فاضل حسن شريف
عن شبكة الثقلين الثقافية: قراءة حول فكر الزيدية: الوعد والوعيد: ومن عقائد الزيدية التصديق بوعد الله للمؤمنين بالجنة والخلود فيها، ووعيده للعصاة من الكفار والفساق والمنافقين غير التائبين بالخلود في نار جهنم، إيماناً بقوله تعالى: “إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين” (الإنفطار 13-16)، وقوله: “إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا * خالدين فيها لا يبغون عنها حولا” (الكهف 107-108)، “ومن يعصِ الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين” (النساء 14)، وغيرها من الآيات.
جاء في صفحة الزيدية والرد على شبهاتهم: اختلاف أئمَّة الزيديَّة في فهم آية المتعة: قال الله تعالى: “فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً” (النِّساء: 24). وجود الاختلاف بين أهل العلم في نطاق أيِّ طائفة يُعَدُّ أمراً متوقَّعاً ـ وربما صِحِّيًّا ـ نظراً إلى عدم عصمتهم بالإضافة إلى اختلاف مستويات العلماء في العلم والفهم، واقتضاء حرِّية البحث ونبذ التقليد لذلك.. ولكنَّ الأمر ليس كذلك بالنِّسبة إلى أئمَّة الزيديَّة، نظراً إلى أنَّهم يعتبرونهم قرناء القرآن الَّذين أُوتوا علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفهمَه، وهذا لا ينسجم مع حصول الخلاف بينهم. ولهذا يُعتبر الاختلاف بين أئمَّة الزيدية في المسائل الدينية منافياً لمعتقد الزيدية في أئمتهم. في هذا الموضوع نحاول تسليط الضَّوء على خلاف أئمَّة الزيديَّة في فهم آية المتعة، أي الزَّواج المؤقَّت، وهي الآية الـ 24 من سورة النِّساء. فقد اختلف أئمَّةُ الزيديَّة في فهم الآية، فمنهم من قال إنَّها في نكاح المتعة ولم تُنسخ، وأنَّ ما ورد في النَّسخ فهو ظنِّي، ولا يجوزُ نسخُ القطعيِّ بالظنِّي. ومنهم من قال إنَّ الآية في نكاح المتعة لكنها نُسخت. ومنهم من قال إنَّ الآية لا تمتُّ للمتعة بصلة، بل هي بصدد الزواج الدائم. واختلف الَّذين قالوا بالنَّسخ حول النَّاسخ. وفيما يلي بيان ذلك باختصار. أوَّلاً (القائلون بنزول الآية في نكاح المتعة مع اعتقادهم بالجواز وعدم النَّسخ): أشار إليهم إمام الزيدية أحمد بن يحيى بن المرتضى في البحر الزخار ج3 ص22 ـ 23 بقوله: “(الأكثر) ويحرم نكاح المتعة”، فإن الأكثر إشارة إلى أكثر علماء العترة، فيكون معنى ذلك وجود جماعة يمثلون الأقلية من علماء العترة يقولون بالجواز. ثم ذكر صاحب البحر الزخار القائلين بجواز نكاح المتعة مشيراً إليهم برموز منها: با صا، وهما رمزا الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام. قال: (ع با صا ابن جريج إماميَّة) يجوز لقوله تعالى (فما استمتعتم به منهنَّ). ورمز العين أو الهمزة هو رمز ابن عباس. ثم ذكر صاحب البحر الزخار أن القائلين بالجواز منعوا النسخ، لأن الإباحة قطعية فلا تنسخ بالظني، وأيَّد كون النسخ ظنِّياً بسبب الخلاف فيه. فهذه عدَّة وجوه أشار بها صاحب البحر الزخار إلى القائلين بالجواز من العترة. ثانياً (القائلون بأنَّ الآية نزلت في زواج المتعة ولكنَّها منسوخة): تبنَّى ذلك القاضي عبد الله الصعدي (ت 647 هـ) ـ الذي كان قاضي