الازدواجية المستبطنة : المثقف العراقي ومفارقات المسكوت عنه !

ثامر عباس

على ما يبدو فان فرضية العالم الاجتماعي الراحل (علي الوردي) حول ظاهرة (الازدواجية) في الشخصية العراقية ، أخذت تتحول – في ضوء تواتر مآزقنا واشتداد معاناتنا – إلى واقعة اجتماعية لا سبيل إلى إنكارها أو إخفائها ، كما يفعل البعض بلا جدوى . والواقع لست هنا في وارد الحديث عن الأسباب التي أفضت إلى صيرورة هذه الظاهرة وتنامي قيمها ، فتلك مسألة حصل حولها خلاف بين من يعزوها لطبيعة المؤثرات القيمية الناجمة عن ديناميات (المدّ الصحراوي / البدوي) من جهة ، و (المدّ المديني / الحضري) من جهة أخرى ، كما ذهب الوردي نفسه بهذا الاتجاه . وبين من يقول أنها حصيلة طبيعية ومتوقعة لسياسات وممارسات الأنظمة السلطانية والشمولية التي تعاقبت على حكم العراقيين عبر القرون . إنما ما يهمني هنا هو تلك التأثيرات والتداعيات التي انثالت على بنى الوعي وأنماط السلوك الصادرة عنها من لدن الشخصية العراقية ، حيال ما يزخر به الواقع من معطيات ؛ سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ونفسية ودينية .

ونظرا”لتقادم عملية استبطان هذه الظاهرة من قبل السيكولوجيا الاجتماعية العراقية ، فضلا”عما تراكم حولها ونجم عنها وترتب عليها من عادات وتصورات وتواضعات وعلاقات لم تبرح فاعلة وشغالة ، فقد استطاعت ليس فقط احتواء وتنميط منظومات (الوعي / الشعور) الجمعي لمختلف الجماعات والمكونات العراقية ، ومن ثم تلقيحها بما تحمله من قيم وأخلاقيات وتمثلات فحسب ، وإنما – وهنا مكمن الخطر – تمكنت من التسلل إلى أعماق طبقات (اللاوعي / اللاشعور) الجمعي واستطاعت التغلغل بين أخاديده وانسلت داخل طياته ، بحيث بات من الصعوبة بمكان – على الفرد أو الجماعة – الإفلات من قيودها والتخلص من عواقبها والنأي عن تأثيراتها ، بصرف النظر عما يزعمه الفاعل الاجتماعي من امتلاكه القدرات والمؤهلات تمكنه من الخروج من شرانقها والتطهّر من إفرازاتها والتبرؤ من آثامها .

ولعل أضرار ومخاطر هذه الظاهرة تتأتى من طرف النخبة / الخاصة أكثر مما تتأتى من عامة الناس ، ذلك لأن مستوى وعي وثقافة هؤلاء الأخيرين لا يتيح لهم التلاعب بمدخلات ومخرجات تلك الظاهرة على صعيد بناء المواقف واجتراح السلوكيات ، بحيث يضمرون غير ما يظهرون ويخفون غير ما يعلنون ، كما تبرع نخبهم (المثقفة) في التعاطي مع المستجدات الطارئة والحالات الاستثنائية ، التي تستلزم بيان موقفها حيال القضايا الحساسة المطروحة والمسائل الإشكالية المثارة ، وبالتالي إظهار سلوكها إزاء الحلول والمعالجات التي ينبغي اختيارها وتفضيلها . وذلك استنادا”إلى ما يتوفرون عليه من نضج في الوعي واعتمادا”على ما يتحصلون عليه من رصيد في الثقافة ، بحيث يتيح لهم هذا الوعي وتلك الثقافة إمكانية تسويغ الانحرافات في مواقفهم وتبرير الانكفاءات في تصرفاتهم .

ولهذا (فالمثقف) المستبطن لهذه الظاهرة لا يرى حرجا”في الجمع بين المتناقض من الأفكار والمتعارض من القيم ، طالما إن ذهنيته مبنية على إجادة التلاعب بمفارقات المسكوت عنه من إشكاليات دينية وملابسات تاريخية ، بحيث تجده – على سبيل المثال – ينشط في الترويج للأفكار العنصرية أو الطائفية أو القبلية ، في الوقت الذي قد يكون من أصول ماركسية أو خلفيات ليبرالية أو بالعكس ، مثلما يتحمس في الدعوة للمجتمع المدني والدولة الديمقراطية وحقوق الإنسان ، في الوقت الذي قد يكون من أنصار التحزب الإيديولوجي والتمذهب الديني والتقاطب الجندري أو بالعكس ، مثلما ينغمس بقضايا الحداثة والتنوير والعقلانية ، في الوقت الذي قد يكون من أشد دعاة التقليد والتكفير والغيبية وبالعكس .

واللافت إن أغلب مظاهر هذه (الازدواجية المستبطة) ، قد لا يعيها الشخص المعني أو يفطن إليها خلال تعاطيه مع القضايا السياسية الساخنة والاجتماعية الحادة والاقتصادية الملحة والثقافية المتأزمة كما قد يتوهم ذلك . إذ إنها وبسبب من تعرضها للاستهجان الاجتماعي والازدراء الأخلاقي والرفض العرفي ، تستحيل شيئا”فشيئا”إلى رواسب مطمورة ومخلفات محظورة تضاف إلى عناصر مخزون (اللاوعي) المسكوت عنها والممنوع التفكير فيها ، والتي تمارس إيحاءاتها وتفرز تأثيراتها من خلف ستار (الوعي) ، وهو الأمر الذي يحول دون لجم عنفوانها وكبح تمظهراتها رغم كل الجهود والمحاولات التي قد يبذلها البعض لاستئصال شأفتها واجتثاث جذورها .