فاضل حسن شريف
جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى عن خمورهن “وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (النور 31) “وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ”. قال فقهاء الشيعة الإمامية: يحرم على المرأة أن تنظر من الرجل، ما يحرم عليه أن ينظر منها، ويحل لها ان تنظر منه ما يحل له ان ينظر منها أي إلى الوجه والكفين فقط، ومعنى هذا ان المرأة لا يحل لها ان تنظر إلى شعر الرجل، تماما كما لا يحل له ان ينظر إلى شعرها، وقال غيرهم: بل يجوز أن تنظر إلى جميع بدنه إلا ما بين السرة والركبة. والتفصيل في كتابنا الفقه على المذاهب الخمسة، فصل ما يجب ستره وما يحرم النظر إليه من البدن. “ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها”. المراد بالزينة هنا موضعها لأن الزينة بما هي لا يحرم النظر إليها، والمراد بالظاهر من موضع الزينة الوجه والكفان فقط، وقد استدل الفقهاء بهذه الآية على وجوب الحجاب، وان جميع بدن المرأة عورة إلا ما استثني منه أي الوجه والكفين، فقد سئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن الذراعين: هل هما من الزينة التي قال اللَّه عنها: ولا يبدين زينتهن؟ فقال: نعم، وما دون الوجه والكف من الزينة. أي المحرمة. وفي أحكام الآيات للجصاص أحد أئمة الأحناف: (المراد بما ظهر الوجه والكفان). وفي تفسير الرازي الشافعي: (اتفقوا على أن الوجه والكفين ليسا بعورة). “ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ”. يضر بن أي يلقين. والخمار غطاء الرأس. والجيب فتحة القميص، والمراد به هنا الصدر من باب اطلاق اسم الحالّ على المحل، والمعنى يجب على النساء أن يسدلن الاخمرة من الأمام ليسترن الصدور والنحور. وكان نساء الجاهلية يغطين رؤوسهن بالاخمرة، ويسدلنها من وراء الظهر، فتبدو صدورهن ونحورهن، وبقين على ذلك حتى نزلت هذه الآية، فأسدلن الأخمرة إلى الأمام يسترن بها الصدور والنحور. سفور أو متجر لبيع اللحوم؟ رخص الإسلام للمرأة أن تكشف عن الوجه والكفين لأن ضرورة الحياة تستدعي ذلك، واعتبر ما عداهما عورة لأنه طريق المخاطر والمهالك، قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: (من رعى غنمه حول الحمى نازعته نفسه أن يرعاها فيه). وهذا هو الواقع المشهود، فأنّى اتجهت ببصرك رأيت له العديد من الصور.. فما ان أسفرت المرأة عن شعرها حتى ذهبت إلى الحلاق، ومنه إلى كشف الصدر والكتف والساق، إلى (الميني جيب والمكر يجيب) إلى الأزياء التي تتطور يوما فيوما، وتجسم الأنوثة وتحكيها عضوا عضوا، وتعرضها في الشوارع والأسواق كأنها لحم في متجر جزار.. والسر ان أكثر النساء لا يذهبن إلى أبعد من اظهار زينتهن وعرض جمالهن.
ويستطرد الشيخ مغنية في تفسيره المبين قائلا: وأعجب ما قرأته في هذا الباب أن في مدينة هامبورغ بألمانيا الغربية شارعا رهيبا يصطف على طول جانبيه محلات، وفي كل محل تعرض في واجهاته نساء على الزبائن والناظرين، وهن عرايا في أوضاع شاذة لا تخطر على بال. وان كل ما يبدو مستحيلا فهو متحقق بالفعل، ويستمر هذا العرض طوال الليل والنهار. هذه هي عاقبة الحرية الزائفة. قرأت هذا، وأنا أرتجف من هول ما قرأت، وأول شيء أوحى به إليّ هذا الشارع العاري انه في المستقبل القريب أو البعيد سينتقل إلى بلادنا، تماما كما انتقل الميني جيب وغيره، ما دمنا مستمرين في محاكاة الغرب. نستجير باللَّه مما يخبئه الغد. وبهذه المناسبة نشير إلى أن المرأة إذا كانت مولعة بإظهار زينتها وجمالها، وتجسيم أنوثتها بكل أسلوب فان كثيرا من الرجال مولعون بإظهار شخصيتهم وإلصاق الشهرة بهم، ولو كذبا وخداعا، وإذا كانت المرأة تحقد وتحسد من ينافسها في الزينة والجمال فان الرجال المولعين بالشهرة أكثر حسدا، وأشد حقدا على من له اسم يذكر. في سنة 1957 نشر كاتب مصري كلمة يسخر فيها من فتوى شيوخ الأزهر بتحريم لبس (المايوه) للمرأة، وقال فيما قال: إن الإسلام بريء من هذه الفتوى. فنشرت كلمة في الرد عليه، وأثبت ان شيوخ الأزهر نطقوا بكلمة