صعدة من قبل إمام الزيديَّة عبد الله بن حمزة ـ في كتابه “التِّبيان في الناسخ والمنسوخ” إلى جمهور الفقهاء، وحكاه عن إمام الزيديَّة عبد الله بن الحسين بن القاسم (أخي الإمام الهادي يحيى بن الحسين). وهو ما تبنَّاه إمامُ الزيديَّة أحمدُ بن سليمان (ت 566 هـ) في كتابه “حقائق المعرفة” (ص395). ثالثاً (القائلون بأنَّها ليست في المتعة بل هي في الزَّواج الدائم): ممَّن قال بذلك: إمامُ الزيديَّة أحمد بن عيسى كما في أماليه، وإمامهم القاسم كما في الجامع الكافي، وإمامهم أحمد بن الحسين الهاروني كما في شرح التجريد في فقه الزيدية، وإمامهم الهادي يحيى بن الحسين في كتاب الأحكام، والسيد مجد الدين المؤيدي كما في كتاب فصل الخطاب المطبوع ضمن مجمع الفوائد، والسيد بدر الدين الحوثي في التيسير في التفسير. رابعاً (اختلاف القائلين بالنَّسخ): فقال إمامُهم عبد الله بن الحسين بن القاسم أنَّ النَّاسخ من القرآن الكريم هي آية: (والذين هم لفروجهم حافظون” (المعارج 29) من سورة المعارج. بينما قال إمامهم أحمد بن سليمان إنَّ الناسخ من الكتاب هي آية: “يا أيها النبي إذا طلَّقتم النِّساء” (الطلاق 1) من سورة الطلاق. ثمَّ إنَّ كلا الإمامين قالا بأنَّ النَّاسخ من السنَّة هي بعض الأخبار التي رُويت في الباب، بينما قال السيِّد مجد الدِّين المؤيدي في كتاب “فصل الخطاب” المشار إليه آنفاً إنَّ النسخ بالسنَّة لم يقع لأيِّ آية في القرآن الكريم، فأمَّا السنَّة الظنيَّة فلا يمكن وقوع النَّسخ بها بسبب (قاعدة العَرض)، وأمَّا السنَّة القطعيَّة فالنَّسخ بها ليس مستحيلاً ولكنَّه لم يقع.
خامساً: قال إمامُ الزيدية أحمد بن الحسين الهاروني في شرح التَّجريد أنَّ الأخبار المفيدة للنسخ هي أخبار آحاد.. والسؤال: كيف يصحُّ نسخ القطعي بالظنِّي؟ إنَّ ما ذكره إمام الزيدية مجد الدين المؤيدي في كتاب فصل الخطاب يفيد عدم جواز نسخ القطعي بالظني، سواء كان القطعي قرآناً أم سنَّة.. ففي المصدر المذكور (ص27): “وقد عُلمَ أنَّه لا يُنسخ القطعيُّ إلَّا بمثله”. انتهى. سادساً: قد عرفتَ بنقل إمام الزيدية أحمد بن يحيى بن المرتضى في البحر الزخار أنَّ الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام قالا بجواز المتعة استناداً إلى الآية 24 من سورة النِّساء. نضيف إلى ذلك أنَّ الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام هما أعلم من سائر أئمة الزيدية بشهادة إمام الزيدية يحيى بن زيد الذي قال: “كلُّنا له عِلْمٌ، غير أنَّهم يعلمون كلَّ ما نعلم، ولا نعلم كلَّ ما يعلمون”. المصدر: “حقائق المعرفة في علم الكلام”، للإمام المتوكِّل على الله (ت 566 هـ)، باب حقيقة معرفة الإمام، فصل في الكلام في فرق الشِّيعة. أقول: بناء على ذلك يتَّجه التساؤل عن جواز مخالفة الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام بعد الاعتراف بأنَّهما الأعلم؟ تلخيص ما تقدم: 1 ـ علماء العترة ـ حسب نقل أئمَّة الزيدية ـ مختلفون في تفسير آية المتعة. 2 ـ القائلون بالتحريم يواجهون إشكالية نسخ القطعيِّ بالظنِّي. 3 ـ القائلون بالتَّحريم يُواجهون إشكاليَّة مخالفة من هو أعلم منهم.