بل كانت شرارة لانتفاضات قُمعت بالحديد والنار. هذه الوثائق تذكرنا بمرحلة مظلمة من تاريخ العراق، كان فيها القتل والاعتقال والقمع سياسة دولة، لا تصرفًا فرديًا.

جاء في موقع بنت الرافدين عن نزيل في الشعبة الخامسة للكاتب محمد السعدي: تعرضت الى تعذيب وحشي من خلال أستخدام الاسلاك الكهربائية بشكل يومي. كنت حقل تجريب من خلال استخدام الكهرباء على أعضاء جسدي لاكتشاف نقاط الضعف والقوه.كانوا يستخدمون لايذائنا الضرب بالكابلات وايضا الفلقة وكل ما هو بعيد عن منطق الانسانية. اضافة الى ظروف الزنزانة القاسية وظلامها الموحش والمخيف فلا تستنشق من خلال كوتها الا رائحة الشواء والموت. أنقضى 11 عاما على هذه التجربة الأليمة ووحشة الزنزانة وسوط الجلاد يلاحقني لأن أبوح باسرارها ومشاهد عارها ودمائها. أجبرتني ان اكتب للتاريخ وللاجيال اللاحقة لمعرفة ما كان يجري في بلدي العراق ولان هناك ثمة بشر ما زال يراهن بحكم جهله من عقدة الصمود والضعف في زمن البعث لهذا بدأت أكتب وأنا أستذكر تلك الايام المجرمة في حياتي وحياة الاخرين. كنت أسخر من الاخرين عندما يتحدثون عن المناضلين القابعين في الزنزانات. يقولون كما يقولون. هذا ضعف موقفه وهذاك صمد والاخر تعاون.. فسأجرأ على الكتابة والولوج في تفاصليها اليومية المخيفة ورواية يومياتها والتي تشعرني بالعار والهزيمة وأصرخ يا لمرارة البشر وظلم القانون الذي يجعل الانسان منتهكا. البعث واساليبه أنتهك انسانيتك وأدميتك. اما الحزب وانت احد رموزه في مقاومة الجلاد يحاول أيضا خائبا لقتلك وقد يكون هذا نتاج طبيعي لسياسته ومن يقرأها جيدا ويتمعن بين أحشاء سطورها يجدها بعيدة عن فوران الداخل ومتطلباته الجماهيرية في التطلع الى التطورات والتعامل مع دموية السلطة وأساليبها سياسة لا تمت الى الجماهير بصلة قربى أو مواكبة وكذلك بعيدة عن نبضها الحي الا أذا تجمعت في مسار طريقه حفنة من الركامات والمتملقين التي حرفت طريقه وأغتالت بريقه المضيء في النضال والمواقف ومن يفقد هذه الخصال يفقد شرعيته في أتهام الاخرين خلسة وخلف الابواب الموصدة. ومرارة التجربة في سجني وصمودي وتفاصيلها في روحي والتي لمجرد ذكرها وتذكرها تدعوني أحيانا ان افقد انسانيتي ويقشعر لها بدني عندما أعيش تفاصيلها المذلة والتي مازالت وستبقى محفورة في الذات والذاكرة. وبمرور الابام والسنين حاولت جاهدا أن اتخلص من تبعاتها النفسية والسياسية لكن كان وقعها وفعلها أقوى من قدرة ومخيلة البشر في تجاوز فصولها المأساوية. تركت بصماتها القوية والمؤذية على مسيرة حياتي كانسان ومناضل بقيت أعاني لسنوات من الشرود الذهني وانا بين ناسي وأهلي وذلك لمجرد المرور في الذاكرة على الموقع والمكان والبشر هناك. من خلال تناولي للاحداث والوقائع في المعتقل أردت أن أؤكد حقيقة الموقف من بؤس الحياة وفن التعذيب في الشعبة الخامسة والجدل حول الشجاعة والصمود والضعف والانهيار في مواجهة الموقف وأسلوب التعذيب والتعامل معهما. لابد هنا من ان أعتز بقدرتي الفائقة وصمودي في الحفاظ على حياة الناس. هناك بشر مازالوا احياء في العراق برغم كل ظروف المعتقل والتعذيب ورائحة الدم أذ تمكنت من الحفاظ على حياتهم ولم أمسهم بأذى فلو بحت بما املك من معلومات عنهم للجلادين لكانت حياتهم وحياة عوائلهم في عداد الموتى أو في قائمة الخونة حسب أعراف النظام وسياسته مع معارضية في الفكر والسلوك. الى يومنا هذا ذاكرتي تحتفظ بذكراهم الطيبة والشجاعة والزمن هو الكفيل الوحيد بالبوح عن مواقفهم البطولية.رفاق ومعارف فتحوا أبوابهم لي وأنا السياسي المطلوب للدولة حسب قوانينها. كان زمنا صعبا وكل شخص كان مهددا بالاعدام هو و أفراد عائلته حين التستر عليك فكيف سيكون الموقف عندما يأويك ويسهلون لك مهمتك في التحرك والاختفاء والمساعدة؟ عصارة موقفي تتجلى بالضمير للحفاظ على أسرار من كانوا ومازالوا هناك يقاومون بالصمت الدكتاتورية وأساليبها. وهذا هو فخري بعينه وكنزي في الحياة والموقف. بعد زواجي من حبيبة العمر والدرب جنان سامي بدأت تخف عندي تدريجيا ولو ببطء أثار ومخلفات المعتقل والتعذيب ولزوجتي الطيبة التي تحملت معي رحلة العمر من محطات عذاب وألم وحنين وأحلام موجلة في وسط بحر متلاطم الامواج. خفت عندي الكوابيس والصراخ في الليل فكان لزوجتي الاثر البالغ في تخفيف هذه الجروح والمعاناة. في تجربة الايام الاولى التي مرت علي دهرا في المعتقل كانت قاسية ودامية من وطأة لياليها المرة وقساوة التعذيب فيها مما أدت بي أن انقل الى المستشفى مغميا علي وعندما افيق من هول التعذيب اجد نفسي مطروحا في أحدى مستشفيات بغداد والاوجاع تنهش في جسدي وأورام ظاهرة للعيان.