خرائط الضياع وأصداء الذات

رياض سعد

الضياع ليس حدثًا عابرًا، بل حالة ممتدة تتخلل النفس، تتشكل في المسافة بين ما نعرفه عن أنفسنا وما نعيشه بالفعل… ؛  هو ارتباك البوصلة الداخلية حين يتداخل صوت القلب مع صخب العالم، فينطفئ الوميض الذي يرشدنا، وتبقى الخطوات مترددة في طرقات مجهولة.

أحد أعمق جذور هذا الشعور هو الانفصال عن الروح؛ ذلك الانقطاع الخفي الذي يجعل الإنسان يعيش وكأنه آلة تنفذ ما يمليه العقل وما يفرضه المحيط، ناسياً أن داخله يحمل نهرًا من المعاني التي تحتاج الى الإصغاء… ؛  حين نخون ذواتنا لصالح قوالب الآخرين، نفقد ملامحنا الخاصة، ونصبح مجرد انعكاس لأفكار لم نخترها.

ويزداد الضياع حين نمنح الآخرين حق تقرير مصيرنا أكثر مما نمنحه لأنفسنا… ؛  ليس الخطأ في الاستماع للنصح، بل في تنفيذه دون وعي أو غربلة، وكأننا نتنازل عن قيادة سفينتنا في بحر الحياة… ؛  هذه السفينة، حين يحكمها الخوف، تصبح أسيرة أمواج القلق، فلا الميناء آمن ولا البحر مبهج.

الخوف يغلق النوافذ التي يطل منها الضوء، في حين أن بعض المخاوف ما هي إلا أوهام صنعتها عقولنا وصدّقناها… ؛  العقل، إن تركناه بلا رقيب، قد يتحول من أداة للبصيرة إلى آلة لصناعة الظلال، يعرض علينا أسوأ الصور ثم يقنعنا أنها الحقيقة الوحيدة.

الصحبة الخاطئة تعمّق الضياع ايضا … ؛  حين نحيط أنفسنا بمن يزرعون الشك ويقتاتون على التذمر، نسمح لأرواحهم الثقيلة أن تسرق منا نبض الحياة… ؛  نحن بحاجة إلى من يذكرنا بأننا قادرون، لا إلى من يسحبنا إلى قاع الإحباط.

وكذلك التمسك بالماضي، مهما كان جميلاً أو مؤلمًا، يحجب عنا جمال اللحظة الحاضرة، كما أن محاولة التحكم بكل تفصيلة في الحياة تجعلنا سجناء لوهم الكمال الذي لن ندركه… ؛  فالتغيير الحقيقي يبدأ حين نقبل النقص كجزء من طبيعتنا، ونسير رغم العثرات، متوكلين على الله لا على إحكام قبضتنا على كل شيء.

إن الضياع، في جوهره، رسالة… ؛  رسالة تقول إننا ابتعدنا كثيرًا عن مركزنا الحقيقي، عن الفكرة النقية التي خُلقنا عليها… ؛  العودة تبدأ بإعادة الإصغاء، بإعادة النظر إلى الحاضر كأرض خصبة، وبالتخفيف من أوزان الماضي والخوف، ثم الانطلاق بخفة نحو الحياة، واثقين أن الله لا يضيع من طرق بابه.