الإسلام والقرآن، واستشهدت بآية: “ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ”. وبعد أيام صادف ان زرت شيخا مع أحد الزملاء، ولما استقر بنا الجلوس أقبل عليّ الشيخ وقال: كيف تحلل لبس (المايو) وترد على شيوخ الأزهر الذين أفتوا بتحريمه؟. قلت: بالعكس، أيدت فتوى الشيوخ، و فندت رأي من رد عليهم. قال: كلا، وقد احتفظت بالصحيفة التي نشرت فيها كلمتك لأجابهك بها. قلت: هاتها. فقام مسرعا، وجاء بالصحيفة وشرع يقرأ بحماس كالظافر المنتصر. قلت: ما ذا رأيت؟. فبهت وأسقط في يده. وحضر هذا المشهد وللَّه الحمد رفيقي السيد وشيخ من أقارب الشيخ على الهامش ما زال الشاهدان من الأحياء، نحن الآن في صيف سنة 1969. ولا أجد تفسيرا لاقدام هذا الشيخ على تكذيب نفسه بنفسه إلا أنه غفر اللَّه له كان يتمنى لي العثرات واللعنات، فأخذ يبحث بالسراج والفتيلة كما يقول العامليون – ليشيعها ويذيعها، ولما قرأ اسمي في الصحيفة تحرك حقده الكامن المكبوت، وطغى حبه للتشهير بي على بصره وبصيرته، فأراه البياض سوادا، والحق باطلا.. ولا بدع فان البغض تماما كالحب يعمي ويصم، وصدق اللَّه العظيم: “لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ” (الأعراف 179). وما ذكرت هذا الحديث شاكيا أو متبرما. كلا، فقد علمتني التجارب ان لا أبالي بالكواذب، ولكن أملاه عليّ القلم، ولم يدع لي سبيلا للاختيار، وهذا شأنه معي كلما انصرفت إليه.
ويقول الشيخ محمد جواد مغنية في تفسيره آية النور 31: وبعد أن نهى سبحانه النساء المسلمات عن كشف مواضع الزينة إلا الوجه والكفين، بعد هذا رخص لهن بابداء غيرهما لاثني عشر صنفا: 1 – “ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ” فلكل من الزوجين ان يرى من صاحبه ما يشاء. 2 – “أَوْ آبائِهِنَّ” ويدخل فيهم الأجداد من الأب والأم. 3 – “أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ” ويدخل في آباء الأزواج الأجداد من الأب والأم. 4 – “أَوْ أَبْنائِهِنَّ” وولد الولد ولد ذكرا كان أو أنثى. 5 – “أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ” وان نزلوا. 6 – “أَوْ إِخْوانِهِنَّ” من الأم والأب أو من أحدهما. 7 – “أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ” وان نزلوا. 8 – “أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ” كذلك. 9 – “أَوْ نِسائِهِنَّ” يحرم على المسلمة ان تتجرد من عورتها أمام مثلها حتى ولو كانت أمها أو ابنها، كما يحرم عليها أن تنظر إلى عورتهما. ويحل لها ان تتجرد عما عدا السوءة أمام مسلمة مثلها، ولا يحل ذلك أمام غير المسلمة، هذا ما دلت عليه الآية، وما خالفها فمتروك. وفي بعض الروايات، أن المسلمات إذا تجردن أمام غير المسلمات و صفن ذلك لأزواجهن. 10 – “أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ” من الإماء والجواري، أما العبد فلا يجوز له ان ينظر إلى سيدته إلا الوجه والكفين، ولو كال خصيا، وما خالف ذلك الأقوال والروايات فمتروك. وعلى أية حال فإنه لا موضوع اليوم لهذا الحكم، حيث لا إماء ولا عبيد. 11 – “أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ” وهم الذين يخالطون الأسرة، ويتبعونها في أكثر الأحيان، ولا شهوة لهم في النساء لسبب بدني كالهرم والعنن أو عقلي كالعته. 12 – “أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ” المراد بالطفل الجنس، وهم الصبيان الذين لا يفرقون بين العورة وغيرها من أعضاء البدن. “ولا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ” كان النسوة يلبسن الخلاخل، وما زالت هذه العادة في كثير من البلدان العربية، وكان بعضهن يضر بن الأرض بأرجلهن لتقعقع خلاخلهن لتهييج الرجال أو الإشعار بأنهن من ذوات الخلاخل، فنهاهن اللَّه عن ذلك. وفيه إيماء إلى أن على المرأة أن لا تأتي بأية حركة تثير الشهوة وتوقظ المشاعر “وتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”. انتهوا عما نهى اللَّه، ومن سبقت منه الخطيئة فليتداركها بالتوبة فإنها مسموعة عند اللَّه.