حسين شكران الاكوش العقيلي
في مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، لا يُنظر إلى الموت كفاجعة تُخرس الحياة، بل كحقيقة تمهّد للقاء الحق، وتُعيد ترتيب فهمنا للدنيا والآخرة، للعدل والغرور، وللعمل والأمل. إنه فصل من كتاب الكينونة، حيث تُطوى صفحة الغرور لتُفتح صفحة الحقيقة الخالدة. “صبرًا بني الكرام، فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضر إلى الجنان الواسعة والنعم الدائمة.” الموت حقيقة يقينية لا تعرف التمييز يرفض الإمام علي عليه السلام أن يُنظر إلى الموت بمنظار الرعب أو الإنكار. بل يصفه بأنه الطارق الذي لا يُرد، والضيف الذي لا يُرفض. لا يفرّ منه أحد، ولا تؤخره الأموال أو المناصب أو الأعمار. ففي وصيته لولده الإمام الحسن عليه السلام، يقول: “اعلم يا بني أنك إنما خُلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة.” هذا الإدراك الجوهري يُحرّر الإنسان من وَهم الخلود في الدنيا، ويدعوه إلى أن يجعل من كل يوم شاهدًا عليه، لا حجابًا أمام الحقيقة. الموت ميزان العدالة الإلهية ينظر الإمام عليه السلام إلى الموت على أنه عدلٌ مُطلق، لا يحابي أحدًا. حتى الملوك والأنبياء لا ينجون من قبضته. يقول في تأمل عظيم عن سليمان بن داود عليه السلام: “فلو أن أحدًا يجد إلى البقاء سُلّمًا أو لدفع الموت سبيلًا، لكان ذلك سليمان بن داود… فلما استوفى طُعمته واستكمل مدته رمته قسيّ الفناء بنبال الموت.” فالموت لا يفرّق بين غني وفقير، قوي وضعيف. إنه مِسطرة الله التي تُساوي بين الناس جميعًا، وتكشف قيمة الأعمال لا الألقاب. الموت انتقال من وحشة الدنيا إلى أنس الآخرة للمؤمن، الموت ليس نزعًا، بل ارتقاء. إنه تحرّرٌ من قيود، وفكٌ من أغلال، واستبدالٌ بثياب الطهر، وركوبٌ إلى منازل الأنس. كما ورد في قول الإمام زين العابدين عليه السلام: “للمؤمن كنزع ثياب وسخة قملة، وفك قيود وأغلال ثقيلة، والاستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح، وأوطأ المراكب، وآنس المنازل.” أما من أساء وظلم، فالموت له انتقال من النعيم إلى العذاب، ومن الزينة إلى الوحشة. الموت: دعوة دائمة للاستعداد لا للخوف الإمام علي عليه السلام لا يدعو للهروب من الموت، بل إلى الاستعداد له، عبر العمل الصالح، والتواضع، وقطع الأمل الزائف. فيقول: “من علم أنه يفارق الأحباب، ويسكن التراب، ويواجه الحساب، كان حريًا بقطع الأمل، وحسن العمل.” هذه الكلمات ليست فقط خطابًا روحيًا، بل نداءً أخلاقيًا وسياسيًا، يُعلّمنا أن المسؤولية تبدأ من إدراك الفناء، ومن رفض الغفلة. والاستعداد للموت