حكومات في ورطة

كامل سلمان

من يتمعن بوضع الحكومة السورية مع الدروز ومع العلويين ومع الكورد و مع إسرائيل ومع التحديات الأمنية والاقتصادية في الداخل ومطالبات المجتمع الدولي ببناء دولة مدنية خالية من العنف ، من يتمعن بكل ذلك يشعر فعلاً بأن الحكومة السورية في ورطة ، ومن ينظر إلى وضع الحكومة اللبنانية مع تحديات حزب الله ومع التهديدات الإسرائيلية ومع ضغوطات المجتمع الدولي والحالة الاقتصادية المتأزمة يشعر فعلاً الحكومة اللبنانية في ورطة . ومن يتمعن بالوضع العراقي حيث المشاكل المستعصية مع إقليم كوردستان وعدم قدرة هذه الحكومة على حماية منشآتها وعدم قدرتها السيطرة على الفساد وضعفها أمام المليشيات المسلحة والضغوطات الأمريكية سيخلص إلى نتيجة حتمية بأن الحكومة العراقية في ورطة ، الوضع في إيران لا يقل سوءاً عن نظيراتها العراقية والسورية واللبنانية حيث الضغط الداخلي والحصار الاقتصادي الغربي والتحدي الإسرائيلي واليأس من تحقيق أهداف الثورة الإسلامية كلها إشارات بأن الحكومة الإيرانية في ورطة ، وكذلك حال تركيا وضعفها الاقتصادي الذي ينهار ببطئ والتورط في صراعات الشرق الأوسط وصعوبة إيجاد حل جذري لملفات الكورد تضع الحكومة التركية في مأزق كبير لتقف مع باقي حكومات المنطقة في طابور الحكومات التي تعيش في ورطة ، حالة الورطة عند حكومات المنطقة تزداد سوءاً بوماً بعد يوم وقد تدخل دول إقليمية أخرى في الطابور ، لا يعرفون كيف يعالجون مشاكلهم فكلما خطوا خطوة إلى الأمام زادت ورطتهم وزادوا من الطين بلة أو كما يقال غرست أقدامهم بالوحل .. الحقيقة هذه هي الصورة الواقعية لما تعيشها حكومات هذه الدول التي لا تجد لها سبيلاً ، فهل هناك من توجهات تقود لمعرفة الأسباب العميقة لهذه الارتباكات أو ( اللخبطة )والتيه عند حكومات دول المنطقة لأننا لو نظرنا إلى بقية دول العالم الأخرى سنلاحظ عندها مشاكل قد تكون أعظم من مشاكل دول المنطقة لكنها تعرف كيف تشق طريقها في الحياة تنمو وتزدهر وتتطور ولها القدرة على حل مشاكلها بشكل تدريجي والسير قدماً فهي ليست في ورطة ، الورطة فقط عند دول المنطقة من ورطة إلى ورطة ومن سيء إلى أسوأ والأكثر من ذلك فأن شعوب دول المنطقة تتحمل وزر سيئات حكوماتها وتتعذب بسببها وتدفع الثمن غالياً من دماء أبنائها وراحتها وتوتر أعصابها ومستقبل أجيالها ، فمن يحاول أن يرمي باللوم على الغرب وإسرائيل بأنها وراء كل هذه المشاكل فهذا تفكير ساذج لأن ما نتحدث عنه من ويلات ومصائب غالبيتها من وحي غباء هذه الحكومات وطريقة تعاملها مع الأحداث ، وهذه المشكلة موجودة في تأريخ شعوب هذه الدول بصيغ وأشكال مختلفة قبل أن تظهر امريكا وأوربا الحديثة للوجود بل من العار أن ننسب مشاكلنا للأخرين فهذا دليل أخر على أننا مجتمعات ضعيفة غير قادرة على مواجهة الصعاب . تشخيص الأسباب الكامنة لهذه الورطات معقدة جداً ولكن من السهل معرفة الخيط الذي يرشدنا إلى أصل العلة فلا يوجد أدنى شك بأن أفكار شعوب وحكومات المنطقة تكاد تكون متشابهة ولها نمط واحد وجذر واحد وهي مخلفات الماضي السحيق ، عدم القدرة على التغيير سواء أكان على مستوى الفرد أو المجتمع أو الدولة دليل العجز ودليل التخلف ، لكن المشكلة الأتعس أن مجتمعات دول المنطقة وحكوماتها تنظر لنفسها بأنها مجتمعات راقية ثقافياً وعقلياً وإدراكياً وإنها متفوقة بكل المقاييس على باقي شعوب وحكومات دول العالم ، هذه هي الطامة الكبرى عندما تكون نفسك عاجزاً عن معرفة عيوب نفسك وتكون واثقاً جداً من قدراتك التي ليس لها أثر على الواقع ، فمن الصعب إيقاظك من سباتك لكشف أسباب فشلك والحال ينطبق على الجميع بلا استثناء ، كلهم واثقون من أنفسهم ، كلهم أذكياء عباقرة لكنهم فاشلون ! هل يستطيع أحداً تفسير ذلك ؟ كيف تكون ذكياً وعبقرياً وفاشلاً بنفس الوقت ونوعية الفشل هنا هو الفشل الذي يدمر حياة الشعوب ، طبعاً لا أحد يستطيع تفسير ذلك ، فعندنا على سبيل المثال القائد الذي يفشل مرة سيعيد محاولة الفشل ألف مرة بنفس العقلية وبنفس التفكير ويعتقد بأنه سينجح في يوم من الأيام ولا ينظر إلى تداعيات كل محاولة فاشلة ونتائجها المخيبة والمدمرة للمجتمع والأغرب يخرج إلى الناس مبتسماً شاكراً لله على نجاحاته لأنه لا يسمي الفشل فشلاً ، طالما لم يصبه سوءاً لا هو ولا عائلته ولا الناس الذين من حوله فهذا هو مقياس النجاح وليس الفشل لذلك فهم ناجحون في حساباتهم ، فهل سمع أحدنا قائداً من الأولين والآخرين يقول أنا فشلت أو قائداً أنتحر بسبب فشله ؟ لذلك نعيد ونكرر القول بأن نمط التفكير عند حكومات وشعوب المنطقة هي أصل المشكلة ولا مناص من تدهور الأحوال إلى مالا يحمد عقباه .ختاماً يمكن القول بأن الأفكار وطرق التفكير مرتبطة بالأيدولوجيات التي تقود الحياة عند دول المنطقة ، كلها مستوحاة من الماضي المليء بالفشل أصلا فلا تغير يرجى ولا ورطة تزول .

Kamil.salman@gmail.com